كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

«الهبة» وإنجازاتها الأولية

لئن كان تصعيد انتهاكات الاحتلال لقدسية الأقصى وعروبة القدس، بما لهما من قيمة وطنية سياسية وأبعاد روحية سماوية، هو السبب المباشر لانطلاق الهبة الشعبية الفلسطينية الجارية، فإن تصاعد هذه الهبة، وتطورها إلى فعل انتفاضي مستمر متعدد الأشكال، تتصدرها عمليات الطعن والدهس، يعني أن عنجهية سياسة حكومة الاحتلال الفاشية وبطش جيشها وجرائم مستوطنيها، قد بلغت حداً لا يطاق، وأن كيل الشعب الفلسطيني قد طفح حتى صارت شرارة واحدة كافية ل «إشعال السهل كله». وهو ما حصل بتمدد لهيب هبة القدس إلى كامل مساحة فلسطين التاريخية.

لذلك، لم يعد مهماً، ولم يعد مجدياً، الانشغال في سؤال: هل ما يجري على الأرض هبة أم غضبة أم غلياناً أم تمرداً أم انتفاضة؟ أو هل هو حركة شبابية أم حركة شعبية؟ بل بات المهم والمجدي في نفس الوقت، هو البحث في الإنجازات التي حققها، (حتى الآن)، هذا الطور الجديد من الفعل الانتفاضي الفلسطيني المتجدد، وفي سبل تطويره ميدانياً، وحمايته سياسياً، من مخاطر محاولات إجهاضه.

لقد أذهل اندفاع الفلسطينيين إلى الميادين العالم بأسره، وأربك حكومة العدو الفاشية، وقلب حسابات أجهزتها الأمنية، ونشر الذعر والهلع والهستيريا والهوس في نفوس مستوطنيها، حتى بات كل مستوطن يظن أن ظله يحمل سكيناً، بينما تكررت حالات فرار أفراد الشرطة والجيش من الميدان، وتقديم بلاغات كاذبة وإطلاق النار على مستوطنين يهود لمجرد أن بشرتهم تحمل ملامح عربية، وصولاً إلى إقرار رئيس حكومة، بل عصابة، المستوطنين، المتغطرس نتنياهو، بأن «لا حلول سحرية لما يجري». هنا يتبدى بوضوح، لا لبس فيه، أول إنجازات هبة القدس التي يسعى كيري لإجهاضها واحتواء مفاعيلها وتداعياتها بالدعوة إلى «التهدئة» و«الحفاظ على الوضع القائم في الأقصى»، كدعوة حمالة أوجه تتمسك بها حكومة الاحتلال التي ترفض حتى اقتراح استقدام مراقبين دوليين إلى الأقصى.

هذا بينما نعثر على ثاني إنجازات هذه الهبة في إعادة القضية الفلسطينية إلى الواجهة بعد تهميش طال. أما ثالث الإنجازات، فيتمثل في اعتراف أغلب الأوساط السياسية والأمنية والإعلامية الصهيونية، بأن «القدس الموحدة» مجرد كذبة، تبددها الآن، كما لم يحدث من قبل، إجراءات محاصرة أحياء القدس وعزلها، وتسييجها بجدرٍ، وتحويلها إلى ثكنات عسكرية، ونشر المزيد من قوات الشرطة فيها، وتعزيرها بقوات من الجيش، وتسريع إجراءات هدم البيوت وسحب بطاقات الهوية، وتكثيف عمليات الاعتقال الإداري والإعدامات الميدانية والتهديد بفرض حظر التجول، لنكون تماماً أمام إعادة غير معلنة للحكم العسكري للقدس، ذلك بعد عقود من مزاعم نجاح توحيد شطريها وإعلانها «عاصمة أبدية» ل«إسرائيل».

ويتمثل رابع الإنجازات في تظهير بطلان مزاعم أن الفلسطينيين ليسو بنية واحدة، ذلك بعد عقود من مساعي توطين اللاجئين و«أسرلة» «مناطق 48»، وتفكيك «مناطق 67». كيف لا؟ وقد أكد الشعب الفلسطيني، بانخراط كامل تجمعاته في معمعان هبة القدس، على وحدته ووحدة أرضه وبنيته ونسيجه.

أما خامس الإنجازات، فيتمثل في تبدد اطمئنان قادة الكيان الصهيوني، لفرضية «الكبار يموتون والصغار ينسون»، حيث هب جيل شبابي فلسطيني جديد، أغلبه أطفال في عمر الورد، يتعطش لمقاومة الاحتلال، بل ويكاد يعانق عنان السماء في جسارته وعنفوانه وإبداعاته، ما يعبر عن تجذر الهوية الوطنية الفلسطينية الكفاحية، وعن تشبث الفلسطينيين، بأجيالهم المتعاقبة وأماكن تواجدهم كافة، بحقوقهم الوطنية والتاريخية، بوصفها نواظم كفاحهم الوطني المديد ومحركه الأساس.

أما سادس الإنجازات، فيتمثل في إعلان الشعب الفلسطيني، في الميادين وبالدم، عن رفضه البقاء رهينة لسياسة مسار تفاوضي عقيم وانقسام داخلي مدمر، ما يعبر عما يختزنه هذا الشعب من وطنية راسخة، واستعداد غير محدود، وإرادة لا تلين، وعزيمة لا تفتر، ومخزون كفاحي لا ينضب، وجهوزية دائمة، لتقديم المزيد من التضحيات، كي تعود البوصلة إلى وجهتها، والأمور إلى نصابها، من خلال إطلاق مقاومة شعبية متعددة الأشكال لطرد الاحتلال. كيف لا؟ طالما أنه احتلال استيطاني عنصري فاشي إقصائي يستبيح فلسطين، شعباً ووطناً وأمناً وموارد.. ويصعب، بل يستحيل، تصور رحيله من دون تحويله إلى مشروع خاسر بشرياً وسياسياً وأمنياً ومادياً وأخلاقياً.

هذه هي، حتى الآن، إنجازات جماهير الشعب الفلسطيني، بما تفعله منذ أسابيع، إن كان في الميادين أو في تنظيم الجنازات الحاشدة المهيبة للشهداء، ما يشكل استفتاء شعبياً لمصلحة خيار مواصلة الكفاح الوطني الدفاعي متعدد الأشكال. وهو ما يوجب تعزيز الوحدة الوطنية الميدانية بخطوة فعلية لإنهاء الانقسام، كخطوة من دونها يبقى مجرد لغو الحديث عن تشكيل «قيادة وطنية موحدة»، تدفع الفعل الانتفاضي المتصاعد إلى مداه، وتجدول فعالياته، وتحميه سياسياً من مساعي كيري المعادية، وتحدد هدفه السياسي الناظم بإنهاء الاحتلال والمطالبة بتوفير حماية دولية مؤقتة، كخطوة انتقالية على طريق تمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير مصيره ببناء دولته المستقلة السيدة وعاصمتها القدس، على طريق تحقيق كامل عناصر البرنامج الوطني: العودة والدولة وتقرير المصير، غير القابلة للمبادلة أو المقايضة.

لقد خرج الشعب الفلسطيني إلى الميادين يشهر الحجر والسكين بعد أن بات على قناعة مطلقة بعبثية الرهان على مفاوضات اتفاقات داستها دبابات الاحتلال وجرافاته، وبلا جدوى التمسك ب«تهدئات» لم يلتزم بها قادة هذا الاحتلال يوماً، ما يدعو طرفي الانقسام إلى عدم التعامل مع المعركة الجارية والمفتوحة، بالطريقة ذاتها التي تعاملا بها مع حروب الإبادة والتدمير على غزة، ومع هبات القدس والضفة و«مناطق 48» السابقة، كي لا تتكرر تجارب تبديد بطولات شعبهما الفذة وتضحياته الجسيمة وإبداعاته النادرة وصموده الأسطوري. فالسؤال لم يعد هل ينبغي إنهاء الانقسام، بل متى ينتهي كي تضطلع الفصائل الفلسطينية بدورها في قيادة شعبها في مواجهة مفتوحة على مصراعيها، وعلى كل الاحتمالات، بما فيها لجوء العدو، كما لجأ سابقاً، إلى استخدام كامل قوته العسكرية، سواء في الضفة أو في غزة أو في كليهما، لتصوير ما يجري على أنه حرب بين جيشين وليس مقاومة شعب لاحتلال يجثم على صدره. فسيناريو الذبح العسكري للفعل الشعبي ما زال وارداً، فيما يطوف كيري عواصم المنطقة متأبطاً شر سيناريو الذبح السياسي.

عن الخليج الاماراتية

×
أخبار
بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط