كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الموت في المرآة الشعرية

الموت في المرآة الشعرية

تاريخ النشر: 2026-01-16 | 08:34

تشظي الوجود.. وانسجام اللغة في تجربة الشاعر التونسي القدير أ-جلال باباي..قصيدته"سأعود إليه ذاك الطين الملحميٌ" نموذجا..

 

       ("هل هي ذريعة لأنسنة الحياة..؟!")

 

"أنا لا أحبك يا موت..لكنني لا أخافك..وأعلم أن سريرك جسمي..وروحي لحافك..وأعلم أني تضيق عليّ ضفافك"( الشاعر الفلسطيني الراحل سميح القاسم.)

 

-إذا أردتَ ألا تخشى الموت، فإنّ عليك ألاّ تكفّ عن التفكير فيه” (snénèque)

 

يُعدّ الموت في التجربة الشعرية ليس نهاية تُحكى، بل لغةً تُخترع من جديد.فالشاعر،حين يواجه فكرة الفناء،لا يبحث عن عزاءٍ جاهز،بل يُعيد صوغ العالم من منظور الندبة والافتقاد.وهنا تكمن "لعبة اللغة" التي لا تنفصل عن لعبة الوجود،فالشاعر المبدع هو من يحوِّل هشاشة الموت وواقعيته الصادمة إلى نسيج لغوي قادر على التعبير عن اللامعقول،مُحَوِّلا الصمت المحيط بالفقد إلى إيقاع،والفراغ إلى استعارة.فالشعرية الحقيقية لا تكمن في زخرفة التراكيب فحسب،بل في قدرة النص على خلق كون موازٍ،تكون فيه الكلمات وعاء للوجع وللجمال في آن واحد،مما يُحدث ذلك الاهتزاز العميق-"القشعريرة الجمالية"-في نفس المتلقي.

وفي مسار الحداثة وما بعدها،حيث تتفكك الثوابت وتتعدد الرؤى،أصبحت القصيدة ساحة لاختبار حدود اللغة والمعنى.لم يعد الشكل التقليدي هو الهاجس،بل قدرة النص على اختراق الوعي المألوف وإثارة الأسئلة الوجودية عبر تقنيات جمالية متجددة.

وفي هذا السياق،تأتي تجربة الشاعر التونسي الكبير جلال باباي كنموذج لشاعر يزاوج بين صدق التجربة الذاتية ووعي حرفي باللغة.فقصيدته "سأعود إليه ذاك الطين الملحمي" ليست مجرد مرثية أو تحسر،بل هي فعل وجودي مواجه.إنها تحويل للموت من حدث سلبي إلى مصير ملحمي يتم استدعاؤه بقوة وإرادة: "سأعود إليه..سأمضي رأساً إلى قلب الأرض".

يحتفل باباي بالصور المتدفقة وبالإيقاع الداخلي الذي يشبه ترنيمة مصاغة بجراح ووعي.فهو يتغنى بالحياة (المرأة،الوطن،الشباب،الأناشيد) في لحظة التحديق في الموت،مما يخلق تناقضا مولدا للجمال.الموت هنا ليس إلغاء،بل عودة أصلية وخلاقة:عودة إلى "الطين الملحمي"،إلى الجذر الأول.إنه تحويل للذات من "خشب صلب" فردي إلى جزء من دورة الكون الأبدية.حتى علامات الشيخوخة والضعف تُنفى بقوة القول الشعري، ليصبح القبر مكانا تنمو عليه الأزهار وتُكتب عليه "قصائد الشمس".

وهكذا،يتحول الموت في الشعر من فكرة مجردة مروعة إلى مادة أولى للإبداع.إنه "ابن الفقدان" حقاً،لكنه أيضا أبُ للتأويل والحكمة.فالشاعر،من خلفياته الصوفية والوجودية،يستخدم الموت كمرآة عاكسة وكعدسة مكبرة تكشف بهاء الحياة وهشاشتها معا.إنه الذريعة القصوى لإعادة "أَنْسَنة" العالم،ولتذكيرنا بأن جوهر حياتنا يتشكل غالبا في ظل سؤال فنائها.

هكذا يأتي الحديث عن الموت مشتبكا برموز الحياة التي تُنعش ذاكرة الكائن،وتفتح فضاءها على آفاق متباينة من المعرفة كسلاح مواجهة،إلى حدٍّ أمكننا فهم التجلّيات الواخزة من أشكال الموت ومعانيه التي اصطرعت في وعي الذّات ومجهولها،بما في ذلك المعنى الأنطولوجي له:

"سأعود إليه ذاك الطين الملحميٌ"

سأكون حاملاُ

لأُمنياتٍ الطريق الساخنة

لن يكون لشيخوختي تجاعيد

ولن يغزو الشعر الأبيض تلال الرأس

أنا لستُ ،سرابا

ساغرٌد خارج السرب

سأحملها أناشيد الشباب

سابقى دويٌا في الصفوف الأولى

سأكون مختلفا،عن الباقين

سيضعون عند مرقدي

نقيشة ممتلئة بقصائد  الشمس

بعدئذ،

ٍ ستنمو الأعشاب على أطراف القبر

ستغطيني بالكامل باقة البنفسج

ستبتلعها الجبال تلك الأشجار

وقد ازالتها الريح من رحمها ،

ستلتهمني الأرض،

أنا الذي كنتُ خشبا صلبا

سأعود إليه،ذاك الطين الملحميٌ

سأمضي رأساً الى قلب الأرض..

مثلما الروح نحو السماء.

(جلال باباي)

ماقبل الخاتمة :

يمكن القول إن الشعر،في صميم تجلياته،هو محاولة لترميم العالم بانكسارنا.إنه اللغة التي تنسج من خيوط الوعي بالعدم رداء للوجود. فالشاعر، "أ-جلال باباي"،لا يهرب من الموت بل يغوص في أعماقه ليستخرج منه اللآلئ المكنونة: حنيناً إلى الطين الأول،وغضبا على الزوال،

وتصالحا غريبا مع دورة الكون.الموت في القصيدة يصبح كائنا كلاميا،يتحاور معه الشاعر،يتحداه، ويواصل الغناء في وجهه.فهو النقض الذي يولد التأكيد،والهادم الذي يكشف عن أساس البناء.

هكذا،لا تنتهي القصيدة عند حافة القبر،بل تمتد كجذور تلك "الأعشاب" و"باقة البنفسج" التي تعلن انتصار الحياة بطريقتها الهادئة.

إن إبداع-باباي-وغيره من الشعراء الذين استشرفوا الموت يذكرنا بأن أعظم نص شعري هو الذات الإنسانية نفسها،وهي تكتب سيرتها على صفحة الريح والزمن،معلنة،في جرأة وجمال،أن الوجود رغم فنائه،وقول الشعر رغم صمته المحتوم،هما توأما معنى لا ينفصلان.ففي العودة إلى "الطين الملحمي" يكمن الوعد باستمرار الغناء، حتى ولو كان الصوت جزءا من صمت

الأرض،والنقش جزءا من ضياء الشمس.

في قصيدته:"سأعود إليه ذاك الطين الملحميٌ" تتحرك الدلالات على محاور جمالية عدة،منها نسق الصور الشعرية التي تنتهي بتقفيات مموسقة،محركة للنسق الشعري،ومنها اعتماد القفلات النصية التي تؤكد ترسيمه للدلالات والمعاني الشعرية المتواشجة في بثها ومعانيها الجمالية التي ترصد وقع الحالة الشعورية بأعلى قيمة بؤرية تأسيسية لحراك الدلالات والمعاني الشعرية..

وهو يرفع قصيدته في وجه الموت،كان الشاعر الكبير-جلال باباي-يتوافق تماما مع مقصديّته،إن رؤيةً أو إيقاعاً،في الإفصاح عن تشقُّقات كينونته وأناه الغنائيّة،بعد الإبداع الّذي جسّده ببراعة واقتدار  في طوافّه الطويل،وفي مغامرة روحه من رحلة البحث،ناشِدا ومُنشدا.

على سبيل الخاتمة :

لقد بِتْنا اليوم معتقدين بأنّ الشعر،عموماً،هو ابن الفقدان ووريث الخسارات.لكن الموت لم يكن في تأمُله،ولا في معايشته اختباره حدوده مُجرّد بكاء وعزاء وإيحاء بغيوم الحزن التي تُلبّد سماء الكائن وتُظلّله..إنّ الموت يتحوّل لدى الشعراء،بخلفيّاتهم الصوفية والفلسفية والوجودية المتنوِّعة،إلى ذريعةٍ قُصْوى لأَنْسنة الحياة وقد افتقدت لكثيرٍ من ملامحها وقوى تجدُّدها إن في ذاتها أو في مدى انعكاسها على مرآة النّفْس.

ختاما أقول: الموت نقض للحياة،وهتك لبهائها،وإزاحة لمظاهر الجمال في ربوعها،وقد ظلت فكرة الموت تطارد الإنسان منذ أن أشرف بنفسه على مواراة أحد أقرانه تراب هذه الأرض.. لقد أيقن الإنسان منذ هذه اللحظة أنه للفناء،وأن العدم قرين خطاه مهما تطاور في البنيان أو شيَّد من الحضارات ! وأمام هذه الفكرة / فكرة الموت تشعر الذات الإنسانية بأن وجودها وجود للموت، ووجود للعدم تشعر بأنها مفردة لأن الفرد يموت وحده،ولا يمكن لإنسان من الناس أن يحمل عن غيره عبء الموت،أو ينوب عنه فيه..

ومن هنا تدرك الذات الإنسانية أنها مفردة ووحيدة أمام هذا المصير(1).

وقد أبدع الشاعر التونسي أ-,جلال باباي في ترجمة أحاسياسه من خلال هذه القصيدة،وجسّد فكرة الموت بأسلوب جمالي  رغم الإيغال في الألم،وكأني به يقول: ما عبور الآخر في العالم..إلا صورة أخرى لعبورنا في الوجود..

وأنا..!

ها أنا ذا أغوص في محيط كلماتك المتوهِّجة-يا جلال-أخترق أعماقها بقلب يعْشق المجهول..وليس البحر هنا ماء وملحا،بل حروفا تصنع أمواجا من دهشة،وكلّ موجة تقذف بكنوز من المعنى إلى ضفاف شاطئ الوجدان.

1-) يراجع : د/ عبد الرحمن بدوي / دراسات في الفلسفة الوجودية / مكتبة النهضة المصرية / القاهرة 1996.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط