كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الموقف الآيسلندي وفلسطين واستعادة القانون الدولي لمرجعيته

الموقف الآيسلندي وفلسطين واستعادة القانون الدولي لمرجعيته

تاريخ النشر: 2026-09-30 | 16:02

محمد مصطفى شاهين
محمد مصطفى شاهين

لم يعد الموقف الآيسلندي من الحرب على غزة مجرد تعبير دبلوماسي عابر يضاف إلى سجل المواقف الدولية المتناثرة بل بات يستحق القراءة بوصفه مؤشراً على عودة سؤال القانون الدولي إلى صدارة النقاش السياسي بعد أن طغت عليه لسنوات حسابات القوة وموازين الردع والمصالح الجيوسياسية. وما قالته وزيرة الخارجية الآيسلندية كاترين غونارسدوتير أمام الأمم المتحدة بشأن ضرورة التفاوض وتحقيق السلام العادل ورفض انتهاك القانون الدولي ووصول المساعدات الإنسانية يضع المجتمع الدولي أمام معادلة تتجاوز حدود الخطاب السياسي إلى جوهر النظام الدولي الذي يفترض أن تكون قواعد القانون فيه مرجعا منظما للعلاقات بين الدول.

المغزى الأعمق في هذا الموقف أن آيسلندا لم تتعامل مع مأساة غزة باعتبارها أزمة إنسانية منفصلة عن سياقها السياسي والقانوني وإنما ربطت بين حماية المدنيين وإيصال المساعدات وبين ضرورة معالجة جذور الصراع وحقوق الشعب الفلسطيني. وهذه المقاربة تكتسب أهمية خاصة لأن اختزال القضية الفلسطينية في بعدها الإغاثي قد يحول المساعدات من حق إنساني إلى أداة لإدارة الأزمة بينما يبقى أصل المشكلة قائما. فالقانون الدولي الإنساني ينظم حماية المدنيين أثناء النزاعات ولا يلغي في الوقت نفسه القواعد القانونية المرتبطة بالاحتلال وتقرير المصير والحقوق السياسية للشعوب.

وفي هذا السياق يمكن قراءة تصريحات غونارسدوتير باعتبارها تذكيرا بأن السلام ليس مجرد وقف مؤقت لإطلاق النار ولا ترتيباً أمنيا قابلاً لإعادة إنتاج الصراع بعد فترة قصيرة فالسلام المستدام يحتاج إلى مرجعية سياسية وقانونية تعالج مسألة الحقوق وتضع حداً لتغيير الوقائع على الأرض بالقوة ولذلك فإن الحديث عن التفاوض لا ينبغي أن يتحول إلى غطاء زمني مفتوح يسمح باستمرار الاستيطان أو التهجير أو فرض الوقائع الجديدة بينما يجري إبقاء التسوية السياسية في حالة انتظار دائم.

وتزداد أهمية الموقف الآيسلندي عند وضعه في سياق العلاقة التاريخية بين ريكيافيك والقضية الفلسطينية فقد اعترفت آيسلندا بدولة فلسطين عام 2011 وأكدت في مناسبات مختلفة دعمها لحل الدولتين وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره كما أعلنت في عام 2026 تدخلها في قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بموجب المادة 63 من النظام الأساسي للمحكمة، وهذه الخطوة تحمل دلالة قانونية تتجاوز حدود التضامن السياسي لأنها تعكس انخراطاً في مسار قضائي دولي تتداخل فيه مسؤوليات الدول مع قواعد القانون الدولي.

ومن هنا تبرز نقطة جوهرية تتمثل في أن القضية الفلسطينية لم تعد قابلة للاختزال في كونها موضوعاً للخلاف السياسي بين أطراف متنازعة فحسب بل أصبحت أيضاً جزءًا من النقاش الدولي حول مدى احترام قواعد القانون الدولي وفعالية المؤسسات متعددة الأطراف فعندما تصبح مسائل الاحتلال والاستيطان والتهجير وحماية المدنيين ووصول المساعدات الإنسانية محل نقاش أمام المؤسسات الدولية فإنها تنتقل من دائرة الخطاب السياسي المجرد إلى فضاء المسؤولية القانونية والالتزامات الدولية.

ولعل حديث الوزيرة الآيسلندية عن الضفة الغربية والاستيطان وعنف المستوطنين يلفت الانتباه إلى واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وهي مسألة تغيير الحقائق على الأرض. فالمفاوضات التي تجري في ظل استمرار التوسع الاستيطاني وتآكل المجال الجغرافي الفلسطيني تواجه معضلة بنيوية تتمثل في أن الواقع الميداني يتغير بصورة أسرع من قدرة العملية السياسية على إنتاج حل عادل  ومن ثم فإن أي حديث جدي عن حل الدولتين لا يمكن فصله عن مسألة الحفاظ على الأساس الجغرافي والسياسي الذي يفترض أن تقوم عليه هذه التسوية.

وفي البعد الآخر من الموقف الآيسلندي تبرز مسألة المساعدات الإنسانية بوصفها اختبارا حقيقيا لصدقية النظام الدولي، فالمساعدات ليست امتيازاً سياسياً تمنحه الأطراف المتحاربة متى شاءت وإنما ترتبط بمبادئ الحماية الإنسانية وبواجبات تنظمها قواعد القانون الدولي الإنساني. وعندما يصبح وصول الغذاء والماء والدواء والمأوى إلى المدنيين رهنا بالتجاذبات السياسية فإن المسألة لا تعود مجرد أزمة لوجستية وإنما تتحول إلى قضية تتصل بكرامة الإنسان وبمدى قدرة المجتمع الدولي على حماية الفئات الأكثر هشاشة في زمن الحرب.

وفي هذا الإطار تبدو عبارة غونارسدوتير حول أولئك الذين يرفضون التفاوض أو يمنعون وصول المساعدات أو يستخفون بالقانون الدولي أكثر من مجرد انتقاد سياسي فهي تطرح سؤالاً حول معنى الشرعية الدولية نفسها فالنظام الدولي لا يستطيع أن يطالب الدول باحترام قواعده في ملف وأن يسمح بتعطيلها في ملف آخر دون أن تتآكل الثقة في مؤسساته. وهذه الإشكالية لا تخص الفلسطينيين وحدهم بل تمس صورة النظام متعدد الأطراف وقدرته على إنتاج قواعد قابلة للتطبيق بعيدا عن ازدواجية المعايير.

ولذلك فإن قيمة الموقف الآيسلندي لا تكمن في ارتفاع نبرة الخطاب وإنما في وضوح مرجعيته. فالدبلوماسية لا تفقد قيمتها عندما تتحدث بلغة القانون والحقوق بل ربما تستعيد جزءا من وظيفتها الأصلية عندما تتحول من إدارة الأزمات إلى البحث عن حلول تستند إلى قواعد واضحة. والمطلوب من الدبلوماسية الدولية في الحالة الفلسطينية ليس فقط إنتاج البيانات والنداءات وإنما تحويل المرجعية القانونية إلى سياسات عملية تحمي المدنيين وتضمن وصول المساعدات وتدفع باتجاه تسوية سياسية قابلة للحياة.

كما أن الإشارة إلى محكمة العدل الدولية والمؤسسات القضائية الدولية تفتح نقاشاً أوسع حول مستقبل النظام القانوني الدولي، فالمحاكم الدولية لا تستطيع وحدها إنهاء الحروب أو فرض السلام لكنها توفر إطارا قانونيا يمكن من خلاله تثبيت المبادئ وتحديد الالتزامات وبلورة المسؤوليات. ومن ثم فإن احترام أحكام وآراء القضاء الدولي لا ينبغي أن يكون مرتبطا بموازين القوة أو بمواقف الدول من أطراف النزاع وإنما بمبدأ عام مفاده أن القانون لا يكون قانونا إذا أصبح تطبيقه انتقائيا.

وفي الحالة الفلسطينية تحديداً تبدو الحاجة ملحة إلى الانتقال من مرحلة إدارة الكارثة إلى مرحلة معالجة أسبابها، فإعادة الإعمار مهمة ضرورية لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى بديل عن الحل السياسي ولا إلى آلية لإعادة إنتاج واقع هش قابل للانفجار مجددا. كما أن وقف إطلاق النار لا يمثل نهاية الصراع وإنما يمكن أن يكون مدخلا لمسار سياسي وقانوني أوسع يعالج قضايا الاحتلال والاستيطان والحدود والقدس واللاجئين وتقرير المصير والأمن وفق مرجعيات دولية واضحة.

ومن هنا يمكن فهم الموقف الآيسلندي باعتباره صوتاً داخل النظام الدولي يدعو إلى إعادة الاعتبار للقاعدة القانونية في مواجهة منطق القوة. فالمطلوب اليوم ليس المزيد من البيانات التي تندد بالأوضاع الإنسانية ثم تعود إلى أرشيف الأمم المتحدة وإنما ترجمة المبادئ المعلنة إلى خطوات سياسية ودبلوماسية وقانونية تحمي المدنيين وتضمن تدفق المساعدات وتدعم المؤسسات الإنسانية وتحافظ على دور الأونروا وتدفع نحو تسوية تقوم على الحقوق لا على إدارة الصراع إلى ما لا نهاية وفي نهاية المطاف فإن السلام الذي يستحق اسمه لا يولد من الصمت على الظلم ولا من مجاملة القوة وإنما من قاعدة واضحة تقول إن القانون فوق القوة وإن كرامة الإنسان ليست ورقة تفاوضية وإن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره ينبغي أن يبقى جزءًا أصيلا من أي تصور جاد لسلام عادل ودائم.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط