كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الوفاء للمبدعين وحفظ الذاكرة… حين يصبح التوثيق مسؤولية وطنية

الوفاء للمبدعين وحفظ الذاكرة… حين يصبح التوثيق مسؤولية وطنية

تاريخ النشر: 2026-09-21 | 15:09

ليست الأمم الحية هي التي تحفظ أسماء السياسيين والقادة وحدهم، ولا تلك التي تختزل تاريخها في الأحداث الكبرى والتحولات السياسية، وإنما هي الأمم التي تعرف كيف تحفظ ذاكرة معلميها ومربيها وعلمائها وأطبائها ومهندسيها ورياضييها وأدبائها ومثقفيها وكل من ترك أثراً حقيقياً في حياة المجتمع.

فالإنسان قد يرحل، لكن أثره يبقى، وقد تنتهي مرحلة زمنية، لكن ما تركه أصحابها من علم وتجربة وعطاء يظل جزءاً من الذاكرة الجمعية. ومن هنا فإن توثيق سير الرواد ليس مجرد استذكار للماضي، بل هو مسؤولية تجاه الحاضر والمستقبل، لأن المجتمع الذي لا يحفظ ذاكرته يترك أجياله أمام تاريخ ناقص، ويجعلها تبحث عن جذورها في مصادر قد لا تكون دقيقة أو منصفة.

وفي فلسطين، تكتسب مسألة حفظ الذاكرة أهمية خاصة. فالتاريخ الفلسطيني لم يُكتب فقط في ساحات السياسة والمقاومة، وإنما كتب أيضاً داخل المدارس والجامعات والمستشفيات والملاعب والمؤسسات الثقافية والاجتماعية، وعلى أيدي رجال ونساء أفنوا سنوات عمرهم في خدمة مجتمعهم، بعيداً عن الأضواء في كثير من الأحيان.

ومن هنا تأتي أهمية توثيق حياة المعلمين والمربين والعلماء والأطباء والمثقفين والرياضيين ورجال العمل الاجتماعي، ليس بهدف صناعة هالات حول أشخاص بعينهم، وإنما بهدف تسجيل مرحلة كاملة من تاريخ المجتمع الفلسطيني، بما لها وما عليها، وبأسمائها وتجاربها وإنجازاتها.

 

إن المعلم، على سبيل المثال، لا يمكن اختزال دوره في ساعات الدوام المدرسي. فكم من أستاذ ترك أثراً في شخصية طالب، وكم من مربٍ اكتشف موهبة، وكم من معلم ساهم في بناء جيل أصبح لاحقاً طبيباً أو مهندساً أو محامياً أو أستاذاً جامعياً أو قائداً مجتمعياً.

وكذلك العلماء والباحثون والمثقفون؛ فإن قيمة ما قدموه لا تقاس دائماً بحجم الشهرة التي حصلوا عليها، بل بمدى تأثير المعرفة التي تركوها والأجيال التي استفادت منها.

أما الرياضيون، فهم جزء أصيل من الذاكرة الاجتماعية والوطنية أيضاً. فالرياضة ليست نتائج ومباريات وأرقاماً فقط، وإنما منظومة من القيم والانضباط والعمل الجماعي، وتاريخها هو جزء من تاريخ المجتمع نفسه.

لكن المشكلة التي تواجه عملية التوثيق ليست في ندرة الشخصيات التي تستحق الكتابة عنها، بل في غياب مشروع مؤسسي متكامل لحفظ هذا الإرث.

فالكثير من الصور والوثائق والمراسلات والسجلات والشهادات الشخصية والمؤلفات باتت معرضة للضياع، وبعضها لم يعد موجوداً إلا في ذاكرة أفراد قد يرحلون دون أن تنتقل شهاداتهم إلى الأجيال التالية.

وهنا تبرز الحاجة إلى مشروع أرشيفي حقيقي تشارك فيه المؤسسات الثقافية والتعليمية والإعلامية والبلديات والجامعات والمراكز البحثية، بحيث يتم جمع الوثائق والتحقق منها وتصنيفها وحفظها، مع التمييز بين الوثيقة التاريخية والرواية الشفوية والذاكرة الشخصية.

فالتوثيق المسؤول لا يقوم على المبالغة ولا على صناعة الشخصيات، ولا على المجاملة، وإنما على احترام الحقيقة.

ومن المهم أيضاً أن يكون التكريم والتقدير سابقاً للرحيل، لأن الوفاء الحقيقي لا يبدأ بعد أن يغيب الإنسان. الاستماع إلى شهادات الرواد وهم أحياء، وتسجيل تجاربهم، وحفظ أرشيفهم، وإجراء المقابلات معهم، وإتاحة هذه المادة للباحثين والأجيال الجديدة، هو من أصدق أشكال الوفاء.

وفي هذا السياق، فإن الصحافة المحلية تتحمل مسؤولية مضاعفة، لأنها الأقرب إلى ذاكرة المدن والقرى والمخيمات، والأقدر على الوصول إلى الشهود والوثائق والأسر التي تحتفظ بجزء من تاريخ شخصياتها.

ونحن نوثق تاريخ طولكرم

ومن هذا الإيمان تحديداً جاء اهتمامنا بتوثيق تاريخ طولكرم ورجالاتها ونسائها وشخصياتها العلمية والتربوية والثقافية والاجتماعية والوطنية والرياضية.

لقد بدأنا هذا الطريق أنا والأخ عبد البري، وما زلنا نواصل العمل عليه، لأننا نؤمن أن تاريخ طولكرم أكبر من أن يختزل في أسماء محدودة أو أحداث معروفة فقط، وأن في ذاكرتها الكثير من الشخصيات التي قدمت وأعطت وأسهمت في بناء المدينة والمجتمع، ولم تحصل بالضرورة على ما تستحقه من التوثيق.

وقد لا تكون هذه المهمة سهلة، فهي تحتاج إلى البحث والتدقيق ومراجعة المصادر والاستماع إلى الروايات ومقارنة المعلومات، وفي كثير من الأحيان إلى إعادة تركيب سيرة شخصية من وثائق متناثرة وشهادات متفرقة.

ومع ذلك، سنبقى على هذا الطريق حتى نستكمل ما بدأناه قدر المستطاع، لأننا لا نبحث عن منفعة شخصية، ولا نكتب من أجل الحصول على تكريم أو شهادة تقدير.

وبصراحة، ربما كانت كلمة تشجيع واحدة كافية في بعض المراحل للاستمرار في هذا الدرب، لا أكثر ولا أقل. كلمة تقول إن هذا الجهد يستحق أن يستمر، وإن حفظ تاريخ المدينة ورجالاتها وذاكرتها عمل له قيمة.

لكننا في الوقت نفسه لا ننتظر كلمة شكر، ولا نبحث عن ثناء، ولا ننتظر تكريماً، لأننا نؤمن بأن العمل الذي نقوم به يجب أن تكون قيمته في ذاته وفي أثره، لا في مقدار ما يحظى به من تصفيق.

وقد اخترنا منذ البداية أن نكتب بما نعرفه، وأن نوثق ما نستطيع التحقق منه، وأن نترك الحكم للتاريخ.

نحن لا نتقن النفاق ولا التملق، ولا نرى في التوثيق وسيلة لصناعة العلاقات أو استرضاء الأشخاص، وإنما نراه أمانة تجاه المدينة وأهلها وتاريخها والأجيال التي ستأتي بعدها.

قد يختلف الناس معنا في بعض التفاصيل، وقد تكون بعض الروايات بحاجة إلى مراجعة أو تصويب، وهذا أمر طبيعي في أي مشروع توثيقي جاد. المهم ألا يتحول الاختلاف إلى سبب لطمس الذاكرة، وألا تتحول المجاملة إلى معيار للكتابة.

خاتمة

إن توثيق تاريخ طولكرم ليس مشروع شخصين، ولا ينبغي أن يبقى جهداً فردياً؛ إنه مسؤولية جماعية تحتاج إلى تعاون المؤسسات والأسر والباحثين وأصحاب الوثائق وكل من يحمل جزءاً من ذاكرة هذه المدينة.

أما نحن، فسنبقى نواصل الطريق بما نستطيع، أنا والأخ عبد البري، لأننا نؤمن أن هناك أمانة يجب أن تؤدى، وذاكرة يجب أن تحفظ، وأسماء تستحق أن يعرفها أبناؤها وأحفادها.

لسنا في سباق مع أحد، ولا نبحث عن موقع أو لقب أو تكريم.

كل ما نريده أن يبقى ما جمعناه من معلومات وشهادات ووثائق شاهداً على مرحلة من تاريخ طولكرم، وأن يجد الباحث بعد سنوات مادة موثقة يستطيع أن يبني عليها، وأن يقرأ أبناؤنا وأحفادنا عن رجال ونساء سبقوهم وأسهموا في بناء مدينتهم ومجتمعهم.

فربما لا يبقى من الكاتب إلا ما كتب، ولا من الباحث إلا ما وثق، ولا من الإنسان إلا أثره.

ولهذا سنواصل الطريق… لا طلباً للشكر، ولا بحثاً عن الثناء، وإنما وفاءً لطولكرم، واحتراماً لتاريخها، وأمانةً للأجيال القادمة.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط