كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

"الوظيفية" بين التحليل البنيوي والانزلاق الأخلاقي ..

"الوظيفية" بين التحليل البنيوي والانزلاق الأخلاقي ..

تاريخ النشر: 2026-02-21 | 11:11

قراءة فكرية سياسية اجتماعية في مفهوم "اليهودي الوظيفي" وإسقاطاته...
يُعدّ مفهوم "اليهودي الوظيفي" من أبرز المفاهيم التي صاغها المفكر العربي الراحل عبد الوهاب المسيري ضمن مشروعه الموسوعي، ولا سيما في عمله المرجعي موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية. وقد أثار هذا المصطلح – ولا يزال – جدلاً واسعاً، بسبب حساسيته الدينية والسياسية، وبسبب إساءة فهمه أو توظيفه في غير سياقه العلمي.
أولاً: المفهوم في سياقه الأصلي
لم يكن المسيري معنياً بوصف اليهود كجماعة دينية أو عرقية بكونهم "وظيفيين"، بل كان يحلل ظاهرة تاريخية محددة في أوروبا الوسيطة والحديثة. فقد لاحظ أن بعض الجماعات اليهودية أُسندت إليها أدوار اقتصادية أو مالية أو وسيطة داخل بنى سياسية مسيحية إقطاعية أو رأسمالية ناشئة، بحيث أصبحت تؤدي وظيفة تخدم النظام القائم مقابل حماية أو امتيازات.
إذن "الوظيفية" هنا ليست صفة جوهرية، بل توصيف لدور داخل منظومة سلطة. وهي ظاهرة – بحسب التحليل البنيوي – يمكن أن تنطبق على أي جماعة تُستدعى لأداء دور يخدم السلطة، ثم تُستبعد أو تُحمَّل مسؤولية الأزمات عند تغير موازين القوى.
من هنا، يتضح أن المفهوم أقرب إلى علم الاجتماع السياسي منه إلى الحكم الأخلاقي.
ثانياً: من "اليهودي الوظيفي" إلى "المسلم الوظيفي"
الإشكالية تبدأ عندما يُنقل المصطلح إلى سياقات أخرى، ويُستخدم لوصف أفراد أو نخب في المجتمعات العربية والإسلامية بأنهم "مسلمون وظيفيون". في هذه الحالة، يُراد به – غالباً – الإشارة إلى شخص أو تيار يؤدي دوراً سياسياً أو إعلامياً يخدم مشروعاً خارجياً أو قوة مهيمنة، على حساب قضايا أمته أو مصالحها الوطنية.
من حيث المبدأ التحليلي، يمكن القول إن "الوظيفية" ليست مرتبطة بدين بعينه، بل هي نمط من التموضع داخل شبكة مصالح دولية أو إقليمية. فالتاريخ الحديث مليء بأمثلة لنخب سياسية أو اقتصادية في العالم الثالث ارتبطت ببنى استعمارية أو تبعية، وأدّت دور الوسيط المحلي لمصالح خارجية.
غير أن الخطر يكمن في تحوّل المصطلح من أداة تفسير إلى أداة تخوين.
ثالثاً: بين التحليل البنيوي والاتهام الأخلاقي ...
في سياقه العلمي، يركّز مفهوم "الوظيفية" على البنية لا على النوايا. أي أنه يسأل:
ما هو موقع هذا الفاعل داخل منظومة السلطة؟
ما هي المصالح التي يخدمها موضوعياً؟
وما هو أثر دوره على الاستقلال الوطني أو العدالة الاجتماعية؟
لكن في الخطاب السياسي المتوتر، يتحول السؤال البنيوي إلى حكم أخلاقي مباشر: "هذا خائن"، "ذاك عميل"، "فلان يؤدي وظيفة مشبوهة".
وهنا يفقد المصطلح دقته، ويتحوّل إلى شعار تعبوي.
إن كل مجتمع يعرف اختلافاً في الرؤى حول مفهوم المصلحة الوطنية. فهل كل من يطرح تسوية سياسية مخالفاً لمنهج المقاومة يُعدّ "وظيفياً"؟ وهل كل من ينفتح على علاقات دولية معينة يُصنّف ضمن هذا الإطار؟ أم أن الحكم ينبغي أن يستند إلى معايير واضحة تتعلق بالسيادة والعدالة وحقوق الشعب؟
رابعاً: الوظيفة والسلطة في عالم معولم ...
في عالم اليوم، لم تعد "الوظيفية" حكراً على جماعة دينية أو إثنية، بل أصبحت سمة من سمات النظام الدولي ذاته. فهناك دول تؤدي أدواراً وظيفية ضمن توازنات كبرى، ونخب اقتصادية مرتبطة بشبكات مالية عابرة للحدود، ومؤسسات إعلامية تتحرك ضمن أجندات ممولة.
من هذا المنظور، يمكن القول إن "الوظيفية" ظاهرة بنيوية مرتبطة باختلال ميزان القوة في النظام العالمي. وكلما ضعفت الدولة الوطنية أو انقسم مجتمعها، زادت قابلية بعض نخبها لأداء أدوار خارج إطار المصلحة العامة.
لكن في المقابل، يجب الحذر من تحويل هذا التحليل إلى نظرية مؤامرة شاملة، ترى في كل تباين سياسي دليلاً على الارتهان.
خامساً: المعايير الأخلاقية والسياسية ...
حتى يكون استخدام مفهوم "الوظيفية" منضبطاً، لا بد من توافر ثلاثة شروط:
وضوح معيار المصلحة الوطنية: ما هو المشروع الذي يُقاس عليه السلوك؟
التمييز بين الخطأ السياسي والارتهان البنيوي: ليس كل اجتهاد خاطئ خيانة.
تجنب التعميم الجماعي: لأن التعميم يعيد إنتاج الظلم الذي انتقده المسيري نفسه.
لقد كان عبد الوهاب المسيري حريصاً على التفريق بين اليهودية كدين، واليهود كجماعات بشرية، والصهيونية كمشروع استعماري. ومن الأمانة الفكرية أن يُحافظ على هذا التفريق عند استدعاء مفاهيمه في نقاشاتنا المعاصرة.
خلاصة القول:
إن مفهوم "الوظيفية" يظل أداة تحليلية مفيدة لفهم العلاقة بين النخب والسلطة في سياقات الهيمنة والتبعية.
لكنه سلاح ذو حدين: إما أن يُستخدم لتفكيك البنى وفهمها بعمق، وإما أن يتحول إلى أداة إقصاء سياسي.
في زمن الاستقطاب الحاد، يصبح من السهل إطلاق التوصيفات، ومن الصعب بناء مشروع وطني جامع. ولذلك، فإن السؤال الأجدر بالطرح ليس: "من هو الوظيفي؟" بل:
كيف نبني منظومة سياسية واقتصادية تقلل من فرص الارتهان، وتعزز الاستقلال والعدالة؟
عندها فقط، يتحول المفهوم من أداة اتهام إلى مدخل إصلاحي يعيد الاعتبار للوعي النقدي، دون الوقوع في فخ التخوين أو التعميم.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط