كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الهجرةُ اليهوديةُ الصامتةُ والاستيعابُ الإسرائيليُ المنظمُ

الهجرةُ اليهوديةُ الصامتةُ والاستيعابُ الإسرائيليُ المنظمُ

تاريخ النشر: 2021-01-22 | 12:10

د. مصطفى يوسف اللداوي
د. مصطفى يوسف اللداوي

على مدى أربعة سنواتٍ قضاها دونالد ترامب في البيت الأبيض رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية، انشغل العالم فيها بقراراته الطائشة وسياسته الرعناء، واهتماماته المادية، ومعاركة التجارية، وجهله الطبي وغبائه الصحي، أولى خلالها الكيان الصهيوني كل رعايته واهتمامه، وخصه بالكثير من سياساته، ومنحه ورئيس حكومته ما لم يكونوا يحلمون به.

اعترف بالقدس الموحدة عاصمةً لكيانهم، وشرع مستوطناتهم، ومَهَّدَ لبسط سيادتهم على المزيد من الأراضي الفلسطينية، وشطب من التداول ملف اللاجئين ومسألة العائدين، واعترف بسيادتهم على الجولان، وأمدهم بالسلاح الاستراتيجي والتقانة المتطورة، وضمن لهم أمنهم الوطني وتفوقهم النوعي، واشتغل لهم وزير خارجيةٍ، فنظم علاقاتهم، ونسق تحالفاتهم، وفتح لهم قنوات اتصالٍ جديدةٍ، وأجبر عواصم عربية عديدة على الاعتراف بهم والتطبيع معهم، ومَهَّدَ السبيل أمام عواصم أخرى لتلحق بالسابقين وتسير على نهجهم.

فرح الإسرائيليون كثيراً بسياسة دونالد ترامب، الذي عمل معهم في السر والعلن، وحقق لهم غاية ما يتمنون وأقصى ما كانوا به يحلمون، ولكن الإعلام الإسرائيلي والدولي، كما الفلسطيني والعربي، قد غفل أو أغفل الأنشطة الصهيونية التي تتعلق بملف الهجرة اليهودية إلى فلسطين، التي ما فتئت مستمرة منذ أكثر من قرنٍ ونصفٍ، إذ نشطت المنظمات الصهيونية على اختلافها، ومعها وزارة الاستيعاب الإسرائيلية بكافة طواقمها، إلى جانب جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلية "الموساد"، للعمل ليلاً ونهاراً، في السر والعلن، لجلب المزيد من المهاجرين اليهود للاستيطان في فلسطين من كل البلاد والساحات، خاصةً من الدول التي كان يتعذر خروج اليهود منها بسبب أنظمتها الحاكمة وقبضتها البوليسية، أو تلك التي لا سبيل لخروجهم منها لأسبابٍ لوجستية وأمنية، وهي ما ذللتها المخابرات الإسرائيلية، وسهلتها السياسة الأمريكية.

خلال السنوات الأربعة الماضية توالى وصول مئات المهاجرين اليهود الجدد من دول الاتحاد الروسي، رغم تشكيك الحاخامات اليهود في يهوديتهم، حيث يرفضون الاعتراف بهم، ويتهمونهم بأنهم ليسوا يهوداً بل هم مسيحيون أرثوذكس، يتطلعون فقط للاستفادة من امتيازات المهاجرين اليهود، إلا أن أعدادهم ما زالت في ازديادٍ مستمرٍ، وطوفان هجرتهم لم يتوقف، إلى الدرجة التي أصبحوا فيها هم الجالية الأكبر في الكيان الصهيوني، والأكثر تأثيراً بانضمامهم إلى حزب "إسرائيل بيتنا" بزعامة المتطرف أفيغودور ليبرمان.

أما اليمن الحزين المشغول بجراحه، والمسكون بهمومه، فقد نجح المئات من اليهود من مغادرة عاصمته صنعاء ومختلف مناطقه الأخرى، على متن جسرٍ جويٍ عُقِدَ من أجلهم، رغم العمليات الحربية وفقدان الأمن العام، إلا أن الإدارة الأمريكية مارست ضغوطها على أطرافٍ عربيةٍ وربما فلسطينية، لدفعها للقبول بالتنسيق مع المخابرات الإسرائيلية، لضمان تسيير رحلاتٍ جويةٍ سريةٍ مباشرةٍ وغير مباشرةٍ، لنقل المهاجرين اليهود اليمنيين إلى فلسطين المحتلة، الذين استوطنوا فيها على عجلٍ، والتحق بعضهم بصفوف الجيش الإسرائيلي، وأبدوا رغبتهم في الخدمة العسكرية والتضحية من أجل "حياة شعب إسرائيل".

يبدو أن ملف يهود الفلاشا لم يغلق بعد، رغم موجة الهجرة الكبيرة في منتصف ثمانينيات القرن العشرين، التي شاركت فيها أجهزة أمنية عربية، وهاجر خلالها آلاف اليهود الأثيوبيين خاصةً والأفارقة عموماً إلى فلسطين المحتلة، حيث نجحت المخابرات الإسرائيلية في الأشهر الستة الماضية في نقل المئاتِ من يهود الفلاشا، الذين دار حولهم لغطٌ شديدٌ.

إلا أنهم حطوا رحالهم أخيراً في فلسطين بفرحٍ، وأظهروا سعادتهم بطقوس العودة إلى "أرض الميعاد"، وشكروا نتنياهو وزوجته سارة، ووزير دفاعه غانتس على حفاوة الاستقبال الذي شاركا فيه شخصياً، علماً أن موجات الهجرة الفردية والصغيرة من أفريقيا لم تتوقف خلال العقود الماضية أبداً، حيث أن وزيرة الاستيعاب الحالية هي مهاجرة أثيوبية سابقة عام 1984، إلا أن الأعداد الكبيرة من المهاجرين اليهود ما زالت تصل إلى فلسطين من أثيوبيا، الذين فاق عددهم حتى اليوم المائة وخمسين ألف أثيوبي.

ما زالت الحركة الصهيونية تصر على مواصلة استكمال مشروع الهجرة التي بدأتها الوكالة اليهودية، ورصد لها مئات الأثرياء اليهود مبالغ طائلة، لتغطية نفقات المهاجرين وكلفة انتقالهم إلى فلسطين المحتلة، ومساعدتهم لبدء حياةٍ جديدةٍ في "أرض الميعاد"، ولكن المهاجرين إليها في السنوات الأخيرة باتوا من أشد المواطنين في بلادهم فقراً وأكثرهم بؤساً، ممن لا يؤمنون بأرض الميعاد، ولا بقدسية المسألة اليهودية، ولا يرغبون في التضحية من أجلها، إلا أنهم يتطلعون إلى تحسين أوضاعهم الاجتماعية، والخلاص من بؤس الحياة وشظف العيش في بلادهم.

علماً أن الكثير منهم ليسوا يهوداً، سواء كانوا من مسيحيي الاتحاد الروسي، أو حتى من فقراء أفريقيا، إلا أن الحركة الصهيونية التي قد تشك في أصولهم، تتطلع إلى أطفالهم وإلى أجيالهم القادمة، حيث أن أكثر من نصف عدد يهود الفلاشا الحاليين ولدوا في فلسطين المحتلة، وتعلموا فيها وأتقنوا اللغة العربية، وانقطع اتصالهم بأوطانهم الأصلية، وباتوا لا يعرفون عن انتمائهم شيئا إلا للكيان الصهيوني.

أما أجيال المهاجرين الأفارقة على اختلافها، فإنها تبقى تعيش في معازلها الكئيبة، بعيداً عن أي مشاركةٍ اجتماعية، في ظل عنصريةٍ مقيتةٍ، وكراهيةٍ لهم شديدةٍ، وحرمانٍ لهم من امتيازات ومكتسبات غيرهم، مما دفعهم وما زال إلى الخروج في تظاهراتٍ عامةٍ، واعتصاماتٍ شعبية، تطورت أكثر من مرةٍ في شوارع القدس وتل أبيب ومدنٍ إسرائيليةٍ أخرى، إلى موجات عنفٍ ومواجهاتٍ مع الشرطة داميةٍ، زادت من عمق الهوة بينهم وحجم الفجوة بين مكوناتهم العرقية.

ومع ذلك تبقى الوكالة اليهودية ووزارة الاستيعاب الإسرائيلية، ومعها مختلف الأجهزة والمؤسسات، تعمل لاستجلاب المزيد من يهود العالم إلى فلسطين المحتلة، أملاً أن تقوى أجيالهم القادمة، عدداً وانتماءٍ، على مواجهة المارد الفلسطيني الصاعد، الذي يزداد عدداً، ويترسخ قدماً، ويتعمق جذراً، ويتمسك أكثر بدياره الفلسطينية أرضاً ووطناً.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط