كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

المولات في زمن الخراب: حين يسبق الاستثمارُ الحياةَ نفسها

المولات في زمن الخراب: حين يسبق الاستثمارُ الحياةَ نفسها

تاريخ النشر: 2026-02-09 | 14:55

في شارعٍ محطم في قلب مدينة غزة يفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، وفي مدينةٍ منهكة دُمّرت مرتين بفعل الحرب والفوضى والجوع والفقر، يُفتتح كل يوم مشروع تجاري جديد، غالبًا على هيئة "مول" أو مطعم حديث تتلألأ أضواؤه وسط عتمةٍ عامة. يحدث هذا في الوقت الذي ما تزال فيه قطاعات حيوية وأساسية كالصحة والتعليم والكهرباء والمياه والنقل في حالة دمار أو شلل شبه كامل. هذا المشهد يطرح سؤالًا أخلاقيًا واقتصاديًا عميقًا: كيف يمكن لمدينةٍ تغرق في الظلام ومياه الصرف الصحي أن تشهد سباقًا محمومًا على افتتاح المنشآت التجارية؟

للوهلة الأولى، قد يبدو الأمر مؤشرًا على "تعافٍ اقتصادي" أو "عودة للحياة"، لكن التمعّن يكشف أن ما يحدث ليس تعافيًا بقدر ما هو تشوّه في الأولويات. فالمشاريع التجارية الخاصة، وبالأخص "المولات والمطاعم والكافيهات"، لا تقوم استجابةً للحاجة العامة، بل بدافع الربح السريع. هي استثمارات قصيرة الأمد نسبيًا، يمكن استرداد رأس مالها بسرعة، ولا تتطلب بنية دولة قوية أو تخطيطًا استراتيجيًا طويل المدى، بعكس قطاعات مثل الصحة أو التعليم أو البنية التحتية، التي تحتاج إلى استقرار سياسي، ومؤسسات فاعلة، ورؤية وطنية شاملة.
في سياق الحروب، ينشأ ما يمكن تسميته بـ اقتصاد الأزمة أو اقتصاد الفوضى، حيث تتوسع الفجوة بين طبقة صغيرة تملك المال والقدرة على الاستثمار، وغالبية تكافح من أجل البقاء. في مثل هذا الاقتصاد، لا تُوجَّه الموارد إلى ما يخدم المجتمع ككل، بل إلى ما يخدم القادرين على الدفع فقط. وهكذا، يصبح المول مساحة مغلقة لطبقة محدودة، لا انعكاسًا لتحسّن حقيقي في حياة المدينة وسكانها. بل بمكن تسميته نوع من غسيل الأموال، بعد جمع أموال كبيرة خلال فترة المجاعة من بيع المواد الغذائية بأسعار مرتفعة.
الأخطر من ذلك أن غياب الدولة أو ضعفها يخلق فراغًا هائلًا. وعندما تفشل السلطة في أداء دورها الأساسي في توفير الخدمات العامة، لا يتقدّم القطاع الخاص لتعويض هذا الفشل بدافع المسؤولية الاجتماعية، بل يتحرك وفق منطق السوق البحت. فالقطاع الخاص، بطبيعته، لا يُبنى ليكون بديلًا عن الدولة، ولا يمكنه أن يحمل عبء إعادة الإعمار العادل أو التنمية المتوازنة. وعندما تُترك المدينة لمنطق رأس المال وحده، تكون النتيجة مشاريع معزولة عن الواقع، تلمع فوق أرضٍ متصدعة.
قد يُقال إن الناس بحاجة إلى متنفس، إلى مساحة تشعرهم بأن الحياة ما زالت ممكنة رغم الحرب. وهذا صحيح جزئيًا. كثيرون لا يذهبون إلى هذه المولات لأنهم يعيشون رفاهية حقيقية، بل لأنهم يبحثون عن لحظة هروب من واقع قاسٍ، عن وهم الحياة الطبيعية. غير أن المشكلة تكمن في أن هذا الوهم يُستغل أحيانًا لتجميل الخراب بدل مواجهته، ولإيهام المجتمع بأن عجلة الحياة تدور، بينما الأسس التي تقوم عليها هذه الحياة ما تزال مهدّمة.
من هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يُعقل افتتاح المولات في زمن الحرب؟ بل: كيف وصلنا إلى مرحلة يصبح فيها الاستثمار في الكماليات أسهل وأسرع من الاستثمار في أساسيات الحياة؟
الإجابة المؤلمة تكمن في تلاقي ثلاثة عوامل: رأس مال غير منضبط بالجشع، وسلطة عاجزة أو فاسدة، وحرب لم تتوقف. وعندما تجتمع هذه العوامل، تصبح الصورة مألوفة: مولات بلا مستشفيات، إعلانات مضيئة فوق شوارع مكسّرة، ومظاهر رفاهية معزولة وسط بحر من الحرمان.
مدينة غزة لا تحتاج إلى مزيد من المراكز التجارية لتثبت أنها "تعيش". ما تحتاجه فعلًا هو إعادة ترتيب الأولويات: صحة قبل الاستهلاك، تعليم قبل الترف، كهرباء وماء قبل واجهات زجاجية لامعة. وقبل كل ذلك، تحتاج إلى سلام حقيقي وسلطة قادرة وعادلة، لأن أي استثمار لا يقوم على كرامة الإنسان وحقه في الحياة الكريمة، سيظل مجرد قشرة لامعة تغطي واقعًا هشًا ومؤلمًا.


 

×
أخبار
بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط