كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

النقد الغائب والضمير المفقود: في جذور أزمة الإبداع العربي..

النقد الغائب والضمير المفقود: في جذور أزمة الإبداع العربي..

تاريخ النشر: 2026-03-23 | 13:15

قد لا أبالغ اذا قلت أن لولا "النقد" في الصحف، لظللنا الى اليوم نجهل مؤلف الرواية الرائدة "زينب"فقد وقعها صاحبها آنذاك باسم "مصري فلاح"لأنه كان يخشى على مركزه الاجتماعي كمحام ينتمي الى الأرستقراطية من ذيوع الخبر المثير،وهو أنه كتب «رواية أدبية»..هكذا ظهرت رواية هيكل الأولى مجهولة المؤلف،ثم جاء استقبال النقد لها مشجعا الناس على قبول هذه "العجيبة"ومشجعا للكاتب أن يظهر "وعليه الأمان" كما يقال.كذلك لولا استقبال طه حسين لمسرحية "أهل الكهف" الرائدة لتوفيق الحكيم،لظل مفهوم المسرح كما كان هو العرض الغنائي التمثيلي لا "أدبا محترما"كما جرأ طه حسين أن يصف عمل الحكيم،ثم "النقد" الشجاع الذي وجهه العقاد لأمير الشعراء أحمد شوقي،وما أثاره في ذلك الحين (1921) من قلب للمقاييس وانقلاب في الموازين، مقاييس الشعر وموازين البناء،وإنما نحن في عصر اللهاث وراء لقمة الخبز بأسهل الطرق،عصر التعليقات السريعة على كتاب يعيدون ما كتب على ظهر غلافه بصيغ اخرى،أو مسرحية تتفوق فيها الممثلة على نفسها،أو فيلم ينتهي بسهرة ممتعة مع نجومه،أو كذلك وهذا هو المؤلم نص ابداعي تثار من حوله الزوابع وتتناسل بسببه التهم حاملة في ثناياها عناوين مؤسفة:سطو أدبي أو "لصوصية أدبية"الامر الذي يضيف الى ركودنا الفكري وافلاسنا الثقافي ما لا قدرة لنا على تحمله.. 

والسؤال الذي ينبت على حواشي الواقع: هل تردت أوضاعنا الفكرية والأدبية وسقط بالتالي خطابنا الابداعي في وهاد الترجرج والانحطاط الى درجة أصبحنا فيها "غزاة مدينتنا" نكيل لبعضنا التهم ونتراشق بالألفاظ،هذا في الوقت الذي يتنافس فيه "الغرب المتقدم"على احتضان مبدعية والاحتفاء بما أفرزته قريحتهم الابداعية بجهد غير ملول،وترشيح كبار مبدعين للفوز بنوبل العظيمة؟!..

هل شحت ينابيع الابداع في ربوعنا وكلت أقلامنا وعجزت بالتالي على الخلق والابتكار وأصبح الواحد منا "ينهش لحم أخيه" و"يسطو"دون خجل أو وجل،على ابداعه وعصارة قريحته وكل ما "بناه" ابداعيا" بحبر الروح ودم القصيدة؟!

قد لا أحيد عن جادة الصواب اذا قلت أن المشهد الابداعي ببلادنا ما فتئ يتغلب فيه الفتق على الرتق بعد أن غص حد التخمة بأقلام تتحسس بالكاد دربها الى الابداع وتلهث متبعة خلف "الأضواء"..! ولا عجب في ذلك طالما أن الواحد منا بامكانه أن يتحول بقدرة قادر الى شاعر فذ تشد له الرحال،بمجردة قصيدة يكتبها وهو يتثاءب وتتلاقفها لاحقا "أقلام"النقاد لتصنفها ضمن "الابداع العجيب"..!

 قلت هذا،وأنا أقرأ ما تكتبه بعض الصحف حول "اللصوصية الأدبية" ببلادنا،ولكأن هذه الظاهرة المرضية استفحل داؤها وغدونا عاجزين على استئصالها وأمست بالتالي مرضا عضالا لا فكاك منه..!

على أية حال، كان بامكان كتابنا الأفذاذ الانصراف الى ما ينفع الساحة الثقافية عن ابداع خلاق تخاض به كبقية الأمم معركة الوجود والنهضة من الركود والترجرج،وأعني معركة درء التخلف، أفضل بكثير من خوض معارك جانبية لا تعبر في جوهرها عن الاختلاف الأدبي،ولا عما يضطرم به باطن المشهد الأدبي الابداعي من تناقضات،وهي بالأساس ظاهرة صحية في عالم ممزق النفس والجسم..

قلت هذا،وأنا أتحسر على ما تشهده ساحتنا الثقافية بين الحين والآخر من اتهامات متبادلة بين بعض المبدعين..من ذلك مثلا سطو فتاة مصرية على رواية “العراء” للكاتبة التونسية حفيظة قارة بيبان وإعادة نشرها في القاهرة منسوبة إليها.أو إقدام باحث مغربي على نشر دراسة نقلها عن مقال كان نشره الجامعي التونسي محمود الهميسي بمجلة “الموقف الأدبي” بدمشق عام 1996،دون أن يذكر المصدر.

والحق أن هذه الممارسات سمة من سمات المرحلة،فقد صار الفساد حالة عامة،يأتيه المهرب والسياسي ورجل الأعمال تكديسا للثروة،ويأتيه الفقير إشباعا لرغبة،ويأتيه غيرهما لؤما ونذالة.

قد يكون مثال الفتاة المصرية تعبيرا عن رغبة في تسجيل حضور لا تملك مؤهلاته،ولكن ما يأتيه الأكاديميون هو سقوط أخلاقي،لأن سرقة الرسائل العلمية تحولت إلى ظاهرة،بدأت بسرقة فصول وأبحاث ثم انتهت إلى سرقة كتب بأكملها،تحت إشراف عصابات منظمة تشتري ذمم بعض الأكاديميين.

ومن دون الخوض في التفاصيل حفظا لعفتي الثقافية،وكرامتي الأدبي وانتصارا مطلقا للمشهد الأدبي الإبداعي بتونس أو ببقية البلدان العربية،وما يزخر به من أقلام تكتب بجسارة وتصوغ إبداعاتها من خلف شغاف القلب،يدعوني الأمر إلى الحرص على نقاوة مشهدنا الابداعي من كل الشوائب،وسعينا الحثيث للارتقاء بمستوى وعينا الأدبي لأعرض شريحة قارئة،يحتم علينا جميعا إيلاء هذا المشهد ما يستحق من ابداع واعد من شأنه ترك بصمات واضحة على حركة الابداع الفني برمتها،بمنأى عن التراشق بالاتهامات الزائفة.

ويبقى السؤال:هل هناك حد ما يجب أن تقف عنده مقولة "المعاني مطروحة في الطريق"؟!

يقال إن السرقة بأنواعها المختلفة شبيهة بحالات الإدمان أو المقامرة أو الشراهة في الأكل،بحيث يرتفع مستوى الأدرينالين في الجسم إثر القيام بالعمل،ليشعر المرء بحالة من اللذة الفوريّة والنشوة العارمة.وبالنظر إلى خبايا ودوافع السرقة الأدبية،سنجد أمامنا عدة احتمالات:

فهي قد تكون مرضا نفسيا عائدا إلى شعور بالفشل،إذ قد يحاول السارق الاختباء خلف أعمال الآخرين ونجاحهم،وكأنه يريد أن يرتدي قناع الآخر لتخبئة ضعفه فيلجأ للسرقة ليثبت وجوده، أو لربما هي حالة ناتجة عن رغبة في الانتقام من نجاحات الآخرين،أو من الممكن أن تكون عائدة إلى مشكلة في التنشئة وفي طفولة السارق وسوء تربيته.وقد يكون السبب بكل بساطة انعدام قدرة السارق الأدبية ومحاولة الوصول واكتساب الشهرة والتباهي أمام الجميع بما ليس له عن طريق اتخاذ كاتب آخر ذي قدرات عالية سلّما للوصول إلى المبتغى المطلوب.كما لا يسعنا التغاضي عن احتمالية الغيرة المرضية التي تنعكس في عدم احترام الذات والخوف والبغض،وتؤدي إلى السرقة كتغطية لهذا الفقدان الكبير.وهذه الغيرة تولد أحيانا من إعجاب السارق المفرط بالنص ورغبته بأن يكون هو صاحب التقدير والإطراء، وكأنه بذاك الفعل يوهم نفسه ويخدعها،ثم يصدق أنه صاحب القدرات الفكرية والإبداعية والثقافية، وليس الآخر المسروق منه.وهذه أقصى حالات المرض.

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن عامل الكسل الذهني والبلادة الفكرية يعتبران دافعًا لكثير من لصوص النصوص لكي يحصلوا على ما يبتغون دون أدنى مجهود يذكر وكأنهم يمارسون هواية ترفيهية.

مع انتشار التكنولوجيا وعالم “فيسبوك” الأزرق و”«تويتر”،أصبحت أبواب السرقة والأسوار كلها مشرعة ومشجعة على السرقات الأدبية،في ظل غياب أي تحرك جدي حازم لحل المشكلة قبل أن تصبح آفة المجتمع الثقافية الأولى.

وتبقى أيضا بعض كتاباتي بالصحف التونسية والعربية معروضة على الأرصفة وقارعة الطريق،تتلاقفها أحيانا -بعض الأقلام المأجورة-دون خجل أو وجل-وتنسبها لنفسها المريضة..

وأرجو أن تصل رسالتي إلى عنوانها الصحيح..

×
أخبار
بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط