كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

النار عندما تلتهم اللاجئين السوريين

إنه ليس عنواناً للفت الأنظار، وجذب انتباه القراء والمهتمين، وإثارة الرأي العام، أو تأجيج المشاعر والأحاسيس، أو هو للتوظيف السياسي والإعلامي، أو هو محاولة للتحريض والتعريض، بل هي حادثةٌ حقيقيةٌ أشهدُ عليها، فقد التهمت النيرانُ أمام أنظارنا طفلةً سوريةً صغيرة، كانت تسكن وأهلها ملجأً في بيروت، تماماً في المبنى المقابل للبناية التي أسكن فيها، وقد شاهدتُ وأسرتي، بعد أن شعرنا برائحةٍ غريبة، أشبه برائحة احتراقِ أسلاكٍ كهربائية، فما إن نظرنا من شرفة البيت الذي نسكنه، حتى رأينا ألسنة النيران المشتعلة، وسحائب الدخان الأسود الكثيف، تنبعث من جوف المستودع الذي تسكنه عائلةٌ سوريةٌ، ارتضت أن تعيش في قبوٍ رطبٍ تحت الأرض، تحتمي به من البرد والمطر، وتستر به نفسها، وقبل أن يتجمهر الجيران، ويستدعوا سيارات الدفاع المدني اللبنانية، كانت سحائب الدخان الأسود تزدادُ كثافةً، وألسنة النيران في جوف المستودع تتقد وتشتعل، في إشارةٍ إلى عظم النار، وشدة الحريق.

دقائق طويلة مرت، قبل أن تتمكن خمس سيارات إطفاءٍ كبيرة، وعشراتٌ من رجال الدفاع المدني، من استخراج القاطنين السوريين واحداً تلو الآخر، الذين كانوا في حالةٍ سيئة، وقد استنشقوا كمياتٍ كبيرة من الدخان، الذي كان يتصاعد بلا توقف، خاصةً وأن القبو كان مستودعاً لموادٍ اسفنجية، ومعملاً للأثات، فضلاً عن وجود موادٍ قابلة للإشتعال، مما يستخدم في معامل الاسفنج، فكانت وجوههم زرقاء، وعيونهم مغمضة، وبعض زبدٍ أسودٍ على شفاههم، ولكنهم خرجوا من تحت ألسنة اللهب أحياء.

وكان من بينهم امرأةٌ، هي الأم لا ريب، كانت بين الوعي والإغماء، وبين الإدراك والاضطراب، ولكن من بين سكرات الموت البادي على وجهها، لم تنس أولادها، ولم تتخل عن فلذات كبدها، فكانت تصدر أصواتاً مبهمة، فهم المحيطون بها أن في القبو ما زالت طفلةٌ صغيرة، لما تخرج بعد.

نُقلت الأم وبقية المصابين وهم أطفالها بسيارةِ إسعافٍ تابعةٍ للدفاع المدني اللبناني إلى أحد المشافي، وما زال الناس يتجمهرون في المكان، ويحيطون بسيارات المطافئ، وينتظرون بفارغ الصبر متى يخرج المنقذون والمسعفون من قعر القبو، ليعلنوا انتهاء الحريق، لكن المتجمهرين في المكان كانوا يتساءلون، هل بقي أحدٌ في المبنى، أم خرج الجميع منه أحياءً، وإن كانوا مصابين بسبب النار والدخان، وبينما هم في جدالهم يخمنون ويخرصون، وفي انتظارهم قلقون وخائفون، فإذا برجال المطافئ يُخرجون على محفةٍ محمولة، بقايا جسدٍ ملفوفٍ بملاءةٍ بيضاء، فقد كان الجسدُ للطفلةِ السوريةِ الصغيرة، التي بقيت وحدها في القبو، ولم يتمكن أحدٌ من الوصول إليها، إلا بعد أن نالت النيران من جسدها، وأكلت من لحمها، ولم تبق منه إلا القليل الذي يدل عليها.

إنها واحدةٌ من مئات الحوادث الأليمة، التي يتعرض لها اللاجئون السوريون في شتاتهم ولجوئهم بعيداً عن وطنهم، فقد أصابهم الكثير، وحلت بهم المصائب والنكبات، فمن نجا منهم من القصف والموت في بلاده، فقد أدركته قذيفةٌ وهو في الطريق إلى اللجوء فقتلته، فمات غريباً عن بلده، وبعيداً عن أهله.

وآخرون قتلوا نتيجة انهيار مبنى، وغيرهم كانوا في المكان الذي انفجرت فيه عبوة، وبعضهم آثر الهجرة والرحيل، فالتقمه البحر وأغرقه، ومن نجا من الغرق، فقد أصابه رصاص خفر السواحل العرب، فمن قُتلَ دُفنَ، ومن بقي على قيد الحياة سيق إلى السجون ومراكز التوقيف، ليدفع فيها ثمن لجوئه، وضريبة ثورته، ويؤدي بقية عمره فاتورة مغامرته بحثاً عن الكرامة وعزة النفس.

مسكينٌ أيها السوريُ، فقد ضاقت بك الدنيا بما رحبت، وقد كانت بلادك رحبةً واسعة، تفتح أبوابها وتستقبل كل الناس، وتبش في وجوه من قصدوها، تكرم الضيف، وتأوي الغريب، وتسكن الوافد، وتحن على الضعيف، وتواسي المريض، وتداوي الجريح، وتقف مع كل صاحب قضية، وتساند أصحاب الحق، وتناصر المستضعفين في الأرض، فما كان فيها عربيٌ غريب، بقدر ما كان يرى في الشام أنها بلاده، وسكانها أهله وأحبابه.

السوريُ الذي اعتاد أن يكون نصيراً لإخوانه، وعوناً لأشقائه، يدخلهم بيته، ويقاسمهم طعامه، ويعطيهم من أثاثه وبعض فراشه، ويتعامل برفقٍ مع الوافدين إلى بلاده، فلا يضامون عندهم، ولا يظلمون بينهم، ولا يشعرون بفاقةٍ أو فقرٍ وحاجةٍ وهم في بلاد الشام، التي كان وطناً لكل عربي، لكن اللاجئ السوري أصبح اليوم بين العرب يعاني، وفي بلاد المسلمين يقاسي، فقد أغلق الكثير من العرب أبوابه في وجوههم، ومنع دخولهم، وضيق عليهم، وحرمهم من كل وسيلةٍ للعيش الكريم، ومنهم من استغل حاجتهم، وابتزهم في ظروفهم، ودفعهم إلى ما لا يقبله الحر، وإلى ما لا يرضاه الكريم.

أكتبُ هذه الكلماتٍ بكلٍ حرقةٍ وأسى، وأشتم بين الحين والآخر أصابع يدي التي لم تغادرها رائحة الدخان، وأدس أنفي في ثيابي فأراها مسكونةً بكثيرٍ من آثار الحريق الدامي، الذي اختلط برائحة شواء جسد الطفلة الصغيرة، فلا أستطيع أن أنسى حال الشعب السوري، ولا أغض الطرف عن معاناته التي زادت في أيام الشتاء، وتعاظمت في ظل البرد، فأرفع يدي قبلة السماء، ضارعاً إلى الله سبحانه وتعالى، أن يرفع عنا الغمة، ويزيل عنا هذه المحنة، فقد أصابنا ما لا نحتمل، وحل بنا ما لا نقوى على الصبر عليه، فعجل اللهم لنا بالفرج، علَّ الجراح تبرأ، والنفوس تهدأ، والعيون يجف دمعها، ويعود إليها بريق أملها.

 

×
أخبار
انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط