كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الوضع الفلسطيني في ظل "أبو مازن"

الوضع الفلسطيني في ظل "أبو مازن"

تاريخ النشر: 2015-07-08 | 22:51

امد/ لندن – كتب ماجد كيالي*: من الغريب حقاً، أن بعض القيادات الفلسطينية في حركتي «فتح» و «حماس»، أي في سلطتي الضفة الغربية وغزة، تذهب في مواقفها وتصرفاتها وكأن لا شيء يحصل في المشرق العربي، مع كل هذا الاضطراب والخراب والتصدّع الدولتي والمجتمعي الذي تبدو معه إسرائيل الدولة الأكثر ربحاً واستقراراً في المديين الراهن والمنظور على الأقل. ومدهش فعلاً، هذا التنكّر للواقع المبني على المبالغة في تضخيم الذات، إذ تتصرف قيادات في «فتح» والمنظمة، وكأن معادلات اتفاق أوسلو ما زالت قائمة والدولة المستقلّة على الأبواب، في حين تتحدث قيادات في «حماس» عن القدرة على تقويض إسرائيل، أو الانتصار عليها أو انتزاع مطالب منها من دون ثمن.

هذا ما يمكن استنتاجه من التجاذبات الحاصلة بين الحركتين، إذ اعتادت كل واحدة منهما منذ الانقسام عام 2007، على التصرف وكأنها بمثابة سلطة في مجالها، كأنها تحررت من الاحتلال، أو كأن وضع الفلسطينيين بات في أحسن حال. وهذا ما يمكن فهمه مثلاً، من قيام كلّ منهما بالتصارع مع الأخرى، بدل الصراع مع إسرائيل، وانتهاجهما سياسة التضييق والاعتقال، فسلطة «فتح» تنتهج ذلك ضد ناشطي «حماس» في الضفة، وسلطة «حماس» تنتهج ذلك ضد ناشطي «فتح» في غزة.

مناسبة هذا الحديث، قيام سلطة «فتح» في الضفة بحملة اعتقالات سياسية في الضفة، نجم عنها اعتقال مئة شخص في يوم واحد (محمد يونس، «الحياة»،4/7). المفارقة أن المبرّرات التي سوّقتها سلطة «فتح»، وضمنها تصريحات الناطق باسم الأجهزة الأمنية اللواء عدنان الضميري، مثيرة للانتباه، إذ يخشى أنها تبرر بمفعول رجعي للأنظمة العربية، تشدُّدها ضد الفلسطينيين، لا سيما في الستينات والسبعينات والثمانينات، لمجرد تشكّكها في نواياهم وتحسّبها من خطرهم على الاستقرار، وتوريط البلد بالمقاومة.

بل إن هذه الادعاءات تضع قيادات «فتح» التاريخية كلّها، موضع المساءلة السياسية والأخلاقية والقانونية عما حدث في لبنان، مثلاً، إذ لم تكن «فتح» وقتها حركة سياحية أو «غاندية» فيه، ولا كانت الظروف فيه مهيأة أو مناسبة للمقاومة أكثر من الضفة. كما لم يكن شعب لبنان مرتاحاً للمقاومة أو أولى بها من الفلسطينيين مثلاً. ولعل الأجدى للناطقين باسم الأجهزة الأمنية للسلطة أو باسم «فتح»، التنبّه الى معنى تصريحاتهم، ودلالاتها السياسية والقانونية والأخلاقية، إذ لا يوجد أي تبرير للاعتقال السياسي، لا في غزة ولا في الضفة، بل إن هذه السياسة مهينة للفلسطينيين ولتضحياتهم وكفاحهم، فضلاً عن أنها تزيد من معاناتهم، مع وقوعهم تحت سلطتين: الاحتلال الإسرائيلي، والسلطة الفلسطينية (في الضفة وغزة).

واضح أن المطلوب هو الإفراج عن كل المعتقلين السياسيين في الضفة وغزة، عند «فتح» و «حماس»، ووقف سياسة الاعتقال والتنكيل، والإقلاع عن سياسة منع النشاطات أو تقييدها. كأن القيود التي يضعها الاحتلال لا تكفي الفلسطينيين. وفوق ذلك كله، فقد آن أوان الانتهاء من مسخرة «التنسيق الأمني»، لأن حماية الاحتلال ليست من مهمة الذين يقعون تحت الاحتلال، وهذا معيب ومهين من مختلف الجوانب، فحتى رئيس السلطة ذاته لوّح بذلك مراراً، علماً أن «المجلس المركزي» الذي هو أعلى هيئة تشريعية فلسطينية في غياب المجلس الوطني، اتخذ في آذار (مارس) الماضي قراراً بوقف التنسيق الأمني مع إسرائيل، لكنه ظلّ حبراً على ورق.

الفكرة أن الطرفين، أي «فتح» و «حماس»، يتعاملان بطريقة كيدية مع بعضهما بعضاً، ما ينمّ عن انعدام ثقة متبادلة وضعف إدراك لمعنى المسؤولية الوطنية، فضلاً عن أن ذلك يستنزف قوى الفلسطينيين، ويعزّز مشاعر الإحباط وفقدان الأمل لديهم، ولا يليق بتضحياتهم ونضالاتهم. أيضاً، فإن هذه السياسة تقوّض صدقية مطالبة إسرائيل بالإفراج عن الأسرى الفلسطينيين في معتقلاتها، أو وقف سياسة الاعتقال، بل إنها تبرر لها الاستمرار في ذلك طالما أن الفلسطينيين يفعلون الأمر ذاته بأنفسهم.

يجعل هذا الوضع المؤسف إسرائيل تحتفي بنفسها، وبنجاح خطتها المتعلّقة بإقامة سلطة فلسطينية، أو تلك المتعلّقة بالانسحاب من غزة من طرف واحد، إذ أدى هذا وذاك إلى تحرّرها من أعباء الاحتلال، وتخفّفها من الاحتكاك بالفلسطينيين، وتالياً العيش في واقع من الاحتلال المريح والمربح، وترك الفلسطينيين لمصيرهم، لتدبّر أنفسهم مع مشاكلهم واختلافاتهم وصراعاتهم على السلطة.

لا تتوقف التراجيديا السياسية للفلسطينيين على التجاذبات بين «فتح» و «حماس» وسياسة الاعتقالات، إذ يشمل ذلك المزاجية والاضطراب في إدارة السلطة، الأمر الذي يعكس التخبّط الذي تعيشه حركة «فتح» في أوضاعها الداخلية أو على مستوى خياراتها السياسية. وتمثل ذلك أخيراً بقيام الرئيس «أبو مازن»، وهو رئيس المنظمة والسلطة و «فتح»، بمجموعة من الخطوات غير المحسوبة التي تفتقد المشروعيّتين السياسية والقانونية.

في هذا الإطار مثلاً، يمكن الحديث عن إقالة حكومة «الوفاق الوطني» التي كانت تشكّلت قبل عام، وهي خطوة خلقت إرباكاً لم تكن الساحة الفلسطينية في حاجة إليه، لا سيما أن الحكومة القائمة أتت نتيجة توافق لم يكتمل عملياً بين حركتي «فتح» و «حماس»، علما أنه تم التراجع بعد أيام، عن قرار الإقالة لمصلحة إجراء تعديل طفيف على الوزارة القائمة.

أما الخطوة الثانية، فتمثلت بإقالة ياسر عبد ربه من منصبه أمين سر للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، بطريقة فجّة وغير مقنعة ولا تنم عن احترام، لا للمنظمة كمؤسسة ولا لتاريخها ولا للأشخاص الذين احتلوا هذا المنصب لعقود بما لهم وما عليهم.

ثمة خطوة أخرى كانت تمثلت بإصدار قرار مفاجئ من النيابة العامة بتجميد أموال مؤسسة «فلسطين الغد»، بدعوى تبييض أموال، علماً أنها مؤسسة يديرها رئيس الحكومة السابق سلام فياض، وهي مؤسسة معتبرة ومشهود لها وتؤدي خدمات لقطاعات مهمّشة من الفلسطينيين، إذ تم الأمر بطريقة تعسّفية ومن دون مسوغات قانونية مقبولة. والجدير ذكره، أن النيابة العامة الفلسطينية لا يمكن لها أن تصدر قراراً كهذا ضد شخصية بحجم فياض، مع سمعته الطيبة ونزاهته المالية المعروفة، من دون توجّه من الرئيس كما حصل في ملفات أخرى.

المهم أنه في كل هذه الخطوات، تكشفت خطوات الرئيس الفلسطيني عن تسرّع ومزاجية وافتقاد المشروعية بطريقة لافتة للانتباه. واللافت أن الرئيس «أبو مازن» كان عانى من السياسات نفسها سابقاً، عندما كان رئيساً للحكومة الفلسطينية في عهد الرئيس الراحل ياسر عرفات، ما جعله يوجّه انتقادات لاذعة الى تفرّد الراحل بالقيادة واحتكاره السلطة ومزاجيّته في اتخاذ القرارات والتفافه على الإطارات الشرعية، فضلاً عن انتقاده جمع الرئيس الراحل بين رئاسة السلطة والمنظمة و «فتح».

الظاهر أن الرئيس «أبو مازن» تراجع في تجربته في قيادة المنظمة والسلطة و «فتح»، عن كل ملاحظاته وانتقاداته السابقة، بل إنه أعاد إنتاج الممارسات التي كان انتقدها بطريقة أكثر مزاجية وخطورة، خصوصاً مع علمنا بالفارق الكبير بينه وبين «أبو عمار» من النواحي الشخصية والقيادية، إذ كان الراحل يحمل ملكات الزعيم ومكانته والرمز والقدرة على التحمّل والتجميع.

لم تشهد المؤسسات القيادية الفلسطينية، أي المنظمة والسلطة و «فتح»، تخبطاً في خياراتها السياسية وترهلاً في بناها الداخلية وتراجعاً في مشروعيتها ومكانتها التمثيلية، مثلما هي الآن، فكيف إذا كان ذلك يحصل في ظروف الاضطراب في عموم المشرق العربي؟

باختصار، الوضع الفلسطيني في حاجة إلى تجديد في كل شيء في الخيارات والبنى، لا سيما في القيادة، وفي الطبقة السياسية السائدة برمتها. والمشكلة أن كثيراً من الأمور تتوقف على ما يفعله أو ما يقرره «أبو مازن».

عن الحياة اللندنية

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط