كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الهيمنة المترددة: ألمانيا وأوروبا

أسمع من أصدقاء تخصصوا في الشأن الأوروبي، وأقرأ لخبراء أوروبيين، أن أوروبا تموج حالـيا بمشاهد مستقبلـية من صنع أكاديميين وسياسيين، أكثرها لا يدفع إلى التفاؤل، ولكن جمـيعـها يرفع ألمانيا إلى مــكــانــة القـيــادة ويســبــغ عــليهــا الفــضل والأمل في استـقرار القارة وتجـاوزها أزماتـها الراهـنة.
لست مندهشا من هذا الانبهار بألمانيا من جانب خبراء أعرف عنهم الموضوعية والتزامهم التحليل المتزن. أنا نفسي، ولست خبيراً متخصصا في الشؤون الأوروبية، أكاد أجزم من موقعي كمراقب بأن السلوك السياسي الألماني في الشهور الأخيرة هو الذي منع تدهور الأزمة الأوكرانية نحو أعماق سحيقة من التوتر والعنف، ونحو تهديد جاد للأمن والسلم الدوليين. لم تساير ألمانيا أنصار التشدد من الأميركيين والبريطانيين، وفي الوقت نفسه لم تكشف عن ضعف، يظن كثيرون أنه ناجم عن واقع اعتماد أوروبا على صادرات الغاز الروسية، وواقع اعتماد جانب كبير من الاقتصاد الألماني على التجارة مع روسيا والاستثمارات المتبادلة.
من ناحية أخرى، يبدو أن مواقف السيدة ميركل في الآونة الأخيرة، سواء في تعاملها مع مشكلات الاندماج الأوروبي والعلاقات بين الدول أعضاء الاتحاد الأوروبي وتعاملها الشخصي والديبلوماسي مع الرئيس فلاديمير بوتين، كانت كاشفة عن حقيقة أن ألمانيا تعيد التفكير في جدوى الاستمرار في سياسة الامتناع عن تحمل مسؤوليات كبار في النظام الدولي، وسياسات الابتعاد قدر الامكان عن المشاركة في جهود فرض السلم والأمن بقوة السلاح.
لقد نجحت السياسة الخارجية الألمانية خلال الشهور الأخيرة، في إقناع موسكو بأن برلين قادرة إن شاءت على أن تجعل البراغماتية أساساً ومنهاجاً للعلاقات بين دول أوروبا الشرقيـة، وأكـثرها دول قلقة ومتوترة وخائفة وغير واثقة، وبين روسيا. نجاحها في هذا المسعى لن يحقق المرجو منه إذا لم تخفف القيادة الروسية من دعاياتها وتوجهاتها المغلفة بشعارات قومية. إذ أنه كلما ازداد وهج التشدد القومي وتعددت طموحات روسيا التوسعــية، كلما نشطت من جديد النزعات القومية في دول أوروبا الشرقية. ولا شك أن العاقلين في روسيا وخارج روسيا وبالذات في ألمانيا أدرى بمعنى هذا التصعيد المتبادل في التوجهات القومية وخطــورته على سلام القارة واستقرارها. من جهتي، تابعت باهتمام ردود فعل ألمانيا على التغيرات السياسية الحادثة في بولندا، خاصة تولي رئاسة الحكومة ووزارات الخارجية في التعديل الأخير أشـخاص معـــروف عنهم الميل الشديد للواقعية والبراغمــاتية، ورغبتهم في إنهاء عهد من الحكم في بولندا تحكمت فيه الشوفينية البولندية مهددة العلاقـات مع روسيا. وقد يكون هذا التغيير السياسي في بولندا ناتجا من تأثير غير مباشر أوحت به برلين. أقول هذا وفي ذهـني تصريــح لمســؤول بولنــدي جديد جاء فيه أن «روسيا أهــم لبولندا من أوكرانيا»،. بمعنى آخر أراد أن يقول إنه لا يجوز تعريض سلامة بولندا للخطر من أجل قضية أوروبية لا تمس بشكل مباشر مصالح بولندا في ضمان استقرار حدودها الإقليمية. أظن أن السياسـة الألمانـية تجـاه القــضية الأوكرانية وتجاه مجمل العلاقات مع روسيا حاولت أن توحي لدول أوروبا الشرقية بتبني هذا التوجه «البراغماتي» حرصا على أمن القارة.
ألمانيا، هي الآن، اللاعب الأساسي في أوروبا. والفضل في هذا يعود إلي عناصر كثيرة ليس أقلها شأنا جودة أداء النخبة الألمانية الحاكمة، مقابل سوء أداء النخبة الحاكمة في كـل من بريطانــيا وفرنــسا، الشريكان الأهم لألمانيا حتى وقت قريب في قيادة أوروبا. نجد بريطانيا حاليا تفكر في إبطاء عملية الاندماج الأوروبي بل وتهدد بالخــروج من الاتــحاد، الأمر الذي، إن تحقق أو لم يتحقــق، فقـد أعــطى ألمانـيا بمجرد إعلانه الحق في أن تقرر ما شاء لها أن تقرر في شأن مستقبل أوروبا منفردة. أما فرنسا فحالها الاقتصادي والسياسي يسابق الزمن للالتحاق بحال إيطاليا وإسبانيا وربما اليونان، ففي كل هذه الدول اتسعت الفجوة بين الجماهير والنخب السياسية إلى حد دفع إلى سطح الحياة السياسية بتيارات جديدة تدعو إلى»اسقاط النظام». هناك الجبهة الوطنية في فرنسا، وحزب سيريزا في اليونان وحركة النجوم الخمس في إيطاليا، وحزب «بإمكاننا Podemos» في إسبانيا.
سبب آخر لاستحقاق ألمانيا مكانة القيادة الأوروبية، هو نجاحها في تأكيد استقلال سياستها الخارجية عن الضغوط والمواقف الأميركية، ولكن من دون الإساءة إلى مكانة أميركا كقائد للعالم الغربي. لم تخضع ألمانيا» الميركيلية» لإرادة أميركا خلال مرحلة الأزمة الاقتصادية. استمرت تفرض التقشف في ألمانيا كما في دول أخرى في القارة برغم رفض إدارة أوباما الشديد لهذه السياسة. كذلك لم تساير التصعيد الذي سعت إليه الولايات المتحدة في المواجهة مع روسيا حول أوكرانيا، وفضلت التعامل مع روسيا على خلفية خبرة الدولتين التاريخية وخوفهما المشترك من ارتكاب أخطاء دفعتا ثمنها غاليا.
ومن الأسباب أيضا، أن ألمانيا لم تحاول في أي يوم منذ توحدها أن تكون لها قواعد أو تحالفات سياسية خارج القارة الأوروبية. لم تشتت طموحاتها وآمالها ومصادر قوتها. عرفت النخبة الحاكمة الألمانية أن مستقبل ألمانيا مرتبط بمستقبل أوروبا. أوروبا لها الأولوية، بل هي كل شيء كمصدر من مصادر قوة ألمانيا، ولذلك فهي لا تسعى لنفوذ طاغ في الشرق الأوسط أو في أفريقيا أو حتى في آسيا وأميركا اللاتينية.
زار أحد كبار المحللين السياسيين الأميركيين أوروبا وآسيا خلال الشهرين الماضيين، وبين ملاحظاته العديدة الجيدة توقفت أمام عبارة يقول فيها إنه اكتشف أن الآسيويين والأوروبيين لا يتطلعون إلى أميركا كالعهد بهم قبل سنوات. الآسيويون الآن يتطلعون إلى الصين بينما يتطلع الأوروبيون إلى ألمانيا، ولعلها إحدى علامات عصر ما بعد العولمة، حيث عادت الدول تفضل «القريب»، وإن كان أقل قوة وثراء، على «البعيد»، وإن كان أعظم قوة وأوفر ثراء. عادت أيضا «البراغماتية» غير المفرطة تهيمن على أساليب صنع السياسة واتخاذ القرار بعد أن كانت الايديولوجية، قومية كانت أم دينية أم امبريالية، هي المهيمنة. اعتراضي على إطلاق هذا الرأي نابع من قراءتي للسياسات الخارجية لدول أخرى كثيرة منها الصين واليابان وروسيا، ففيها جميعا لا تزال «القومية» تلعب دورا ما زال أساسيا.
عقل ألمانيا وقلبها في أوروبا، ولكنها غير غافلة عن آسيا وما يمكن أن تفعله الصين فيها وبها.
عن الشروق المصرية

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط