كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

النظام الإقليمي العربي يتهاوى

النظام الإقليمي العربي يتهاوى

تاريخ النشر: 2016-12-19 | 08:18

فشل النظام الدولي. فشلت قياداته ومجلس الأمن وغيره من مؤسسات هذا النظام، وفشل القانون الدولي ومنظومة المعاهدات والاتفاقات الإنسانية. فشلت المساعي الحميدة وغير الحميدة. فشلت قيم التحضر والأصالة ودروس التاريخ. فشلت كلها في تهدئة ذئاب وكلاب مسعورة نزلت على سورية من داخلها ومن خارجها تفتك وتنهش. فشلت الجامعة العربية، ولعلها كانت في مقدم من فشلوا. أما لماذا فشلت، فالأسباب كثيرة يعرف بعضها القاصي والداني، واخترت من بينها الأهم من وجهة نظري أطرحه لنقاش أتمنى أن يبدأ وينتهي هادئاً.

الجامعة العربية مؤسسة ترمز إلى نظام إقليمي اصطلحنا على تسميته النظام الإقليمي العربي. ارتبطت النشأتان في وقت واحد. استلهمت الجامعة الجانب الأعظم من مبادئها من مبادئ نظام دولي كاد يكتمل التشكيل، ولكنها، وهو الأهم، استلهمت طموحاتها وأهدافها وهويتها من هذا النظام الإقليمي الناشئ بمعالم بنيوية واضحة، أقصد بحدود خارجية محددة ومقررة، وحدود داخلية معترف بها دولياً، وإن بقيت في نظر تيارات مهمة حدوداً رمزية. ببساطة شديدة نشأت على خريطة التفاعلات الدولية مساحة واسعة من الأرض تحدها حدود واضحة كل الوضوح وتسكنها جماعة بشرية متميزة الأوصاف والتاريخ، تتحدث اللغة نفسها وتتوحد، أو كادت تتوحد، في هويتها. هذه الجماعة، كنظام إقليمي، اختارت أن تقيم مؤسسة تؤكد بها وجودها وحقوقها وتنفذ من خلالها طموحاتها، مؤسسة تعبر عنها وتنطق باسمها في العالم الخارجي. تلازم المفهومان حتى كادا في وقت من الأوقات يتطابقان في الذهن العام، وجهان لكيان واحد، لا ينفصل النظام عن مؤسسته الناطقة باسمه والمعبرة عن وجوده ولا تنفصل المؤسسة عن بيئتها الطبيعية أو عن ربيب نعمتها وسبب وجودها.

وقعت الواقعة. انفصل الاثنان ومنذ وقع الانفصال بينهما لم يعد من حق الجامعة ولا من واجبها أن تتحدث باسم نظام إقليمي يفتقد الاعتراف الدولي والإقليمي ولا يحظى حتى باحترام حكام الدول الأعضاء فيه. أصبحنا كمفكرين وإعلاميين نهتم بنظام حدوده ليست حدود نظامنا العربي، أخلاق أهله وطباعهم ليست كلها أخلاقنا وطباعنا، أكثر طموحات زعمائه هي في حقيقتها أطماع على حساب بعض أهل وأرض وعقيدة ما كان نظاماً عربياً. أما طموحات زعمائنا على امتداد عمر نظامنا فأكثرها تنازلوا عنه في مرحلة أو أخرى من عمر النظام، وتاريخ الجامعة العربية أصدق شاهد على ما أقول.

أستطيع وبلا تردد كبير أن أشخص الحال الراهنة للنظام الإقليمي العربي بحال نظام ينتقل من وضع توقف أو شلل نصفي إلى وضع الدخول في مرحلة انتقال. ينتقل من نظام بمواصفات معينة يتدهور منتقلاً في اتجاه نظام إقليمي بمواصفات مختلفة في طور النشأة. الانتقال مرتبك للغاية لأن الإقليم العربي، بين أسباب أخرى، لا تجربة سابقة له في هذا الشأن. الخبرة الوحيدة الماثلة في الأذهان، وبخاصة أذهان علماء التاريخ وزعماء نعرفهم، هي تجربة العيش في ظل امبراطورية عثمانية عقيمة ومتخلفة وقمعية أورثتنا تقاليد العنف والاستبداد وسلمتنا لقمة سائغة للاستعمار الأوروبي. هذا الاستعمار هو الذي أدخل العرب من دون استئذانهم إلى عالم الدول القومية والسيادة الوطنية ومفاهيمه.

جيلنا شاهد على أن الانتقال من نظام إقليمي عربي إلى نظام آخر يحدث في هذه اللحظات التي تكتب فيها هذه السطور بصخب هائل. ما تحقق أمامنا حتى الآن من خطوات انتقالية وقع في ظروف دموية وبعنف شديد القسوة خططته عقليات متوحشة وتنفذه أيادٍ ظالمة. سورية ليست سوى خطوة من خطوات تحققت أو جارٍ فعلها أو تفعيلها في أماكن أخرى. استبعدت دوماً فكرة المؤامرة وما زلت استبعدها، فكثيرة هي أسباب هذا الانتقال العنيف. أهم الأسباب مثلاً وأولاً حال الارتباك الأعظم الذي تمر فيه المرحلة الحالية من مراحل التحول في النظام الدولي. لا ننسى ولن نقلل من قوة وتشعب العلاقة التي تربط بين النظام الدولي وهذا الإقليم والتأثير القوي الذي يتبادله الاثنان. ثانياً، افتقار النظام العربي في مرحلة انتقاله الراهنة إلى عدو أو هدف تجتمع حوله جميع الدول المكونة للنظام، أو على الأقل «تتوافق» عليه الدول القادرة على قيادة النظام وتسييره. كانت فلسطين هدفاً وإسرائيل عدواً. الهدف أضاع نفسه أو ضاع تحت ضغط ظروف نظام إقليمي يهترئ، أما العدو فعلى الطريق ليصبح حليفاً ومشاركاً بعد أن عاش الفترة الأخيرة ناصحاً وصديقاً. من الأسباب أيضاً، أن النظام العربي عاش معظم سنوات عمره يهدده شبح نظام شرق أوسطي يتقدم بثقة وأحياناً كثيرة بدعم من خارج المنطقة. عاش يشاهد ويتابع، من دون مقاومة، زحف طلائع نظام جديد لتحتل قلب النظام العربي ومواقع عدة أخرى. سبب رابع، ولعله عظيم الأهمية، وجدناه في تراجع العلاقة بين قطبي النظام العربي، مصر والسعودية. وهنا أتوقف قليلاً.

أعلم تماماً أن أحداً لم يقم بدراسة وافية وصادقة عن رؤية قادة البلدين لمستقبل النظام العربي وفهمهم لدور كل بلد من البلدين ومسؤوليته عن عملية توجيه النظام وترشيد توجهاته. المشهد الراهن ليس في حاجة إلى شرح أو تبرير. المشهد الراهن إذا استمر وحال النظام العربي على ما هو عليه فغالب ظني أن الدولتين لن تجدان حليفاً في الغرب أو في الإقليم قادراً على إنقاذ النظام الإقليمي. كثيراً ما تخاصما وكثيراً ما تباعدا ولكن استطاعا في خصامهما وبعادهما المحافظة على استقرار النظام العربي وحماية حدوده الخارجية.

نعيش مرحلة حرجة وحساسة والقادة هنا وهناك يدركون خطورة الحال. حاجتنا ضرورية إلى تحسس مواقع الحرج والحساسية. تركنا أنفسنا على سبيل المثال نعود إلى الثنائية المقيتة التي أساءت كثيراً إلى العلاقات العربية، أقصد تحديداً تقسيم عرب النظام أو حشرهم في ثنائية دول الطوق ودول المساندة. ففي زمن مضى اختارت دول الطوق كلها أو بعضها أن تتخذ قراراتها في أمور الحرب والسلم من دون استشارة دول المساندة وكانت النتيجة كارثية. أرى الأسلوب يتكرر فهناك طرف أو مجموعة دول تعتبر نفسها المهددة قبل غيرها، فتقرر وحدها الدخول في حرب أو حلف من دون استشارة من توقعت منهم المساندة. الحل هو عقد لقاءات دورية بين القادة يتبادلون فيها الرأي ويشرحون ويبررون ما فعلوا أو ينوون فعله. أعرف بالتأكيد أن ما يجمع بين القادة هنا والقادة هناك أكثر مما يفرق بينهم. أعرف مثلاً أنهم واثقون من أن الثورات خبت ولم تنطفئ، ومعترفون إذا تصارحوا بأن أقصى الجهود لم تأتِ بالنتائج المرجوة. السبب يكمن في أن هؤلاء القادة لم يتشاوروا حول التدخل في سورية من عدمه وفي اليمن وفي ليبيا ودور «الإخوان المسلمين» في صنع مستقبل الإقليم.

لا يخفى ما لإيران من وكلاء في العالم العربي. لها ميليشيات مسلحة وأحزاب سياسية وزعماء محليون، وقد يكون هناك من أهل الملة من يتعاطف معها. لا أعلم على وجه الدقة ما يفكر فيه المسؤولون في الدولة المصرية عن احتمالات المستقبل بالنسبة إلى التدخل الإيراني، ولكني أقدر عن ثقة وخبرة أن مصر لن تتدخل بالعمق اللازم أو بالشحن الشعبي أو بالقوة المجردة طالما يتم صبغ هذا التدخل الإيراني السافر بالصبغة الطائفية. أزعم أنني أعرف أن العقيدة العسكرية المصرية تستنكف التعامل مع أزمة خارجية تكتسي الطابع الديني أو المذهبي أو الطائفي.

×
أخبار
بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط