كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

 الولوج لمستقبل التاريخ !

 الولوج لمستقبل التاريخ !

تاريخ النشر: 2020-02-29 | 10:50

" لا تفقدها لروحك... وتمسك بالرجاء.. فكل واحد منا وهو يسجد لله... لا يقهر... فنحن من حركنا وجوه التاريخ... ونحن من دفعه للأمام.. ونحن من يوحون له بمستقبله!!! "

إن كل نداء إلى التاريخ ينتج مورداً رمزياً قوياً يتجلى بشكل متناقض فيمكن أن يلهم اللجوء إليه شخص ما لتغيير حياته الخاصة وتعزيز الثقة والمعاملة بالمثل وخلق رأس المال الاجتماعي وتعزيز المصالحة والحوار والتفاهم المتبادل والتضامن وحتى يتم التحويل إلى التنمية الاقتصادية في ظل ظروف معينة، كم يمكن إن يثير اللجوء إلى التاريخ النزاعات ويبرر العدوان ويغرس الإيمان في عدالة همجية الحروب ويبرر تجاوزات الإرهاب ويحول نوبات العنف العفوية إلى إبادة منهجية لبعضنا البعض، مما يدفعنا وبحرص لنتسائل عن ماهية أسباب ذلك الموقف التعبيري تجاه التاريخ؟ ولماذا تتزامن النجاحات الواضحة في تطور وتطوير العلوم التاريخية مع إنتاج كل أنواع الأوهام والمفاهيم الخاطئة عن الماضي التاريخي؟ يتميز التفكير التاريخي للعصر الحديث بـالانعكاس التاريخي الذي يتجسد عبر الظروف المثالية للمجتمع المرتبطة بأساطير تتمتع بميزات الواقع كما لو كانت بالفعل في التاريخ أو ينبغي تحققها في المستقبل لذا يتم تقديم التاريخ كعملية تقودنا بعيدًا عن الحالات المثالية أو تؤدي إليها، ومن هنا تتجلى سببية تصادم إصدارات مختلفة من التاريخ مندمجة بالقيم المعادية للحياة.
وقد كان هذا التحول في التفكير التاريخي ممكنًا في ظل التجربة الخاصة للزمن التاريخي فلذا من الضروري بذل جهود مستمرة بحيث يبقى هذا الماضي في الماضي ولا يحدث مرة أخرى في المستقبل وايقاف نشوء ظاهرة جاذبية الجمهور للتاريخ المعني عبر تشكيل المجال العام فيأخذ التاريخ طابعًا عامًا ويصبح موضوع نقاش عام ويتم التلاعب بالمناقشات العامة والرقابية وحشو المنتجات المزيفة التاريخية، ويجب إن ندرك إن في عملية تحويل التاريخ إلى ظاهرة عامة هناك تزامن مع تشكيل الأمم المدنية كمجتمعات خيالية كبيرة، وعبره أصبحت الهوية التاريخية واحدة من أهم أسس الهوية الوطنية، ليأخذ التاريخ شكل الروايات الأساسية والروايات الكبرى الموجهة إلى المجتمعات وليحتوي كقصص كبرى على أفكار كبيرة ومشاريع بناء عالمية تقوم عليها الهويات المعقدة التي يمكنها دمج المجتمعات في المواقف الحرجة وتمكين حشدها.
وهنا أود أن أوضح واطرح أطروحة قد تبدو مثيرة للجدل والتي سيناقضني بها اساتذتي فعذرا لهم، وسيخالفني بها زملائي، فأستسمحهم جميعا، لانني اجد نفسي مجبرا على طرحها في ضوء ما توفر لي من رؤية تاريخية متواضعة، تتلخص في مسألة التاريخ الكبير المعني والذي ربما اعتدنا كتابته بأحرف كبيرة غير إني أرى انه قد فقد الوظائف التي كانت له ونفذها قبل عدة قرون وحتى قبل عقود، فاليوم يعتقد بعض الناس أن الأداة القديمة التي أثبتت جدواها سيمكنها من أن تحل مشاكل مماثلة في الظروف الجديدة والمعاصرة، وأن التمسك بالسرد التاريخي الكبير سيسمح بدمج وتعبئة المجتمعات الكبيرة، لكنني اناقض ذلك لأنه لا يحدث دائمًا فما إن يظهر السرد الكبير ويدمج في المجال العام فهو لا يوحد المجتمع بل إنه يجزمه !! وما هي أسباب فقدان الوظائف الفلسفية الحضارية والفكرية وهل حقيقة كان ذلك بسبب الروايات التاريخية الكبيرة؟ فلذلك أرى وجوب أن يتم السعي وراءها لفهم وادراك التحول الاجتماعي العميق الذي يحدث اليوم في جميع أنحاء العالم، كما إن الروايات الكبرى بمفهومها كانت توزع نسخًا مختلفة من تواريخ بديلة كتاريخ الخاسرين وتاريخ الأقليات والقصص المحلية المتنوعة وقصص الطبقات التي لم يكن لها صوت من قبل، مما يطرح تساؤلا في هل يمكن للرواية التاريخية الكبرى والتي تم إنشاؤها وطرحها من الأعلى أن تدمج هذه الروايات المتنوعة؟ وكيف ستكون طبيعة وقوعها وهي بحد ذاتها مختلفة اختلافًا أساسيًا؟ هنا يجدر بنا إن نقر إن أسس تنظيم المجتمعات الحديثة تغيرت وهي ألان في تغير مستمر، ونحن وحتى إن كنا منجذبين إلى الهياكل العقلية المميزة للمجتمعات الاستهلاكية غير إن التاريخ يتحول أيضًا إلى منتج استهلاكي لان الإنتاج عملية جماعية إلى حد ما بينما الاستهلاك هو دائما فردي الجانب والمحتوى، وهو ككائن للاستهلاك ينقسم إلى قصص فردية وبمجرد ظهور شبكات التواصل الاجتماعية أصبح من الواضح ادراك مدى رغبة الناس في سرد القصص لأنفسهم وحتى أولئك الذين لا يكتبون ببساطة لجئوا لتحميل الصور ونشرها فأصبحت عبرهم القصة التاريخية متعددة الوجوه!! ونتيجة للتحولات العالمية نلاحظ كيف تفقد الروايات التاريخية المألوفة اليوم مصداقيتها، غير إن الأشكال الجديدة للتصدي للتاريخ التي ظهرت اليوم لم تملأ بعد المساحة العامة ولم تتلق الشرعية الاجتماعية التي يمكن أن تبدو مقنعة، ونتيجة لهذه التحولات نلحظ أيضا وجود فراغ معين نشأ فيما يتعلق بالوضع الوسيط الغريب اليوم، وهذا الفراغ مليء بالشعبية والدعاية المستندة للحنين إلى الأوقات التي كان كل شيء فيها واضحًا ويمكن التنبؤ بها او المتناقضة مع ثقافة الخوف والمنتشرة اليوم في بلدان مختلفة ،فهذا هو أيضا نوع من ملء الفراغ مما يؤدي إلى إمكانية عودة بث وتطبيق القصص التاريخية الكبرى في ظل هذه الظروف غير إن ما يمنع هو إن طبيعتها تختلف مما يجرف بها لأمكانية أن يتخذوا منها شكلًا متطرفًا فلا يتطلبون من أتباعهم المعرفة بل الإيمان الأعمى عبر التحدث كثيرًا عن "القيم التقليدية" والتي يجب إرجاعها، ومن يتأمل بذكاء لتلك القيم فسيجد أنها من اختراع اليوم ولا تتعلق بالتاريخ الخيالي والذي لا يعرفه حتى المؤرخين المجتهدين.
فما الذي يمكننا الاعتماد عليه في هذه الظروف؟ أو ما هو مستقبل التاريخ؟ للأجابة عن ذلك وجدت إن الحل يتمحور بالأنظمة المؤسسية القائمة على الوصول المحدود والمفتوح إلى الموارد فأن كانت هي تهيمن على المجتمع معتمدةً على الوصول الحصري لمورد معين ذي قيمة فإنها ستدعم نظام الوصول المحدود إليه وتنشأ حالة مثيرة للاهتمام للغاية في ظروف الوصول المحدود إذ عادة ما يتم فهم المورد نفسه في منطق تناقص الغلة وكلما زاد عدد المشاركين سيقل عدد الأفراد الذين يحصلون عليه وهذه لعبة محصلتها صفر فالفوز بواحد يؤدي بالضرورة إلى خسارة الآخر ومع ذلك يمكن إنشاء موارد قيمة الوصول المفتوح، وهذا طرح لطيف لكن ما هي علاقته بالتاريخ؟ وكيف يرتبط به؟ نجد الترابط بينهما إذ كان التاريخ موردًا رمزيًا كبيرًا فيمكننا إذن وصف الوصول إليه في منطق مماثل، وذلك إن لن نسمح لأي شخص بإعادة كتابة تاريخنا وطرد المنافسة وإنشاء قصص تاريخية كبيرة في معظم الأحيان بمنطق الوصول المحدود، وذلك المنطق هو الذي ينهار اليوم إذ أن المعنى الرمزي لمورد التاريخ المحدود في ظل الظروف الجديدة قد استنفذ.
إن مستقبل التاريخ وأنا مقتنع، هو أننا سنتعلم التعامل معه في وضع الوصول المفتوح، وان المستقبل ينتمي إلى مشاريع التاريخ التشاركي هذه هي القصة التي أنشأتها المشاركة العامة، وفي الختام أود التأكيد ومن أجل تجنب الالتباس المنهجي فأن هذا هو نداء عام للتاريخ وليس عن التاريخ كعلم علمي على الرغم من أنه في العلوم التاريخية هناك أيضًا تغيرات خطيرة بظهور التاريخ الجزئي وإعادة النظر في الموضوعات الكبرى عبر مجموعات مصغرة وهذه ليست مجرد نظرة على القصة الكبيرة، لذا من الضروري فصل العلوم التاريخية عن المناقشات العلمية وعن كيفية عمل هذه الموضوعات في المجال العام وبالأداء العام للمعرفة التاريخية.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط