كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الوطنية الفلسطينية بوصفها معيارًا أصيلًا للعداء مع الاحتلال

الوطنية الفلسطينية بوصفها معيارًا أصيلًا للعداء مع الاحتلال

تاريخ النشر: 2026-03-16 | 12:01

في خضمّ التشابكات الإقليمية والاستقطابات السياسية التي أحاطت بالقضية الفلسطينية على مدار عقود، برزت مقاربات متعددة في تعريف العداء مع إسرائيل وتحديد دوافعه وحدوده. غير أنّ ثمّة منظورًا آخر يختلف في جوهره عن كثير من هذه المقاربات، منظورًا لا تحكمه حسابات المحاور، ولا تصوغه مصالح الاصطفاف الإقليمي، بل ينبع من وعي وطني خالص يضع فلسطين ومصلحتها العليا فوق كل اعتبار. هذا المنظور لا يرى في العداء للاحتلال مجرد موقف سياسي عابر، ولا خطابًا تعبويًا يُستخدم في لحظات التنافس والمزايدة، وإنما يعدّه تعبيرًا طبيعيًا عن انحياز وطني وأخلاقي أصيل، يستند إلى إدراك عميق بأن الاحتلال يمثّل خطرًا مباشرًا على الوجود الوطني الفلسطيني، وعلى الكرامة والحقوق والمستقبل.

إنّ جوهر هذا الفهم يتمثل في رفض اختزال القضية الفلسطينية ضمن مشاريع إقليمية لم تكن، في معظم تجلياتها، منصفة لنضال الشعب الفلسطيني بقدر ما كانت حريصة على توظيفه. فكم من مرة تحولت فلسطين، في سياق النزاعات العربية والإقليمية، إلى ورقة تفاوض، أو أداة ضغط، أو عنوان للاستهلاك السياسي والإعلامي، من دون أن ينعكس ذلك إنصافًا حقيقيًا لحقوق الفلسطينيين أو دعمًا صادقًا لمشروعهم الوطني. وفي مثل هذه الحالات، لم يعد العداء لإسرائيل نابعًا من التزام فعلي بقضية شعب تحت الاحتلال، بل من اعتبارات تتصل بتوازنات النفوذ، وصراعات الإقليم، وحسابات الأنظمة والقوى الباحثة عن أدوار ومكاسب.

ومن هنا، يصبح من الضروري التمييز بين عداء وطني أصيل للاحتلال، وعداء آخر مصطنع أو مشروط، يرتبط بالأجندات الخارجية والتمويل السياسي. فالعداء الحقيقي لإسرائيل لا يُشترى بالمال السياسي، ولا تصنعه المنابر الإعلامية، ولا تحرّكه شهوة الحضور أو الرغبة في اقتناص المكاسب. إنّه موقف يتأسس على قناعة راسخة بأن الاحتلال ليس مجرد خصم سياسي، بل هو بنية استعمارية تستهدف الأرض والإنسان والرواية والهوية. لذلك فإن مقاومته، في الوعي الوطني الفلسطيني، ليست وظيفة موسمية، ولا ورقة للمناورة، بل جزء من تعريف الذات الوطنية ومن الدفاع عن الحق التاريخي والسياسي والأخلاقي للشعب الفلسطيني.

وقد كان التيار الوطني الفلسطيني، في مسيرته السياسية والفكرية، الأكثر تمسكًا بهذا التصور، والأشدّ حرصًا على تقديمه بوصفه الإطار الأوضح لفهم الصراع. فمنذ تشكّل الحركة الوطنية الفلسطينية الحديثة، ظلّ هذا التيار ينظر إلى فلسطين باعتبارها البوصلة الأولى والأخيرة، والمرجعية التي لا تعلو عليها أية مرجعية أخرى. ولذلك لم يرتهن للخطاب القومي على نحو يذيب الخصوصية الفلسطينية، رغم اعتزازه العميق بانتماء فلسطين إلى محيطها العربي، كما لم يذب في الأيديولوجيا الاشتراكية أو غيرها من الأطر الفكرية العابرة للحدود، وإن تقاطع معها في الدفاع عن العدالة الاجتماعية والحقوق الإنسانية. لقد حافظ، في جوهره، على أولوية المشروع الوطني الفلسطيني بوصفه الإطار الجامع، وعلى المصلحة الوطنية باعتبارها المعيار الحاكم في تحديد المواقف والخيارات.

هذا التمسك بالوطني الفلسطيني لا يعني الانغلاق أو التنكر للعمق العربي والدولي للقضية، بل يعني وضع كل ذلك في سياقه الصحيح. ففلسطين ليست ملحقًا بمشروع إقليمي، ولا ساحةً لتصفية الحسابات، ولا مادة للاستثمار السياسي من أي طرف كان. إنّها، قبل كل شيء، قضية شعب يسعى إلى الحرية والاستقلال والتحرر الوطني، ويخوض نضاله من أجل استعادة أرضه وحقوقه وكرامته. ومن هنا، فإن أي مقاربة لا تنطلق من هذا الأساس، أو تحاول إخضاع القضية لحسابات الآخرين، إنما تبتعد عن جوهر النضال الفلسطيني وتُضعف قدرته على بناء مشروع وطني مستقل ومتماسك.

إن الحاجة اليوم إلى إعادة الاعتبار لهذا المنظور الوطني الخالص تبدو أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، لا سيما في ظل ما تشهده المنطقة من تحولات حادة، وما يتعرض له الوعي الفلسطيني من محاولات تشويش وإعادة توجيه. فصون القضية الفلسطينية من التبعية، وحماية قرارها الوطني من الارتهان، وإبقاء العداء للاحتلال في إطاره الطبيعي بوصفه موقفًا تحرريًا وطنيًا، هي شروط أساسية للحفاظ على المعنى الحقيقي للنضال الفلسطيني. وعندما تبقى فلسطين هي المرجعية العليا، وتبقى المصلحة الوطنية هي المعيار، يصبح العداء للاحتلال فعلًا صادقًا ومتجذرًا، لا شعارًا عابرًا، ولا أداة في يد الآخرين.

في النهاية، لا تُقاس صدقية المواقف من إسرائيل بارتفاع سقف الخطاب، ولا بكثرة الشعارات، بل بمدى اتصال هذه المواقف بالمشروع الوطني الفلسطيني وبمصالح الشعب الفلسطيني الفعلية. فالوطنية هنا ليست تفصيلًا في المعادلة، بل هي أصلها وشرطها الأول. وكل عداء لا تصنعه الوطنية، ولا يوجّهه الوعي بمصلحة فلسطين، يظلّ ناقصًا، مهما بدا صاخبًا أو متشددًا. أما العداء المنبثق من الوطنية الفلسطينية الصافية، فهو وحده القادر على أن يبقى ثابتًا، أخلاقيًا، ومحصنًا من التوظيف، لأنه يصدر عن انتماء حقيقي إلى الأرض والحق والحرية.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط