كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

النّصر قائد النّسر - في ذكرى الوَحْش الجميل -

 النّصر قائد النّسر  - في ذكرى الوَحْش الجميل -

تاريخ النشر: 2026-06-30 | 18:49

المتوكل طه
المتوكل طه

صراخ مكتوم ينفجر وراء الخرسانة المتجهّمة، فتطير قلعة السجن، وتتفلّع الجدران، ويتشقّف السقف، ويتعرّى القيد على ذراعي الغضب الغوليّ، الذي يفتّت الكلبشات الحديد، ولم يتهاطل الدمع سخياً خشناً على وجه الأسير، بل حمحمات ألف حصان ناريّ يتفلّت، لتشقّ العتمة الصلدة..كان هذا؛ عندما يزأر الوحشُ الجميل محمد أبو النصر، الذي قاد مجموعة النسر الأحمر في غزة، ليشتبك مع جنود الاحتلال، غير مرّة، فتصيبه إحدى عشرة رصاصة في رجليه، ويُساق إلى السجن ويُحكم عليه بمائة سنة إلا سنة! كان هذا العام 1970.

لم يهدأ الأسير الذي أحال العتمة إلى فضاءات مُشعّة بالحيوية والإبداع والحِراك الوطني، من تثقيف وقراءات ومناجزات فكرية وسياسية، ويكون نتاج ذلك مجموعة من القصص القصيرة، التي تمّ تهريبها عبر "الكبسولات" لتصل إلى الكاتب عمر حمّش الذي عمل على نشرها، في العديد من المجلات والصحف الفلسطينية. وأذكر من تلك القصص: "وتعانق الفدائيان"، "مناورات في الأفق"، "كعبة نفحة"، جنين"، "ذو الكوفيات الحمراء"، ومجموعة "الليل والقضبان" التي نُشرت لاحقا..والتي لفتت النقّاد والدّارسين، فأضاءها الأصدقاء؛ الكاتب د.عادل الأسطة ود.حسن عبدالله ورفيق القيد والقلم الشاعر عبد الناصر صالح، وغيرهم.

كان أبو النصر الأكثر مهابة وجرأةً بين رفاقه، إذ قام بتأديب السجّانين السّاديين الذين كانوا يعتدون على الأسرى، ويحاولون إيذاء أرواحهم وأجسادهم، بالضرب وتوجيه الإهانات، فما كان من محمد أبو النصر إلا وهجم على السجّان ومزّع وجهه بشفرة كان يخفيها..ومن يومها لم يجرؤ السجّان على التعرّض للأسرى، في باستيلات بير السبع ونفحة. صحيح أنهم تجمّعوا على محمد، وانهالوا عليه بعنف وحقد، وعزلوه..لمدة قاسية في العزل الانفرادي، لكنه حقق المناعة لرفاق الأسْر، وحفظ كرامتهم وشرف إنسانيتهم. وبات السجّان يخاف السجين.

وفي العام 1985 يتنفّس الوحشُ الحريّةَ، بعد خمس عشرة سنة، ليخرج بكامل حيويّته الساطعة، ويشارك في تأسيس أوّل نواة للكُتّاب والأدباء الفلسطينيين، من خلال "تجمّع الكُتّاب" ضمن دائرة جمعية الملتقى الفكري العربي بالقدس، برئاسة معلّمنا المبدع الكبير علي الخليلي، رحمه الله تعالى.

كان الاحتلال يرفض ويمنع تأسيس أيّ كيان للأدباء الفلسطينيين، وأحسب وأؤكد على أن أولئك المؤسسين، كان لهم الفضل والرّيادة في تكوين الأرهاصة الحيّة الأولى، التي تنامت وأصبحت ما يُعرف باتحاد الكُتّاب والأدباء في فلسطين. ما يعني أن لأبي النصر ولأولئك الروّاد ديْناً في رقابنا، باعتبارهم المبادرين للملمة أصوات الأدباء في إطار وطنيّ إبداعيّ جامع.

والتحق قائدُ النسور بجامعة بير زيت ليحقّق المجد بكل تجلّياته، لكنه كان مهجوسا بالمقاومة التي لم تفتر، ولم تهمد في أضلاعه..فواصل تكوين الخلايا، وواصل ملاحقة الأشباح القتلة، في طول البلاد وعرضها..فلاحقته أشباح الاحتلال، وترصّدته، طويلا..ولم تنل من حمأة ثباته وصلابته العقائدية ورسوخه الوطنيّ..حتى كان حصار مخيم جباليا، ثمّ ذلك الاشتباك شرق الشجاعية، في الثامن والعشرين من حزيران 1989، حيث صعدت روح الوحش، الذي علّم الإنسانَ كيف تكون الآدميّة الحقّة والجسورة، والخالصة لوجه الله ثمّ الوطن..وقد احتجز الاحتلالُ جثمانه حتى العام 1991، وبعد تسويف ومماحكات ممضّة.

ربما تنهنهت عينا شقيقته نصرة، أُمّ محمد، وسمحت لأن تذرفا زهر الحزن المخضلّ بالفجيعة، وربما جاحت وناحت، ولفّت بها أرض الجزائر الجسورة، أُمّ الشهداء، بعد ورود نبأ استشهاد أخيها محمد..وهي على بُعد هجرة جارحة عن بلادها المُستباحة..وقبل أن تحضر إلى رام الله، بعد عقود، بمعيّة ابنها حسام وبعض أحفادها، وتُصاب بمرض عضال، أصابها أسفا وحزنا على غزّة، التي رأتها تحترق أمام عينيها المرهقتين..وستُحمل إلى برزخها في تلّة برام الله، تشرف على القدس، أرض السماء، وتراب المحشر والمنشر..وعلى خدّها قطرةٌ كاوية.

ولزوج شقيقته؛ الفدائي محمود أبو النصر، الذي التحق بالثورة مبكّرا، أن يدلح كلّ مياه رأسه الموجوع، المليء بذكرياتِ ذلك الرجل، الذي ضرب مثلا استثنائيا في مواصلة المقاومة، بكلّ صورها العنيفة والناعمة، حتى يمهّد الطريق لأهله، لأن يعودوا إلى أرضهم الأولى.

كانت سيرة محمد أبو النصر الوضّاءة نموذجا، ليترسّم الآخرون دربَه، التي لم يعهدها الكثيرون من قبل! وقد حدّثني صديقي المرحوم حافظ أبو عباية (أبو حنان)، الذي عايش الوحشَ سنوات في الاعتقال؛ أن محمد كتلةُ بركان موّار متمرّدة، يحرق العتمات، ويشقّ الأبواب، ويشرّع النوافذ للطيور. كان صلبا إلى حدّ الدهشة، ونقيّا إلى درجة الاستثناء والمفاجأة! وذات زيارة لأهالي الأسرى، منعت إدارةُ السجن أهلَ محمد من زيارته، فانتصبت أمامه أُمُّ أسير آخر، وقالت له: أنت ولدي منذ اليوم، وأنا أمّك، حتى تتحرّر مع ولدي، رفيقك في القيد. ولهذا؛ أيضا، وضع الوحشُ رأسه بين كفّيه وشهق بماء النار، يوم أن جاء خبر تلك السيدة المُعجزة. كانت المرأة من القدس؛ أم الرايات والأسوار والنايات والشجر والشرفات وأكاليل الدم الحرّ، وسيِّدة البرق والأغاني والهتاف العنيف في وجه الغزاة، ووالدة الأقواس والزفّات الساخنة والعيون النافذة وشبابيك الصلاة..وكان هو لاجئا في وطنه بغزّة؛ الثائرة المستحيلة، المجبورة المكسورة، الهادرة النادرة، الجديرة بالشهداء وأمّهات المواقد والسكّر المحترق على الطرقات، لهذه المدينة صاحبة العصمة، القاصمة، الصابرة المثابرة، المغدورة من إخوتها الثملين على الجفنة الباردة، هي وهذه البيوت والطرقات والحجارة الأقمار..فلها بعد كلّ هذا النشيج أن تطوي ثنيات قلبها على أمّ الأسير، وتمجّها مثل زهرة الجمر، وتنفثها نيازك تتناثر في سماء أمّ المدائن الزاهرة الأنيقة الشقراء، وفي جنبات ركام المخيّم الذي لم يجد له ندّاً من الرجال سوى أولاده، الذين يحملونه على أكتفاهم جدائل عاصفة، وأعراف أسطورة فذّة، وفوق صدورهم العارية، في مسيرتهم الحاسمة نحو الخلاص.

استشهد الأسير، ابن غزّة المناضل الجسور، وهو مشتبك مع المجرمين، ليعلم القاصي والداني أن أهل غزّة؛ إمّا في السجون وإما في الرباط وإما في الاعتصام وإما تحت الشواهد العالية. ولمحمد أبو النصر دَيْنٌ ثانٍ في رقاب الكُتّاب والأدباء، ذلك أنه؛ وقبل استشهاده، خطف أحدهم من الجانب النقيض، وراح يطالب بأن يُبادله بالمعتقلين، وخاصة من الكُتّاب الأسرى..قبل أن يلاحقوه، فيشتبك، ويرقى!

إذن؛ من حقّ شقيقته نصرة، التي نشتقّ من اسمها النصر الأكيد، أن تبكي أخاها..نيابة عن الجميع. ومن واجبنا إحياء ذكرى هذا البطل وكلّ الأبطال، وخاصة أنه مبدع وله نتاج ينبغي الاحتفاء به، حتى لا يظلّ مظلوما وراء أسداف التخلّي والنسيان. ومن حقّ ابن الأخت المؤرّخ الكاتب صديقي حسام، أن يجهش على قبر خاله، ويبلّله بدمعة ضافية..لكن حسام لم يبكِ، بل امتشق قلمه وراح يؤرّخ للمظلمة الفلسطينية، من أوّل جرحها حتى آخر قتلاها، الذين كانوا بشرا وعمرانا وحدائق وطيورا. كان يقول لي، كلّما تذاكرنا سيرة خاله البطل محمد: "كان خالي أول الأحزان، وكانت أُمّي آخر الأفراح، وبقيت أنا في المنتصف أبحث عن قبر والدي". فأجيبه؛ بأن عزاءك يا صديقي يكمن في أن الجزائر العزيزة بلد الشهداء قد احتضن أباك، وأن أُمّك لم تُدفن بعيدا عن أبنائها، لأننا أولادها نحن، أيضا، فهي أُم الغريب..وكلّنا غرباء، إلى أن نعود. وأعتقد أن الرجل ألحف على أن يحفظ عهد أبيه الشهيد الفدائيّ، فعمل، بمبادرة شخصية، على تأسيس مكانٍ يتّسع لمكتبة ومتحف، في بيته بغزّة، يجمع لُقى فلسطين وأدواتها العابقة بالتاريخ..لكن الدّهم الصهيوني بعثر منجزات غزّة وصورها الباذخة. ولعلي كنتُ أُشفق عليه أثناء العدوان على غزّة، طيلة عامين من الإبادة، حيث بقيت ابنته مع جدّتها في غزّة، تحت أقواس القصف والخسف والنزوح والجوع والملاحقة، بعد أن هدموا بيتهم، واستشهد معظم أهله حتى بلغ الصاعدون منهم قرابة الثلاثمائة من المخلَصين، وربما ما فتئوا تحت الأنقاض. لكن أبا محمود كان ثابتا مؤمنا، لأن الأصليين المبذولين لأسئلة البلاد، هم مَن يدفعون ثمن الحرية، وقد احتسب عشيرته الشهيدة عند الله تعالى، في الفردوس الأعلى. ولأنّ روح الشهيد الخال محمد، ونسغ أبيه المقاتل محمود، ودماء أعمامه وجيرانه وشعبه، كانت هي وقود روحه، التي لم تقرّ على هوان، بل نهضت لتواصل بحثها، لحفظ صفحاتٍ ينبغي أن نحرسها بكل ما أوتينا من إصرار وإبداع.

ولذكرى محمد أبو النصر الفدائي المبدع الشهيد المستحيل، أن تحتشد بالغضب، على ما يجري مباشرة من تطهير عرقيّ، وما يجري في وجه البلاد وسويدائها.

وعلينا أن نجعل كلّ أيامنا ساعات ذكرى لكلّ الشهداء، من الوحش البهيّ الصادق الصدوق، إلى شجر الزيتون المخلوع في القرى المستباحة، وحتى لا تُصاب أجيالنا الطالعةُ بالعدميّة والنسيان.

ويبقى الوحش؛ اسم آخر يليق بفلسطين، وبغزّة الأسطورة، وحلم ينبغي أن تراه العيون، لينجلي المشهد كاملاً، بكل دمه وزغاريده ومناديله الراعفة.

 

 

 

 

 

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط