كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

«المواطنة» في فكر وممارسة القوميين والإسلاميين

مفهوم "المواطنة" بحسب ما تواضعت عليه قواعد الديمقراطية، وثوابت الدولة المدنية، والمبادئ الدستورية، وقيم ومواثيق حقوق الإنسان، يقوم على التساوي الشامل لجميع المواطنين، أبناء المجتمع الواحد، على تعدد مشاربهم السياسية واختلافاتهم الدينية والمذهبية، في حقوقهم وواجباتهم، من غير أي تمييز يتعلق بالدين أو المذهب أو اللون أو الجنس أو غيره من التمايزات غير القانونية.
لكن هذا المفهوم الواضح والمحدود والذي تقوم عليه الدولة الوطنية المعاصرة، في دول العالم المزدهرة كافة، لا يحظى بهذا القبول في أدبيات ومفاهيم التيارين السياسيين: القومي والإسلامي، إذ ينحصر مفهوم المواطنة في أدبيات وممارسات التيارين في مفهوم إقصائي للآخرين، غير المنتمين إليهما، سواء في التمييز بين العربي وغير العربي لدى القوميين أو التمييز بين المسلم المنتمي للتنظيم وإيثاره بالامتيازات والمغانم عن المسلم غير المنتمي للتنظيم، أو حتى بالتمييز بين المسلم وغير المسلم ليقتصر مفهوم "المواطنة" فكراً وممارسة على المنتمين دون الآخرين.
وهذا ما لاحظناه بوضوح خلال ممارسات القوميين للسلطة في إقصائهم للأقليات العرقية غير العربية مثل "الأكراد" وغيرهم، وكذلك ما ثبت في تجارب الإسلاميين في السلطة، سنّة وشيعة، في تقربهم للأعضاء المنتمين إليهم وإبعادهم للقوى الوطنية الأخرى من المناصب القيادية.
وكذلك يتفق التنظيمان السياسيان في توسيع مفهوم المواطنة ليعبر حدود الأوطان، والإطار الوطني الجامع لأبناء المجتمع الواحد إلى إطار أوسع وأشمل، فيتسع المفهوم لدى القوميين ليشمل الإطار القومي الجامع للدول العربية مجسداً فيه "الدولة القومية الواحدة" بناء على أن الحدود القُطرية من صنع المستعمر المتآمر الذي رسم الحدود القطرية ليمنع توحد العرب في دولة قومية واحدة، بينما يتسع المفهوم ويتمدد في فكر الإسلاميين ليشمل الإطار الإسلامي الجامع للمسلمين في الدول الإسلامية كافة، سعياً وراء إحياء فكرة "دولة الخلافة" التي سقطت على يد كمال أتاتورك عام 1923، وقد هز هذا السقوط العالم الإسلامي كله في حينه.
لقد لعب هذان التياران السياسيان العريضان على امتداد أكثر من نصف قرن، دوراً بارزاً، في تشويه مفهوم "المواطنة" في عقول ونفسيات قطاع عريض من الجماهير العربية في توظيف أيديولوجي لمفهوم المواطنة والوطنية معاً، وهي الفكرة المحورية الرئيسية التي اتفق عليها النقيضان، ودارت حولها الأدبيات الفكرية والسياسية.
ينقل الكاتب اللبناني كرم الحلو عن أحد القوميين البارزين قوله: "الدولة القُطرية هي لعنة في حياة الأمة العربية، إنها مصدر العذاب والمعاناة والشؤم والمسخ، إنها تمثل - عاهة- تعوق نمو الأمة الطبيعي". لقد غفل القوميون العرب، أن رسم الحدود لم يكن لمصلحة استعمارية بمقدار ما كان ترجمة لتوازنات أهلية وعصبية راسخة، تمتد جذورها إلى ما قبل الحالة الاستعمارية بأزمان طويلة، يعود إلى الزمن العثماني، وآخر إلى الزمن العباسي والأموي، طبقاً لحازم صاغية في كتابه "وداع العروبة"، بل إن المستعمر المتهم بالتفرقة، اختصت مصلحته تاريخياً - في حالات عديدة- في تشجيع ودفع العرب إلى تكوين تجمعات سياسية موحدة كما فعل في توحيد الهند مثلاً. وفي الناحية الإسلامية ينقل مشاري الزايدي - الكاتب السعودي- عن إسلامي خليجي قوله: "لست والحمد لله من دعاة القُطرية، ولا من منظري الإقليمية أو القومية، بل أتشرف برفع راية الأهمية الإسلامية مع كل مسلم، وكل أرض يعبد فيها الله وحده، فهي أرضي وبلدي".
ولا يعنى مفهوم المواطنة أو الانتماء الوطني فحسب، الانتماءات والولاءات الأخرى للإنسان، مثل انتماء الإنسان الفطري للقرية أو المحلة أو حسب الإنسان لمسقط رأسه وحنينه إليه، أو انتمائه لقبيلته وعشيرته، كما لا يعني ذلك بأي حال من الأحوال مصادرة الانتماء الديني للمسلم في الإطار الإسلامي الواسع، كذلك لا يمنع الانتماء الوطني الانتماء الأيديولوجي أو الحزبي أو السياسي، ولكن المقصود أن يكون للانتماء الوطني الأعلوية والأولوية على الانتماءات والولاءات الأخرى كافة ما دون الوطنية وما فوقها.
لكن القضية ليست في تحديد مفهوم "المواطنة" المتساوية ولا أن الدساتير العربية ومنها الخليجية قد نصت على حقوق المواطنة، المهم ترجمة المفهوم في مناهج تعليمية ومنابر دينية وإعلامية ومؤسسات ثقافية تفسح المجال للتعددية السياسية والمذهبية والدينية، كما يقتضي تفصيل المفهوم أن تنأى السلطات عن تبني خيارات مذهبية أو أيدلوجية أو طائفية أو قبلية، بمعنى تجنب الدولة أي معاملة تمييزية في المناصب والوظائف والامتيازات لفئة على حساب أخرى.

عن الجريدة الكويتية

×
أخبار
تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط