كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الوحش الذي ربّته إسرائيل ينقلب عليها

الوحش الذي ربّته إسرائيل ينقلب عليها

تاريخ النشر: 2023-08-02 | 07:39

للأسبوع الثلاثين على التوالي، أي منذ بداية حكومة اليمين المتطرف ومطلع العام 2023 تقريبا، يواصل عشرات آلاف الإسرائيليين الاحتجاج في الشوارع والميادين الرئيسية في المدن رفضا لخطط حكومتهم بإجراء التعديلات القضائية التي يسميها خصومها "الانقلاب القضائي" وترمي من ضمن أهدافها إلى تقليص صلاحيات السلطة القضائية وبخاصة المحكمة العليا، وتشديد هيمنة الحكومة وأغلبيتها البرلمانية على الحياة السياسية وهو ما يعتبره كثيرون خطرا على "الديمقراطية" الإسرائيلية، وما يرتبط بها من استقلال القضاء وهوامش لعلمانية الدولة وحرية التعبير والحقوق المدنية.

دخلت الأزمة الداخلية في إسرائيل منعطفا جديدا بعد إقرار قانون "تقليص حجة المعقولية"، ليثُبت ذلك تصميم حكومة ائتلاف اليمين واليمين المتطرف على المضي في خطتها حتى النهاية دون أدنى اهتمام براي المحتجين الذين يشكلون ما لا يقل عن نصف المجتمع الإسرائيلي، كما صمّت حكومة بنيامين نتنياهو آذانها عن نداءات الحوار ودعوات التوافق، ونصائح أقرب أصدقاء إسرائيل في الولايات المتحدة وأوروبا.

وهكذا يبدو جليا أن الأزمة  لا تقتصر على صراع بين ائتلاف حكومي وأحزاب المعارضة، أو بين يمين ويسار، بل هي أزمة شاملة باتت تتعمق وتستفحل أفقيا وعموديا، بحيث خرجت معها من تحت السطح إلى الواجهة كل التناقضات العرقية والإثنية والمذهبية والاجتماعية: بين يهود شرقيين وغربيين، وبين المتدينين المتزمتين والعلمانيين، وبين المحافظين والليبراليين، وكذلك بين المستوطنين ومن ماثلهم في توجهاتهم الأيديولوجية التي تتبنى فكر وممارسات "الصهيونية الدينية" من جهة وبين سكان مدن الداخل الكبرى، ويمكن إضافة التناقضات بين الطبقات الوسطى والنخب في إسرائيل وبين الشرائح الأقل حظا التي كانت وما زالت ميدانا لتحريض اليمين المتطرف. كل ذلك خلافا للتناقض الأهم بين الإسرائيليين اليهود وبين من بقي على أرضه من الفلسطينيين العرب الذين فرضت عليهم الجنسية الإسرائيلية عنوة بعد العام 1948 ولكنهم ما زالوا يحتفظون بهويتهم الوطنية وانتمائهم القومي ولغتهم وأحزابهم وحركاتهم السياسية، وهم يشكلون الآن نحو 20% من سكان دولة إسرائيل (16% من اصحاب حق الاقتراع بسبب التكوين العمري).

صحيح أن ثمة عوامل اقتصادية وسياسية وثقافية، وتعبئة عنصرية عززت الشعور الجمعي بالخطر فساهمت في تقليص أثر التناقضات الداخلية، وتهميشها لصالح ما يسمى الخطر الوجودي في مواجهة أعداء يحيطون بإسرائيل من كل جانب، لكن التناقضات ظلت كامنة وتتفاعل تحت السطح. ثم إن السياسات الإسرائيلية عينها هي التي دفعت إلى تأجيج هذه التناقضات وبروزها لدى وصول ائتلاف اليمين المتطرف إلى الحكم، فكان المشروع السياسي والاجتماعي لهذا اليمين الفاشي سببا لاندلاع كل هذه المعارضة لسياسات الحكومة.

تضم موجة الاحتجاجات في صفوفها عددا كبيرا من الأسماء القيادية المعروفة التي شغلت مناصب في رأس السلم السياسي والعسكري، بعضهم ناهز السبعين من عمره وما زال يرابط في مراكز التظاهرات، ومن بين هؤلاء عدد من رؤساء الوزراء السابقين مثل إيهود باراك وإيهود أولمرت ونفتالي بينيت ويائير لابيد، إلى المئات من الوزراء وأعضاء الكنيست، ورؤساء أركان الجيش وقادة المخابرات والاستخبارات وأسلحة الجو والبحر والقوات البرية، وعلماء الذرة فضلا عن رؤساء النقابات والأكاديميين والفنانين والمثقفين وقادة الراي وأرباب العمل ومدراء الشركات. بعض تلك الشخصيات البارزة مثل يوفال ديسكين رئيس جهاز الشاباك السابق صورته الكاميرات وهو يتعرض للأذى المباشر وعنف رجال الشرطة، وغيره تعرضوا للرشّ المهين بواسطة خراطيم المياه العادمة وسائر أشكال الضرب والركل والدفش والجرّ العنيف إلى درجة السحل.

يمكن ببساطة إذن العثور وسط هؤلاء المحتجين على عدد لا يستهان به من مجرمي الحرب الذين كانوا يصدرون الأوامر أو نفذوا بأنفسهم طلعات جوية لقصف بنايات سكنية في قطاع غزة وتدميرها على رؤوس ساكنيها، ومنهم من قرروا أو تولوا بشكل شخصي تنفيذ عمليات اغتيال طالت صحفيين وطلاب مدارس وناشطين سياسيين فلسطينيين، وبينهم بالكبع من صمموا وهندسوا ونفذوا نظام الفصل والتمييز العنصري المرافق لنظام الاحتلال الكولونيالي غير المسبوق لفلسطين وشعبها.

كيف إذن يستقيم حديث هؤلاء عن الديمقراطية والنزاهة وسلطة القانون مع ماضيهم الإجرامي الذي كان متفلتا  من كل الضوابط والقوانين؟ ليس من الصعب العثور على الجواب، فتلك الديمقراطية والقيم الإنسانية التي يتغنون بها هي حقوق حصرية باليهود الإسرائيليين، أما الفلسطينيون فهم مواطنون من الدرجة الثانية في أحسن الأحوال، بل هم في نظر قادة إسرائيل ليسوا مواطنين أصلا، هم سكان وجدوا هنا بالصدفة، ولا شأن لهم بهذا النظام السياسي على الإطلاق.

ربما هُيِّئ لهؤلاء الضباط والقادة أن في وسعهم ارتكاب جرائم الحرب صباحا، ثم ممارسة حياتهم الطبيعية مساء، فيسهرون ويرقصون ويشاهدون المباريات الرياضية والسينما ويحضرون الحفلات الموسيقية، ويهتمون بالآداب وفنون الطبخ، ويعتنون بالبيئة والتنوع الحيوي، ويطورون هواياتاهم وهوايات أبنائهم في سياحة المغامرات والاستكشاف، أي باختصار يعيشون حياتهم كليبراليين وحداثيين دون أن يعكر صفوهم أي شعور بالتناقض أو تأنيب الضمير لاستباحتهم حياة سكان البلاد الأصلانيين وحقوقهم. فالفلسطيني في نهاية المطاف في رأي قادة الاحتجاج كما في رأي اقطاب الحكومة هم عقارب وصراصير كما صورهم الحاخام الأكبر عوفاديا يوسف أكبر مرجعيات  اليهود الشرقيين والأب الروحي لحزب (شاس) قبل نحو عقدين، أو بلغة العلمانيين المنمقة هم مشكلة، سواء كانت إنسانية أو ديمغرافية أو إرهابية.

يرى معظم الدارسين أن العنف الوحشي الذي تمارسه دولة الاحتلال الآن ليس اختراعا حديثا، بل هو نهج مرافق للحركة الصهيونية منذ نشأتها، وقد تبدى بشكل صارخ خلال الأحداث التي رافقت النكبة وشملت ارتكاب عشرات المجازر والمذابح على غرار مذابح دير ياسين والطنطورة والدوايمة، ويعترف مناحيم بيغين رئيس الوزراء الأسبق والزعيم التاريخي لحزب الليكود أنه "لولا دير ياسين لما قامت دولة إسرائيل"، وقد ظل اللجوء للمجازر باعتبارها أدوات مقبولة لتحقيق أهداف السياسة الإسرائيلية قائما طيلة العقود اللاحقة للنكبة، وهكذا نفذت إسرائيل مجازر قبية وكفر قاسم وخانيونس والسموع ثم مدرسة بحر البقر ومذابح الأسرى المصريين، وكفر أسد (الأردن) وقانا (لبنان) وصولا إلى المجازر الحالية في غزة وجنين ونابلس.

هذا العنف تجاه الآخر الفلسطيني أو العربي تمأسس، وصار سمة سلوكية وثقافية لممارسيه ومؤيديه، فالآخر هو شر مطلق وعدو، إما مخرب حاقد أو عامل في المهن الدنيا، ليست له حقوق سياسية، ولا يستحق حتى بعض الحقوق الإنسانية مثل حرية التنقل والسفر والحصول على نصيب عادل من المياه التي هي مياهه اصلا، هذه السياسات ليست اختراعا إسرائيليا بل هي سلوك استعماري مألوف عرفته معظم الدول الاستعمارية الأوروبية، لكن الفارق يكمن في التوقيت وفي محاولة إسرائيل دائما تقمص دور الضحية وتصوير جرائمها وكأنها وسائل ضرورية لتجنب كارثة مشابهة للمحرقة.

السلوك الإجرامي وجد له غطاء سياسيا وقانونيا يبرره، فالكنيست تُشرّع القوانين التمييزية، والحكومة تسبغ صفات الطهرانية على جيشها وهذا الأخير يحمي ضباطه وجنوده من أي مساءلة ويبرر كل جريمة. ترجم كل ذلك بقوانين وتعليمات وأنظمة تسهل إطلاق النار على الفلسطيني لمجرد كونه فلسطينيا، ولأي سبب يراه الإسرائيلي سواء كان جنديا أو مستوطنا أو مدنيا عاديا، كلما رأى في سلوك الفلسطيني أو في هيأته وملامحه ما يريبه.

تحذيرات بعض السياسيين المتنورين والأكاديميين ذهبت سدى،. "الاحتلال يفسد" شعار رفعه هؤلاء وقصدهم أن الاحتلال لا يفسد حياة الفلسطينيين فقط بل يفسد الإسرائيليين أنفسهم. فممارسة العنف تجاه الآخر واستلاب حقه في الحياة واستباحة أرضه وحقوقه لا بد أن تنقلب يوما على ممارسي العنف في محيطهم الأقرب،  فينقلون العنف إلى أبناء جلدتهم وحتى على زوجاتهم وعائلاتهم، وهكذا فإن العنف الذي ربته المؤسسة الإسرائيلية الرسمية في الإسرائيلي العادي خلق فيه وحشا تجاه الآخر المختلف عنه عرقيا وقوميا، لكن الوحش نما وترعرع مع استمرار الاحتلال وصار مهيئا لممارسة العنف تجاه من يختلف معه في الرأي أو الميول السياسية والفكرية، وصار محركا لفرض نظام استبدادي يضيق بهوامش الديمقراطية ويتحرر من كل القيود التي كان يمكن لها أن تكبح جرائمه بحق الفلسطينيين.

×
أخبار
نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط