كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

النازحون واليوم التالي: الُصبحُّ الذي طالَ انتظاره!!

النازحون واليوم التالي: الُصبحُّ الذي طالَ انتظاره!!

تاريخ النشر: 2024-08-27 | 13:23

على مدار عام من الحرب العدوانية على قطاع غزة، ومصطلح (اليوم التالي) يتردد على ألسنة السياسيين والنازحين على حدٍّ سواء، إذ لا يوجد هناك قراءةٌ واضحة أو تصورٌ مفهوم لجوهر هذا (اليوم التالي)، وإن كان هذا المصطلح من دلالاته ما يفيد أن هناك انسحاباً إسرائيلياً كليَّاً أو جزئياً من القطاع، وأن فرص عودة الكثير من النازحين إلى أماكن سُكناهم باتت تلوح في الأفق، وإن كانت إشراقة صُبح هذا (اليوم التالي) تبدو لناظريه ليست بالقريبة القريبة، لتعقيدات حسابات التفاوض؛ فالمفاوضات -كما يقولون- "بدايدها وحبالها طويلة".

وفي ظل حالة التكدّس الهائل لخيام النازحين على مساحة لا تزيد عن 10% من مساحة قطاع غزة من الأراضي المشاطئة للبحر (منطقة المواصي)، والتي يُقيم عليها أكثر من مليون وسبعمائة ألف نازحٍ في ظروف إنسانية ومعيشة بالغة الصعوبة، مع قلق دائم مما يُخبّئه المجهول من غموض اليوم التالي، إذ إن تقسيم القطاع بين شمال وجنوب ومحاور فلادليفيا ونتساريم تُقيّد أيّ مستقبلٍ لحركةٍ حُرَّة داخل قطاع غزة أو في اتجاه الخروج منه، في مشهدية قد تكون الأكثر سوداوية في تاريخ النكبة الفلسطينية بسرديتها الأولى والثانية، والتي لمَّا تنتهِ كلُّ تفاصيلها بعد.

في "مخيم منتزه النخيل" بحي تل السلطان بمدينة رفح، أشرفت لسبعة شهور على مركز الإيواء الذي كانت تحتشد فيه وفي الجوار القريب منه حوالي 400 عائلة من النازحين من مدن شمال القطاع ومناطقه الوسطى، حيث كنا نقوم بتأمين الطعام والشراب لهم بشكل يومي داخل المخيم، مع ما سبق تجهيزه من احتياجات الإيواء العاجل ومتطلبات المبيت والمعيشة من الأثاث الذي يوفر الحد الأدنى من الكرامة والمتطلبات الإنسانية لهؤلاء النازحين.

اجتهدنا مع عشرات المتطوعين ممن أقاموا مخيمات أخرى وتكايا عثمانية، أن نُحيي الأمل في نفوس هؤلاء النازحين، والتذكير بأنَّ (اليوم التالي) يحمل معه حلماً جميلاً لا كابوساً ثقيلاً، وأن جموعهم ستشد رحيل عودتها إلى بيوتها قريباً، وأن القضية مسألة وقت، لن تطول أسابيعها وسيكون الكلُّ في بيته، وما ذلك على الله بعزيز.

في اليوم الذي أعلنت فيه إسرائيل أنها ستقوم باجتياح رفح، كان الكثير من أهالي حي تل السلطان قد عقد العزم على عدم المغادرة، إلَّا أن عشرات الآلاف من النازحين داخل الحي أخذت تهرول هلعاً مغادرة المدينة باتجاه البحر والمناطق الوسطى، محذرة من هول ما هو آت، بحكم ما سبق أن مرَّت به من تجربة نزوح تشيب لها الولدان.

أجبرتنا القذائف التي صبَّت حِممها بشكل عشوائي على الحي في ذلك الليل الحالك الذي صدرت فيه التحذيرات، على إعادة النظر في قرار "عدم المغادرة"؛ لأن البقاء كان يعني انتحاراً لا بطولة من ورائه ولا طائل، وفي لحظة كانت فيها خيارات الموت تطاردنا، صار قرار المغادرة يعني السلامة حتى حين.

حسمنا قرار المغادرة، وحملنا ما خفَّ من متاع وتوجهنا إلى مكان كان قطعة أرض يملكها أخي (صالح) حيث نصبنا خيامنا أو ما يشبه الخيام، إلى جوار عائلات أخرى مثل العامودي، والشاعر، وعبد العال، وأبو شمالة، والريفي، وغيرهم..

وبناءً على هذا الواقع الجديد، بدأنا في ترتيب شؤون حياتنا، والعمل على تجهيز التكيَّة التي ستقدم لنا وللنازحين ما يسد رمقهم من الطعام.
حاولنا أن نحاكي أجواء المخيم الأول، وشرعنا في تقاسم العمل كلٌّ بما تيسَّر بين يديه من المال والعلاقات ودروب التواصل مع الجهات الإغاثية المانحة التي سبق لنا فتح شرايين العلاقات معها كالصليب الأحمر وتيار دحلان الإصلاحي ولجنة التنمية الاجتماعية وبعض رجال المال والأعمال من أصدقاء الزمن الجميل..

في سهرات الليل وجلسات العصر كانت مشهديات (اليوم التالي) هي محط خيال المتحدثين، حيث أطلقَ كلُّ واحد منهم العنان لتعزيز ما يراه الحلم الآخذ بالتشكل في سياق التمني والتحلي.

(اليوم التالي) هو لغزٌّ محيّر، لأن الجهات التي تتحكم في تحديد ملامحه هي أطراف إسرائيلية وأمريكية ووسطاء من مصر وقطر مهمتها تطويع أطراف فلسطينية بالموافقة والقبول، لاعتبار أن ليس بالإمكان أفضل مما هو معروض وتلوكه ألسنة نتنياهو وحليفه الأمريكي بايدن.

 من أبجديات السياسة أنَّ صاحب اليد العليا في الميدان هو من يمسك القلم ويحدد نقاط وشروط الاستسلام، فمن المعروف أن المفاوضات لكي تنجح يجب أن يشعر الطرفان بأنّ هناك مصلحةً قد تحققت لكلِّ منهما، أو أن ما يجري ليس أكثر من لقاءات عبثية يتلاعب بها الطرف الأقوى لخلق أجواءٍ تتناسب ومخططاته، ويعمل على شراء الوقت لفرض ذلك على مراحل متفرقة.

في متابعتنا لمشهدية الميدان، نرى أن فرص (اليوم التالي) بعد كلِّ هذا الدمار الهائل الذي أعقب حالة ما بعد السابع من أكتوبر، حيث تقلصت مساحات الأحياء السكنية لحساب المناطق الأمنية العازلة التي بسط عليها الاحتلال تحصيناته وأحزمته النارية، وهو بصدد إعادة تركيب هياكله الاستيطانية والأمنية بما كان قائماً قبل الانسحاب من قطاع غزة بعد توقيع اتفاق أوسلو 1993 وعودة السلطة الفلسطينية لبدء أركان حضورها الرسمي في الضفة الغربية وقطاع غزة.

مشاهد (اليوم التالي) لا تبدو وردية المعالم، وليس مشهدية بعيدة عن مظاهر الاحتلال، وصور معاناتها الإنسانية ستمتد سنين قبل أن يعيد هذا الشعب تحت الاحتلال الجديد بناء مقومات وجوده، ليعيش بكرامة تسمح له -وسط أحزانه وفقره- بناء عائلة مستورة يُكمل بها مشوار حياته، انتظاراً لصبح تشرق فيه شمس أحلامه الوطنية من جديد.

(اليوم التالي) للفلسطيني في قطاع غزة، هو اليوم الذي يعود فيه النازح إلى أنقاض بيته ليضع فوقه أو بجواره موطئ قدم لسكناه ما بعد النكبة الثانية الكبرى أو يحاول إصلاح غرفة بجواره ويجلس بانتظار وصول المساعدات الدولية الإنسانية والإغاثية التي تستر عورة حاجته وتقيه برد الشتاء، وتوفر له نقطة طبية لعلاج أطفاله الصغار أو تؤَّمن له كسوة ومساعدة مالية أو حتى وظيفة متواضعة لأبنائه تغنيهم عن ذلِّ السؤال، وتعفيهم من استجداء الجمعيات والجهات الدولية بما يحفظ لهم أود كرامتهم.

(اليوم التالي) على المدى القصير، لن يكون في إطلالاته الأولى بحجم الطموحات والأمل، بل هو امتداد لشهور عجاف من العيش في مخيمات النزوح والتشريد بكلِّ ما حملته أيامها ولياليها من عثرات وأمراض جلدية وشعور بالقهر والضجر، هي أيام وليالي سيظل الكلُّ فيها يقلب بصره خاسئاً وهو حسير، يفكر فيما سبق السابع من أكتوبر، وما كان فيه من عيش رغيد واستقرار وازدهار نسبي، لا تخطئه عين صاحب القول السديد.

اليوم التالي، هو اليوم الذي سنظل مع مشهدياته نتذكر كل ما سبق من أيام وشهور وسنين كنا ندير فيها شؤون حياتنا ومستشفياتنا وجامعاتنا ومدارسنا، وكنَّا السيد في معظم قراراتنا، والسفر متاح لنا للعمل والحياة خارج جغرافيا القطاع، لنعود من جديد الآن إلى الاحتلال والحصار والملاحقة، ومشهديات أخرى لم يسبق وأن عايشناها في احتلالات أخرى.

(اليوم التالي) لم ولن يكون يوماً سعيداً.. نعم؛ ستتوقف الحرب، ولكن ستتعدد صور معاناتنا في ظل تداعياتها، إذ ستفقد الكثير من الأسر تواصلها وترابطها وستبدأ مسيرات بحث (لمِّ الشمل)، وستخضع كلُّ مظاهر حياتنا للمراقبة الأمنية والمطاردة وانتشار العملاء وتفشي سلوكيات الفساد ونحو ذلك من الحالات الاجتماعية المصاحبة للوضعيات الاستعمارية، وحالات الاحتلال.

لا شك بأن الحرب ستنتهي، ولكن ويلاتها ستعيش معنا لأجيال قادمة.

لقد خسرنا الكثير على مستوى الحكم والهوية والوجود الوطني.. وبانتظار صباح اليوم التالي، ما تزال هناك سويعات تسبق شقشقات فجره، لكن تقلبات أجسادنا فيها داخل الخيام ونحن نهدهد أطفالنا ونكفكف ما ذرفته عيوننا من دموع، هو كل ما تبقى لنا، وقد شلّت الكارثة قدراتنا على مغالبة هذا العدوان الغاشم، الذي تواطأت معه دول الغرب الاستعماري والكثير من ذوي القربى في مشهدية من الصدمة والذهول التي أصابت أمة العرب والمسلمين.

قد لا أكون بجرأة الشاعر العراقي مظفر النواب، حين انهال بكلماته الجارحة (من الزنار ونازل) على مواقف الرسمية العربية الانهزامية خلال مراحل زمنية مشابهة في قصيدته الشهيرة "القدس عروس عروبتكم".

لكن يكفي أن أُذكِّر بها لمن أراد أن يتشفَّى من حالة الخذلان الرسمية لأمة كانت في إطلالة أمجادها عظيمة.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط