كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

اليرموك وصمة عارٍ في جبين الأمة

(4)

كأنه قدر الشعب الفلسطيني في كل زمانٍ ومكان أن يبقى هو الضحية، وأن تتسلط عليه دوماً قوى وأنظمة وأحزاب، تفتك به وتنال منه، تحاصره وتدمره، وتقتل رجاله ونساءه وتمثل بهم، وتجوع أهله وأطفاله وتضيق عليهم، فلا يجدون ما يأكلونه غير حشائش الأرض، وأوراق الشجر، قبل أن يحلوا لأنفسهم أكل لحم القطط والكلاب وزواحف الأرض وحشراتها.

أهذا هو جزاء من يصمد على أرضه، ويثبت في مخيمه، ويتمسك بحقه، ويرفض تذويب الهوية، والتنازل عن الوطن والقضية، أيكون مصيره الموت قتلاً أو قنصاً أو قصفاً أو جوعاً وقهراً، وبدلاً من نشيد بصمودهم في مخيماتهم، فإننا نزيد في معاناتهم، أو نتخلى عنهم، أو نجبن عن نصرتهم ومساعدتهم.

ألا ترون أن هذا الحال يتكرر كل وقتٍ وحين، ضد أهلنا وشعبنا، في المخيمات والبلدات والمدن والقرى، فرأيناه مراتٍ كثيرة في فلسطين المحتلة على أيدي سلطات الاحتلال الإسرائيلي، التي لا تأتي بجديد، ولا تقوم بغريب، ولا تمارس بدعاً من الإنتهاك، ولا جديداً في الممارسة، فهذا فعل قوى الاستعمار، وجحافل العتاة الغاصبين، والمحتلين المستغلين منذ قديم الأزل.

ولعلنا نذكر حصاره لمخيم جنين، وتجويعه لأهلنا فيه، وقطع الكهرباء والماء عن سكانه، وتدمير مساكنه، وتهبيط مبانيه، واختراق بيوته ومنازله، غير مبالٍ بموت سكانه جوعاً أو قصفاً أو خنقاً أو تحت الردم وبين الركام، وكذا حصاره للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات داخل المقاطعة في مدينة رام الله، وتدمير كل شئٍ حوله، وقطع التيار الكهربائي والماء عنه، بغية الاستسلام، والخضوع والخنوع، قبل أن تقتله بفعل السم الذي سكن جسده، وتمكن منه بهدوءٍ وصمتٍ وطول أناة.

وفي لبنان دمرت مخيماتٌ كثيرة، وطرد منها سكانها، وسويت من بعدهم بالتراب، بأيدي قوى وأحزابٍ ونظامٍ، تآمرت على الشعب الفلسطيني، ونفذت في حقه مذابح ومجازر عز على العدو الصهيوني أن يرتكب مثلها، أو أن يقوى على أقل منها، وهو الذي وقف مشدوهاً بجزاره وسفاحه الدموي شارون، أمام مجزرة صبرا وشاتيلاً، مصدوماً لهولها، غير مصدقٍ لها، وإن كان قد لعب دوراً في تغطية وحماية مرتكبيها، فيسر جريمتهم، وسهل دخولهم إلى المخيمات، وفرض طوقاً أمنياً ومعلوماتياً شديداً حتى أنهت الكتائب فعلها، ونفذت حتى الرمق الأخير جريمتها.

وتلاها حصارٌ أليمٌ لمخيماتٍ فلسطينية أخرى في لبنان، جُوَّعَ أهلها، وقتل أبناؤها، وضُيِّق على كل من ينتسب إليها، حتى استباح الناس لفرط الجوع، وشدة الحصار، ولؤم القتال، ومرارة العداء، لحم القطط والكلاب، فأكلوها أمام سمع العالم وبصره، الذي وقف مكتوف اليدين تجاه ما يجري، وكأنه يبارك الجرائم، ويوافق على المذابح، ويقبل بكل ما يجري، ويعجز عن فعلِ أي شئ لنجدتهم أو نصرتهم، أو مساعدتهم ووقف أعمال القتل والحصار ضدهم.

وغير بعيدٍ من اليوم يدمر مخيمٌ بأسره، ويحاصر أهله، وتدمر بيوته ومساكنه، ويقصف بما فيه ومن فيه من السكان من البر والجو والبحر، لأيامٍ طويلة، في الليل والنهار، من أجل مجموعةٍ يشتبه فيمن صنعها، ويتهم من زرعها، إذ لم تكن فلسطينية الانتماء ولا الهوية، ولم يكن وجودها لفلسطين ولا للقضية، بل كانت نبتاً غريباً زرعوه، وجسماً مشبوهاً وضعوه لأغراضهم، تنفيذاً لسياساتٍ وأهدافٍ وضعها من يخطط ويدبر، ويعرف مآلات الأمور ومسارات الأحداث، وعناوين الأشخاص وهويات حملة البنادق، وولاءات المقاتلين واتجاهات المتحاربين، وفي نهاية المطاف، دمر المخيم الذي كان حاضرة البحر، وسوق الفلسطينيين، ومتجر اللاجئين واللبنانيين، وما زال إلى اليوم ركاماً لا بناء فيه، وعراءً لا مساكن فيه، وإن كانت فهي معلباتٌ صغيرة، ومساكن حقيرة، لا تصلح للحيوانات فضلاً عن أن تكون لآدميين وبشر.

ما الذي يجري وما هو المخطط، أصبحنا لا ندري ولا نفهم، مخيماتٌ تشطب، فلا يبقى منها اسمٌ ولا أثر، وشعبٌ يظلم ويقهر، ويحاصر ويجوع ويضطهد، ثم يقتل بعضه ويهرب الباقون منهم هجرةً ولجوءاً، وبحثاً عن أملٍ ومستقبلٍ ومكان، وعيشٍ كريم ورزقٍ وطيب حياة.

ألا يحق لنا أن نتسائل لماذا شطب مخيم تل الزعتر، ومن الذي شطبه وتآمر عليه، ومن الذي خربه ودمره، ومن الذي هجر أهله وسوى مساكنهم بالتراب، ومن الذي جعله أثراً بعد عين، منهياً وجودهم، وملغياً حقوقهم، ومن الذي استفاد من الشطب والإلغاء، وما هو الهدف الذي تحقق لمن كان يحكم يومها وينهى، ويأمر ويطاع.

ومن قبل أدى الفلسطينيون في الأردن ضريبةً قاسية، ودفعوا أثماناً لمسلكياتٍ وتصرفاتٍ غير مسؤولة، فقادتهم إلى شتاتٍ جديدٍ، وضياعٍ آخر، وفرقة فلسطينية، وتجاذبٍ عربي غير شريف، وتكررت أزمة الفلسطينيين بمرارةٍ إبان محنة الكويت، عندما اجتاحتها القوات العراقية، فدفع الفلسطيني في الكويت ثمن الاجتياح، وفاتورة السلوك العراقي.

وفي العراق الجديد كان الفلسطيني هدفاً وعنواناً، اتحدت عليه الجهود والطاقات، واتفقت ضده القوى والأحزاب، فإما أن يقتل وينهب، أو يسبى ويهجر ويرحل، وهكذا بات العراق بلا فلسطينيين، وخلت التجمعات الفلسطينية في بغداد والبصرة وعموم العراق منهم.

ألا ترون أن الأحداث تتكرر، على نفس النسق والمنوال، في الأرض نفسها أو في مكانٍ آخر، وأن مادتها واحدة، وأن المستهدف منها واحد، وقد يكون مرتكبها ومنفذها دوماً واحد، رغم أن المستفيد منها في الغالب واحد، ومع ذلك تعمى بصائرنا، ويطمس على عيوننا، ويختم على قلوبنا، فلا نعود نعي أو نفهم، ولا نعقل ولا نتدبر، ونقبل أن نكون أدواتٍ تنفذ وتلتزم، وتطبق برامج الآخرين، وتحقق لهم أهدافهم، وتصل بنا إلى الغايات التي يريدون ويتطلعون للوصول إليها.

فما الفرق اليوم بين اليرموك وجنين، وبين ضبية وجسر الباشا، وبين نهر البارد واليرموك، وبين تل الزعتر ودرعا، وبين الرمل وصبرا، وبين شاتيلا وبلاطة، كلها مخيماتٌ فلسطينية، يسكنها الاجئون الفلسطينيون، الذين يتطلعون إلى العودة إلى وطنهم، والعيش في بلادهم، فيهددون بحقهم في العودة إلى الوطن عدوهم ومن يقف وراءه مسانداً ومناصراً، ألا ترون أن استهداف المخيمات وتشريد أهلها لا يخدم سوى العدو، ولا ينفع غير إسرائيل، وأن المتضرر منها إنما هو الشعب الفلسطيني وقضيته، وأن الذي سيعاني منها هو هذا الجيل ومن سيأتي بعده.

يتبع ....

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط