كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

النفاق السياسى.. تضليل الحاكم والانتفاع منه وتجنب أذاه

النفاق السياسى.. تضليل الحاكم والانتفاع منه وتجنب أذاه

تاريخ النشر: 2018-03-16 | 11:39

ينطوى النفاق السياسى على مبالغات لغوية وذهنية فاضحة، يكون لها وقع صاخب على الآذان، رغم أن الجذر اللغوى لكلمة «نفاق» أقل بكثير من أن يمنح هذا الضجيج، نظرا لخسة المنافق ونزوعه إلى الهروب والتزلف والانزلاق والمراوغة، بما يجعل من الطبيعى ألا يمتلك صوتا عاليا، وصل إلى حد أن يطلق عليه البعض اسم «التطبيل». فالكلمة مستمدة من النفق أو الجحر الذى تحفره بعض الحيوانات، وأبرزها الأرانب، وتصنع له فتحتين، فإن هوجمت من إحداهما تهرب من الأخرى.

فالمنافق له وجهان، ظاهر وباطن، ويُسخِّر هذه الازدواجية فى عالم السياسة للإيقاع بمن يستهدفه عبر الغش والتدليس، فإن كان هدفه الحاكم أراد من نفاقه أن يحصد ذهبه، ويتقى سيفه، غير عابئ بالمصلحة العامة، أو حتى متحيز، على المستوى العميق والطبيعى، لمصلحة الحاكم الذى يتساقط كلام المنافقين على رأسه فيقتله فى بطء وهو لا يدرى.

فالمبالغة فى تصوير الحاكم، جسدا وعزيمة وفهما وإرادة وتصرفا وانحيازا لمقتضيات مهمته، تصنع بمرور الوقت مفارقة ساخرة، فإن قال عنه منافقوه، لاسيما إن كانوا قد صاروا مشهورين بين الناس بهذه الخصلة الممقوتة، إنه عظيم رآه المحكومون ضئيلا، وإن قالوا عنه فهيما رآوه معطوب الذهن، وإن قالوا محبا لشعبه، رأوه على النقيض، وإن قالوا طيب النية، بان سيئ الطوية.

ويصنع كلام المنافقين تلالا من المبالغات السياسية التى تؤدى إلى فقدان الاصطلاحات معناها الحقيقى، بفعل ابتذالها على ألسنة العموم، فتتملكهم حيالها مشاعر السخرية والشك والتأفف والصدود، فلا يرون اصطلاحات مثل «أزهى عصور الديمقراطية» و«عهد الإنجازات الهائلة» و«الرئيس الضرورة» و«الزعيم الأوحد» و«القيادة التاريخية» إلا أنها عبارات جوفاء، تزيد من جعل الواقع أكثر قبحا وجهامة...

والمبالغات المصاحبة للنفاق الزاعق المتجاوز للأخلاق والأعراف، أو المناقض التام للواقع، تؤدى إلى عكس ما يريده الحاكم الممدوح، أو المتزلف إليه. والذروة فى هذا ربما تكون ما جاء على لسان الشاعر ابن هانئ الأندلسى، الذى أطلق عليه لقب متنبى المغرب العربى، فى مدح الخليفة الفاطمى المعز لدين الله الفاطمى، الذى كان أتباعه ينظرون إليه على أنه ظل الله على الأرض أو الحاكم باسم السماء، حيث قال له:

ما شئت لا ما شاءت الأقدار.. فاحكم فأنت الواحد القهار

وكأنما أنت النبى محمد.. وكأنما أنصارك كالأنصار

أنت الذى كانت تبشرنا به.. فى كتبها الأحبار والأخبار

ورغم أن المبالغة تراجعت مع البيت الثانى ثم الثالث، حيث أنزل الحاكم من مقام الله إلى مقام النبوة، أو من اللاهوت إلى الناسوت، فإن صورة هذه المبالغة ظلت متجاوزة إلى أبعد حد الواقع، فأساءت إلى الحاكم، فى وقت قولها وحتى أيامنا تلك، إذ يتم استدعاء القصيدة فى سياق الدلالة على النمط «الثيوقراطى» لحكم الفاطميين، وهو ما يتم توظيفه فى حيز أوسع يرتبط بالخلاف المذهبى المشحون بحمولات السياسة ومقتضياتها، بقدر ما يتم استدعاؤه للبرهنة على بلوغ النفاق حدا لا يطاق، تجاوز قول شاعر آخر فى الرشيد «كأنك من بعد الرسول رسول» أو وصف الخليفة العباسى المتوكل «ظل الله الممدود بينه وبين خلقه»، وكل أبيات النفاق التى أنشدت فى مدح ملوك بنى أمية.

ومقارنة بهذا يظل بيت النابغة الذبيانى الذى مدح به النعمان أبو قابوس ملك الحيرة، عاديا، رغم ما انطوى عليه من مبالغة سياسية، حيث قال له:

ألم تر أن الله أعطاك سورة.. ترى كل ملك دونها متذبذب

فإنك شمس والملوك كواكب.. إذا طلعت لم يبد منهن كوكب

وإذا كان بعض الشعراء من منشدى «قصائد المديح» وبعض الوعاظ والفقهاء والأدباء من صانعى «الآداب السلطانية» كانوا هم الذين ينتجون النفاق السياسى فى تاريخ العرب الوسيط، وسبقهم بعض الكهنة وكتبة المسرح والمتفلسفة فى تاريخ أمم أخرى، فإن منتجى النفاق فى زماننا موزعون على كتاب صحفيين ومذيعى تليفزيون وإذاعة وسياسيين وفنانين ورياضيين وتجار وكبار موظفين وأصحاب أموال وأعمال ويصل الأمر إلى بعض العوام، ممن يرجون من نفاقهم نفعا أو يتقون به شرا.

ويعبر د. ياسر ثابت فى كتابه «صناعة الطاغية» عن هذا الوضع قائلا: «النفاق السياسى فى بلادنا لصاحب السلطة والنفوذ، سواء أكان رئيسا أو وزيرا أو محافظا، قد يأخذ طابعا إعلانيا صاخبا. فهو لا يكتفى بالدعاء له أو بالتصفيق له عند مروره أمامه، بل أنه يدبج له قصائد المديح وربما يكتب المقالات فى الجرائد تأييدا ومباركة للقرار الفريد أو اللفتة التاريخية لهذا المسؤول أو ذاك؛ وإذا توفى لهذا الكبير خال أو عمة، وكان صاحبنا من رجال المال والأعمال، فإنه لا يكتفى بإرسال برقية عزاء أو بالمشاركة فى تشييع الجنازة، بل لا بدّ من نشر صفحة أو ربع صفحة للقراء فى كبرى الصحف».

ويغرق خطاب المنافقين فى مجازات سياسية، كثير منها عابر ومستهلك ومكرور، فما يقوله المنافق التاريخى لحاكم اليوم، سبق أن قاله لحاكم الأمس، الذى ما إن ترك الحكم، ميتا أو مقتولا أو معزولا، حتى هجاه، أو تنصل منه، بعد أن تحين اللحظة المناسبة للقفز من سفينته الغارقة. وتزداد مبالغات المنافقين فى اللحظات السياسية الفارقة، أو المراحل الحاسمة والظروف الاستثنائية المعقدة التى يكون فيها المجتمع غير متزن، ومهيأ بصورة غير عادية لتقبّل ما يبثه المنافقون من دعايات كاذبة ومقولات تضليل مريبة وإشاعات لتزييف الحقائق، ومنها لحظة تولى الحاكم، أو إن كان الصراع بينه وبين غيره على الحكم قد بلغ مداه، أو فى وقت الانتخابات، التى يمتد فيها النفاق السياسى من مداهنة الحاكم إلى محاولة استرضاء الرأى العام بمجاملته على حساب الحقيقة الواقعية، بما يؤدى إلى الإضرار بالسوية الاجتماعية، وإذكاء الخلافات، وإثارة النعرات، وتوسيع دوائر الفساد.

وصارت المناسبة الأخيرة فرصة متكررة لممارسة النفاق السياسى حتى وجدنا توفيق الحكيم يقدم فى كتابه «تحت شمس الفكر» اقتراحا بغية تقليص هذا النفاق إلى أدنى حد تكوين «شركة مقاولات انتخابات» يدفع لها المرشح مقابل أن تقوم بالدعاية له من تجهيز الخطباء ونصب اللافتات وإعداد الولائم، ثم يعود إلى بيته لينام، وهنا يقول موجها كلامه إلى المرشح: «يجلس الناخب فى سرادق الاحتفال الذى تقيمه الشركة، فيرى ويسمع اللذيذ الطريف، يرى خطباء الشركة قد قاموا، أو اعتلوا المنصة واحدا تلو الآخر، يوسعونه مدحا، ويسردون تاريخ حياته الحافل بكل جليل ومجيد، ويتكلمون فى ذمته وطهره وكفايته ونزاهته، وهو لم يرهم ولم يروه مرة قط! ثم يعرجون على خصمه فيطعنون فيه الطعن المر، ويذكرون من خصاله الذميمة وأعماله الخبيثة وخياناته وسفالاته ما تشمئز منه النفوس، وما تكاد تختم هذه الحفلات على خير أو شر حتى تقدم الشركة فاتورة الحساب، فإذا استكثرت المبلغ أقسموا لك أن الشركة قامت بنفقات باهظة.. إلى هنا لا بأس، لكن لو خطر لك أن تسير قليلا فى البلدة لوجدت عجبا، فإن سرادقا آخر قد نصبته عين الشركة لخصمك هو هو أيضا، وقد قام فيه خطباء آخرون من الشركة يمدحون الخصم، ويغسلون عنه ما لحق به فى السرادق الأول، وينزلون بك أنت كل تهمة وكل عيب».

وهذا اللون من المبالغات المتناقضة يتماشى إلى حد بعيد مع ذلك التناقض فى أداء المنافق وتصرفاته التى عبر عنها حديث منسوب إلى الرسول (ص) يصف فيه المنافق بأنه: «إذا حدث كذب، واذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان». وهذا التناقض، وذلك الإفراط فى المبالغة ربما يشكل عبئا على صاحبه، لأنه يدرك أنه يكذب جبنا أو طمعا، وهو ما يعبر عنه على بن أبى طالب رضى الله عنه بقوله: «إن من النفاق ما هو أصعب احتمالا على أصحابه من الصراحة»، كما أنه صعب على الحاكم إن كان يدرك عواقبه، حيث يضر بصورته أمام شعبه، إذ إن النفاق السياسى كان، ولا يزال، السمة المميزة للقادة الغارقين حتى آذانهم فى المؤامرات السياسية ويؤكدون بمنتهى الاستهانة بالعقول أنهم أبعد الناس عن المطامع السياسية»، كما يقول نبيل راغب.

وحضور المبالغة اللغوية فى النفاق، والتى تحوى نوعا من المفارقة المذهلة، واضح فى كثير من الأقوال التى تصفه. فالأديبة مى زيادة تقول: «من خساسة النفاق أنه يتكلم بلهجة تحاذى الصدق ويتلون بلون الواقع المحسوس». وتتكرر هذه السمة فى أقوال من قبيل: «إن شر النفاق ما داخلته أسباب الفضيلة، وشر المنافقين قوم لم يستطيعوا أن يكونوا فضلاء بالحق، فصاروا فضلاء بشىء جعلوه يشبه الحق» و«المنافق هو من يمتاز بحلو وعذب الكلام ليقنعك بأنه صادق» و«المنافق الحقيقى هو الذى لا يدرك خداعه لأنه يكذب بصدق». وتزيد هذه المفارقة فى ظل الاستبداد، وهو ما يعبر عنه عبد الرحمن الكواكبى بقوله: «الاستبداد يقلب الحقائق فى الأذهان.. فيسوق الناس إلى اعتقاد أن طالب الحق فاجر وتارك حقه مطيع، والمشتكى المتظلم مفسد، والنبيه المدقق ملحد، والخامل المسكين صالح أمين. وقد اتبع الناس فى تسميته النصح فضولاً، والغيرة عداوة، والشهامة عتّواً، والحميّة حماقة، والرحمة مرضاً، كما جاروه على اعتبار النفاق سياسة، والتحيل كياسة، والدناءة لطف، والنذالة دماثة».

عن المصري اليوم

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط