كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الوعي المبكر لفكر الجهاد والثورة د.سميح حمودة

الوعي المبكر لفكر الجهاد والثورة د.سميح حمودة

تاريخ النشر: 2020-05-21 | 09:10

في الخامس والعشرين من مايو 2019 غيَّب الموت المؤرخ والباحث الفلسطيني د. سميح حمودة، والذي ترك خلفه أكثر من بصمة وأثر.

في الحقيقة، إن من أحيا فينا حس الجهاد والثورة ونحن في مرحلة الشباب هما الأخوان: د. فتحي الشقاقي بأحديثه التي لا تنتهي عن الشيخ عز الدين القسَّام والصفحات المشرقة عن جهاده واستشهاده، وكذلك د. سميح حمودة (رحمه الله)، والذي كان لكتابه (الوعي والثورة: دراسة في حياة وجهاد الشيخ عز الدين القسَّام)، والصادر عام 1968، الفضل في توطين هذا التعلق بالشيخ القسَّام في ذهنياتنا نحن الرعيل الأول من جيل الشباب الإسلاميين، حيث شكلت سردية د. فتحي الشقاقي؛ مؤسس حركة الجهاد الإسلامي، وأخيه د.سميح حمودة ثنائية الوعي المعرفي بشيخ الجهاد والثورة على أرض فلسطين، والذي أعطى للقضية الفلسطينية بُعداً إسلامياً عبر تأصيل مركزيتها في وجدان الأمة الإسلامية، فالشيخ القسَّام؛ ابن بلدة "جبلة" السورية، هو أحد أعلام الجهاد والثورة في وجه قوات الانتداب البريطاني؛ الظهير الاستعماري للمشروع الصهيوني، والذي كتب باستشهاده في معركة (أحراش يعبد) بمنطقة جنين انطلاقة الوعي بالجهاد والثورة في مقاومة العصابات الصهيونية، ومهد الطريق ليتمدد هذا الوعي ويتعاظم انتشاره في جيل ما بعد النكبة، ويتم النظر إليه في السياق النضالي بأنه كان المحرك الأول للانتفاضات الفلسطينية المباركة، والباعث لصحوة الحركة الوطنية في أواخر الخمسينيات، وحجر الزاوية في تأسيس حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وحركة الجهاد الإسلامي في ثمانينيات القرن الماضي.

لقد أدرك د.سميح حمودة بوعيه المبكر أهمية دراسة تجربة الشيخ عز الدين القسَّام الجهادية، فكان كتابه (الوعي والثورة)، والذي صدر مباشرة بعد عام من هزيمة 1967، بمثابة المرجعية اَلْحَرَكِيَّة لاستنهاض الشباب الفلسطيني في الأراضي المحتلة، وإرشاده لخريطة الوعد الإلهي، ومستلزمات الوعي باتجاهات البوصلة، والمتطلبات النضالية لتحقيق الغلبة والتمكين والاستقلال.

حقاً؛ كانت كلمات د. فتحي الشقاقي وكتاب د. سميح حمودة هما المشكاةة التيتلألأت مع التماعاتها فكرة الجهاد والمقاومة في الضفة الغربية وقطاع غزة.

ومن الجدير ذكره، أن كتابه عن الشيخ عز الدين القسَّام قد تجاوز تأثيره دائرة الإسلامين، إذ كتبت أستاذة یساریة في جامعة بیرزیت، قائلة: "إن ھذا الكتاب الصادر عن جمعیة الدراسات العربیة في القدس عام 1986، ھو الذي جعلھا تتأثر بسیرة القسَّام، وجعلھا تُطلق على ابنھا اسم القسَّام".

وللتاريخ؛ فقد سمعت باسم الأخ سميح حمودة أول مرة من خلال د. الشقاقي عندما كنَّا طلاباً بالجامعات المصرية في بداية السبعينيات، ثم شاءت الأقدار أن ألتقيه بعد ذلك في أمريكا بعد قرابة العقد ونصف العقد، حيث كان يشارك في العديد من أنشطة الجالية ومؤتمراتها الطلابية، التي كانت ترعاها لجنة فلسطين الإسلامية (IPC) ورابطة الشباب المسلم العربي (MAYA)، وكذلك بعض فعاليات المعهد العالمي للفكر الإسلامي (IIIT) والاتحاد الإسلامي لفلسطسن (IAP).

لقد كان د. حمودة معروفاً بحبه للتاريخ ولصفحات المعرفة وعلم الإنسان، وقد ترك خلفه عدة كتب والكثير من الأبحاث والمقالات كشاهدٍ وأثر على اهتماماته وحركيِّة وعيه السياسي كأستاذ جامعي نال تقدير وإحترام جامعته وطلابه، وكان صاحب مواقف عكست ملامح رجولته وثبات وأصالة معدنه وإلتزامه، ولعل سنوات المحنة التى تعرض فيها للإعتقال قرابة أربع سنوات، والتحقيق في أحداث كنا نحن مسلمو أمريكا أحد ضحاياها بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، حيث أصبح (الكل الإسلامي) في أمريكا مستهدفاً، ويقع في دائرة الإتهام بالتطرف والإرهاب!!

كان النشطاء الفلسطينيون في أمريكا هم أكثر من عانى من إجراءات الملاحقة والإعتقال التعسفي، وبالخصوص أولائك الذين تصدروا إدارة مؤسسات وجمعيات إسلامية، حيث كان هؤلاء هم طليعة من تعرضوا للتهديد والاضطهاد، وخضعوا للتحقيقات والمساومات والسجن، أمثال: د. سامي العريان، د.مازن النجار، د. عبد الحليم الأشقر، والشيخ محمد المزين وشكري أبو بكر وغسان العشي، وآخرون .

كانت جريمة د. سميح حمودة أنه كان يعمل بجانب د. سامي العريان؛ الأستاذ الأكاديمي والناشط الفلسطيني وأحد أعمدة الدعوة الإسلامية في أمريكا، حيث كان مطلوباً من د. حمودة الإدلاء بشهادة في المحكمة تدين د. العريان والأنشطة التعليمية والخيرية التي كان يرعاها، إلا أن الرجل آثر السجن ورفض مجاراة مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) في ادعاءاته وأباطيله بتلبيس تُهم ظالمة لصديقه، فكان موقفه الذى صدح به بقوة في وجوه كلّ هؤلاء، ووصلت ذبذباته إلى أسماع العالمين: "السجنُ أحب إليَّ مما يدعوني إليه".

وفي مقابلة له مع صحيفة (الحياة الجديدة)، تحدث د. حمودة عن معانته وما لحق بأهله من الأذى خلال فترة اعتقاله قائلا: "لقد دفعت ثمناً باهظاً لقاء حملة من الأكاذيب التي حيكت ضدي بهدف إدانتي، رغم إنني بريء". وأضاف: "إن ما تعرض له من سلسلة المضايقات وألم الاعتقال وملاحقة عائلته وزوجته يكشف شراسة الهجمة التي جرى شنَّها على المسلمين والعرب والفلسطينيين على وجه الخصوص بعد أحداث 11 سبتمبر". وأشار قائلاً: "إن هدفهم كان واضحاً وهو محاربة كل من يحاول تعرية طبيعة ما يجري في الأراضي المحتلة من جرائم ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق الفلسطينيين، بحجة أنهم يشجعون على التحريض ويقدمون الدعم للإرهاب!!".

وختم بالقول: "المعادلة كانت واضحة، وهي أن كل من يخالف الإدارة الأميركية يصبح عرضة للاتهام بالإرهاب، وعرضة للشطب من المجتمع الأميركي أو إخراس صوته".

نعم؛ لقد خسر د. حمودة فرصة استكمال دراسته للدكتوراه، لكنه بالتأكيد كسب مكانة واحتراماً كبيرين حين تعالى على محاولات ترويضه وابتزازه لتجريم صديقه د. العريان.. وعندما فشلت أجهزة الأمن في الإيقاع به برغم ملايين الدولارات التى أنفقتها لشيطنته، وربط قضيته بما يجري علي أرض فلسطين من أعمال جهادية، حكمت المحكمة ببراءته من كل ما نسب إليه من اتهامات بشرط التنازل عن حقوقه والرحيل عن أمريكا.

بعد عودته إلى أرض الوطن في العام 2005، حافظ د. حمودة على خطه الأكاديمي ومنهجيته البحثية، حيث استمر يمارس عمله كباحث ومؤرخ وأستاذ للعلوم السياسية بجامعة بيرزيت، وكان ينشر من حين لآخر بعضاً من مقالاته في الصحافة المحلية، وكان في أحاديثه وكتاباته وآرائه الفكرية والسياسية داعماً لمشروع الجهاد والمقاومة في وجه الاحتلال.

وقد أشاد بنزاهته ووطنيته الروائي الفلسطيني وليد الهودلي في مقاله الموسوم (سميح حمودة: أسد الثقافة الفلسطينية)، قائلاً: "لم يكن يوماً يعالج من منطلق طائفي أو عاطفي، يشخّص بدقّة وعُمق ويطرح العلاج الذي يرى أنه يتطابق مع مصالح شعبه وأمّته، كان في ذلك وطنياً بامتياز إذ الحسابات الوطن تعلو عنده فوق كل شيء، وكان يمثل في علاجاته المفكّر صاحب الرؤية الحضارية، يدرس التاريخ ويفهم الواقع ويقرأ المستقبل ويدفع بالاتجاه الذي يشكّل قارب النجاة وشاطئ الأمان لشعبه وأمّته.

ولعل الكلمات التي لخَّص بها د. أحمد جميل عزم شخصية د. سميح حمودة ومواقفه، باعتباره "فقيد الوطنية الإسلامية"، هي الأبلغ من حيث التوصيف والنموذج والأثر.

لقد أشاد الكثير بخصال د. حمودة العلمية والتعليمية وسيرته الحياتية بما عليه من أخلاق وأدب.. ولعلي هنا أشير لبعض ما ذكره د. سامي العريان عن فضائل الرجل وحُسن شمائله في كلمة التعزية بوفاته، والتي جاء فيها: "رحمة الله عليه رحمة واسعة.. كان أخي وصديقي وخليلي في السجن لسنوات ثلاث، ومعاً في زنزانة واحدة لأكثر من 20 شهراً.. صلينا معاً جماعة أكثر من 17 ألف ركعة.. كان د. حمودة قوي الإيمان، تقي، ورع، رابط الجأش، هادئ، واسع الاطلاع، موسوعة تاريخية، عقلية نقدية ملتزمة بآداب النقاش، محب شغوف للمعرفة، خلوق، شجاع، كريم، حيي، وعاشق لفلسطين...".

أما زميله في الجامعة د. علي الجرباوي، فقال في تغريدة تأبينه: "خسارة كبيرة فقدان الأستاذ سميح حمودة، الذي كان خلوقاً وشغوفاً بالعلم.. ستبقى ذكراه حيّة في ما أنتج من كتب ودراسات قيمة، وفي جموع من درّس، وفيما جمعتنا به من ذكريات طيبة".

رحم الله د. سميح حمودة كان من خيرة من عرفنا من الرجال أدباً وعلماً في بلاد الغربة، ولعل تلك الكلمات الوداعية للشيخ خضر عدنان؛ القيادي في حركة الجهاد الإسلامي، تمثلنا جميعاً، والتي جاء فيها: "تبكيك القلوب التي تفضلت بعلمك عليها.. تبكيك المنابر التي ارتقيتها وصدحت فيها بحقنا الأصيل بفلسطين.. تبكيك بيرزيت وزواياها وطلبتها وحاضريها وكل من عرف دماثة خلقك ورقة وعذوبة طرحك وحديثك".

أخي سميح أبا محمد.. يمضي الرجال ويبقى النهج والأثر.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط