كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

النقد "المؤجر": أزمة الضمير..في الثقافة العربية..!

النقد "المؤجر": أزمة الضمير..في الثقافة العربية..!

تاريخ النشر: 2026-02-02 | 13:45

تصدير:

-النقد الأدبي هو الذي يروم الكشف عن مواطن الجمال ومكامن القبح،حيث يسلط الناقد نظرته الفاحصة،وذوقَه المرهفَ على الأثر الأدبي فيسبرَ أغوارَه ويحاول أن ينفُذ إلى عمق نفس الأديب ليستخرج خباياها،بما اكتسبه من ثقافة عميقة،

وقوة حاذقة على التحليل والتفسير والموازنة والحكم المبرّأ من شوائب الهوى.(الكاتب)

 

لطالما حمل النقد الأدبي،عبر مسيرة الثقافة العربية والإنسانية،رسالة سامية متجذرة في أعماق التاريخ،منذ نقاد اليونان وهم يحاورون الشعراء في ساحات أثينا،وصولا إلى نقاد العصر العباسي وهم يضعون اللبنات الأولى للمعايير الجمالية والأدبية.غير أن المشهد الثقافي المعاصر يشهد تحولا مقلقا مع ظهور ما يمكن تسميته ظاهرة "النقاد للإيجار"،حيث يتحول الناقد من حارس للقيم الفكرية والجمالية إلى وسيط في سوق تبادل المصالح،مستبدلا المقياس النقدي بالمقياس المادي،والمسؤولية الأكاديمية بالمجاملة الدعائية.وتتجلى خطورة هذه الظاهرة في ممارسات عدة،أبرزها صناعة النجومية الوهمية عبر تبنّي نصوص أدبية غير ناضجة لكتّاب مبتدئين ورشّها بمجاملات فارغة لتحويلها إلى ظواهر إعلامية وهمية،وذلك مقابل منفعة مادية مباشرة أو غير مباشرة.ولم تعد خافية في الأوساط الثقافية حقيقة "قوائم الأسعار" التي يضعها بعض النقاد لقراءة الأعمال،فتحدد قيمة القراءة بالمبلغ الذي يدفعه المؤلف أو الناشر وليس بالقيمة الفنية للنص،بل ويمنح بعضهم "باقات" تتراوح بين القراءة السريعة والموسومة بالمصطلحات المعقدة وفق سلم أسعار متفاوت. كما يظهر وجه آخر عبر النقد الانتقائي الموجه، الذي يحوّل النقد إلى أداة في صراعات الكتل الثقافية،فيتم مدح نصوص الحلفاء بغض النظر عن جودتها والقدح في نصوص الخصوم بغض النظر عن قيمتها،محوّلا الممارسة النقدية من فضاء فكري إلى سلاح في معارك النفوذ والوجاهة.

وتمتد جذور هذه الأزمة إلى أسباب متشابكة وعميقة،أولها الانهيار الاقتصادي للمثقف في ظل الأزمات المادية التي تجعل بعض النقاد أمام خيار قاس بين الالتزام الأخلاقي وتلبية الحاجات الأساسية.ويضاف إلى ذلك التحول في بنية الحقل الثقافي نفسه،حيث تحوّلت العديد من المؤسسات من فضاءات للتفكير إلى منصات للترويج، وساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في خلق ثقافة "الإعجاب" السريع التي تستهين بالتحليل العميق وتكافئ الإطراء العابر.كما تساهم أزمة المنهج النقدي،مع تراجع المدرسة النقدية العربية الأصيلة وعدم استيعاب حقيقي للمناهج الحديثة، في ترك بعض النقاد بلا أدوات تحليل حقيقية، فيتحولون إلى مجرد مروجين.وتعمل ثقافة التكسب السريع السائدة في ظل النزعة الاستهلاكية على تعميق هذه الظاهرة،فتُرى المهنة وسيلة للكسب المادي بدلاً من كونها رسالة معرفية.

ولا تخلو هذه الممارسات من عواقب وخيمة تهدد كيان الحقل الثقافي برمته،فهي تشوّه الذوق العام بفقدان الجمهور قدرة التمييز بين الجيد والرديء، وتقتل الموهبة الحقيقية بإقناع المبدع المبتدئ بأن إنتاجه هو ذروة الإبداع فيتوقف عن السعي للتطوير.كما أنها تتسبب في تآكل مصداقية النقد ككل،ليصبح أي رأي نقدي محط شك وريبة، وتفريغ الثقافة من مضمونها لتصير سوقا للمتاجرة والعلاقات العامة بعيدا عن التأمل والإبداع. ومواجهة هذا الخطر تستدعي جهودا متكاملة، تبدأ باستعادة النقاد لوعيهم بالرسالة الأخلاقية واستحضار تراث النزاهة الذي مثّله عمالقة النقد العربي،وتمر عبر إصلاح المؤسسات بإنشاء هيئات ونقابات تحمي استقلالية الناقد المادية والمعنوية وتضع معايير للممارسة.ويجب أن يمتد الإصلاح إلى المناهج الأكاديمية لتأكيد البعد القيمي إلى جانب النظري،وإلى وسائل الإعلام الثقافية لرفض نشر المواد المشبوهة وفتح مساحات للنقد الجاد، وينتهي بتنمية وعي نقدي لدى الجمهور لتمكينه من التمييز ومقاطعة الممارسات الدعائية.

خاتمة: بين مرآة الوعي..ومطرقة الضمير

ليس النقد مجرد تعليق هامشي على النص،بل هو محك حقيقي لروح الثقافة وضميرها الحي.إن تحوّله إلى سلعة قابلة للإيجار،كما صوره الفيلسوف نيتشه،لا يعكس قوة الفكر بل يكشف عن وهنه واستسلامه لسلطان المصلحة والمال. فالنقد الحقيقي هو في جوهره موقف أخلاقي صارم،يشبه-في تقديري-مهمة الطبيب الحاذق الذي يبحث عن الداء ليداويه،لا الذي يغازل المريض طمعا في أجرته.إنه الجرأة على قول "لا" عندما يستدعي الحق جهرا بها،والالتزام بالدفاع عن الجمال الحقيقي حتى لو كان في قاع النص وحيدا.واستعادة هذه الهيبة المفقودة تتطلب أكثر من تعديل منهجي،فهي بحاجة إلى ثورة أخلاقية شاملة تعيد الاعتبار للضمير قبل المنهج،وللجرأة الأدبية قبل المجاملة الاجتماعية،وللحق في الاختلاف والإفراد بالرأي قبل الانصياع للإجماع الوهمي.فقط عندما نرفض،بوعي جماعي،أن يكون النقد أداة في سوق المقايضات،يمكن أن يعود رسالة تنير الدرب وتحفظ للثقافة نبضها الحيوي وألقها الخلاق،فيصير مرآة صافية تعكس الوجه الحقيقي للإبداع،ومطرقة تشكّله دون خوف أو محاباة.

وهنا أقول: إن الذات التي تدرك عبقرية اللغة وتشكيلها الفني والجمالي،وأنساقها التي تعكس طرائق العقل الجمعي في التفكير والتعبير والمحتوى المعجمي ودلالاتها المشحونة بالمعاني..

هذه التي تدرك ذلك،هي درب الجماعة وصوت الإنسانية،وبالتالي فإن إبداعها اللغوي الفني هو إكتشاف معرفي يأتي بعد مغامرة فيها المعاناة والمتعة مثل الرحالة الذي يخوض المحيط المتلاطم للبحث عن عوالمه الجديدة..

على أية حال،بقليل من التفاؤل وبمنآى كذلك عن التعسفية أو الإسقاطية الذاتية أقول :

إن النقد العربي الحديث قد حقّق بعض النجاحات سوى بتحويل مجموع اجتهاداته إلى “حركة من تيارات” لا مجرد التماعات فردية ،أو بإقترابه الجسور من جوهر التجربة الأدبية المحلية،أو بإلتصاقه الحميم بالطبيعة الخاصة للأدب.و مع ذلك فليست النيات-على طيبتها -هي المقياس أو الحكم في مثل هذه المسألة،بل الفعالية الإجرائية العملية في مقاربة النصوص الأدبية،وهي تتجلى في مدى اتساق المنهج البحثي وملاءمته للعمل الأدبي المتناول،و مدى إقناعه بتماسك طرحه وخصوبة نتائجه ..

و تظل المفارقة في حالة توالد مع الأصوات النقدية الجديدة التي تنحت دربها في الصخر بالأظافر،حتى أنها ” تؤسس لتحويل نقدنا العربي الحديث الى حركة قومية من ناحية وتخصصات نوعية من ناحية أخرى..الأمر الذي يشير ببطء شديد إلى إحتمالات نظرية أكثر شمولا في المدى المنظور..

و أخيرا،فإن التقصير في النقد العربي الحديث ليس خاصا بالنقاد كأفراد،بل كحركة نقدية عربية معاصرة شهدت إشراقات خلاقة على درب الإبداع،منذ فجر النهضة إلى مغيبها.وكل ما أقصده هنا،أننا غدونا نعيش في ظل متغيرات كونية كاسحة تعبق برائحة التحديات،إذ أننا على هذه الأرض في مفرق الطرق بين الإنسحاق خارج التاريخ أو الولادة الجديد في ” ثورة ثقافية ” تصحح التاريخ باشراكنا من جديد في العطاء الحضاري للعالم.وما على النقد الأدبي-كفكر و فن وعلم-الإ أن يكون في مستوى التحدي وفي طليعة هذه-الثورة الثقافية الشاملة-كي يسجّل بحضوره الفعال علامة مضيئة في طريق التحول ومنعطف الإنتقال..

وأرجو أن تستساغ رسالتي جيدا..وأن لا يقع إخراجها عن سياقها الموضوعي..!

 

 

×
أخبار
مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط