كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

اليرموك وصمة عارٍ في جبين الأمة(1)

أسلاكٌ شائكة، وجدرانٌ اسمنتية، وتلالٌ رملية، وكتلٌ حجرية، وحواجزٌ عسكرية، ونقاط تفتيشٍ وتدقيق، وكاميرات مراقبة ومتابعة، وجنودٌ وعيونٌ، ومباحثٌ ورجال مخابرات، وأجهزة لاسلكي ومعدات اتصال، وسياراتٌ عسكرية وعرباتٌ ودبابات، وبنادقٌ ومدافعٌ ورشاشات، وقيودٌ حديدية، وسلاسل معدنية، وفي الجوار جثث وبقايا أشلاء، ودماءٌ وآثارُ تعذيبٍ وقتل، على أبواب كل المخيمات الفلسطينية، وعلى مداخل تجمعاتهم السكنية، في سوريا ولبنان، وفي الأردن وفلسطين، لا فرق بينها، ولا اختلاف في أشكالها، وكأن سكانها مجرمون قتلة، وهاربون مردة، أو مهربون فسدة.

كأنه قدر الفلسطينيين في كل زمانٍ ومكان، أن يحاصروا ويضيق عليهم، وأن تغلق في وجوههم الأبواب، وتسد أمامهم المسالك، ويمنعوا من الدخول والخروج، ويحرموا من العيش الحر الكريم، فلا يسمح لهم بالخروج للعمل، أو العلاج والسفر، أو الدراسة والصلاة، أو البيع والشراء، ومن غامر فإنه يقنص ويقتل، أو يحبس ويشبح، ويعذب ويسحل، حتى يموت أو يقتل، والكل في الأمر سواء، فلا فرق بين شيخٍ عجوزٍ وشابٍ جلدٍ، ولا بين طفلٍ صغيرٍ ولا صبيٍ يافع، ولا بين فتاةٍ وامرأة، ولا بين أمٍ مرضعٍ أو حامل، فكلهم هدفٌ وحالة، ينبغي التعامل معها بقسوةٍ وشدة، فلا نجاة لمغامر، ولا سلامة لمضطر، ولا تفهم لحاجةٍ أو مرض، ولا رحمة لطفلٍ أو شيخ، ولا شهامة مع امرأةٍ أو بنت.

قد يتفهم الفلسطينيون هذا الحال في مخيمات قطاع غزة قديماً، أو في مخيمات الضفة الغربية، التي تعيش تحت الاحتلال، وتعاني من صلفه وظلمه، ومن اعتداءاته وانتهاكاته، ومن غدره وغيه، فهذه طبيتعه، وهي جبلته، فلا غرابة في تصرفاته، ولا تعجب من سياساته، ولا استنكار لممارساته، فالأصل فيه وعنده البطش والقمع، والتنكيل والاعتقال والقتل، والمنع والحصار والتشديد والعزل، والتجويع والحرمان والقهر، وعندما يكون حراس المخيمات جنودٌ إسرائيليون، وهم مدججون بكل أنواع السلاح، ومتأهبون لإطلاق النار على كل الناس دون تمييزٍ لأحد، فيقتلون أو يعتقلون، ويمنعون أو يحتجزون، ويضربون ويجرحون، ويؤخرون ويعطلون، فهذا أمرٌ طبيعي لا غرابة فيه ولا استنكار.

ولكن سلطات الاحتلال الإسرائيلي التي اعتادت أن تحاصر مخيماتنا ومدننا، وأن تفرض عليها حظر التجوال لأيامٍ طويلة، وتمنع حركة الناس، وتحول دون انتقالهم، وتمنعهم من الخروج إلى العمل أو المدارس والجامعات، وتفرض عليهم البقاء في بيوتهم فلا يخرجون إلى الشوارع أو المساجد، فإنها كانت تخصص لهم كل يومٍ ساعتين أو أكثر من النهار، تسمح للمواطنين خلالها بالخروج من بيوتهم، للتسوق وشراء احتياجاتهم، وقضاء حاجاتهم، وكانت تمتنع خلالها عن إطلاق النار على الناس، بل إنها كانت تغيب من الشوارع والطرقات، وتنسحب من الأماكن العامة، وتعود إلى مواقعها أو ثكناتها، أو تتجمع في مراكزها ومعسكراتها، فما كان الناس في المخيمات والمدن الفلسطينية المحاصرة، يموتون جوعاً، أو يهلكون عطشاً، وما كانوا يعانون انقطاعاً للتيار الكهربائي، أو فصلاً للهاتف وحجباً للخدمات الأخرى.

وكانت الأسواق تغص بالباعة والمشترين، وفيها كل ما يحتاجه الناس ويلزمهم، فلا خبز مفقود، ولا سلع نادرة، ولا وقود شحيح، ولا عجز في المحلات والدكاكين، ولا استغلال للظروف والأوضاع، ولا احتكار للبضائع والأغذية، ولا رفع للأسعار، ولا تخزين للمواد، بل كانت سياراتٌ وقوافل، ومساعداتٌ ومعونات، تصل إلى المناطق المحاصرة، تفرغ حمولتها، وتوزع معونتها، وتعود أدراجها، فلا يعترض طريقها أحدٌ عند دخولها أو خروجها، وهي قوافلٌ مدنية، وأخرى شعبيةٌ وأهلية، وغيرها تابعة للهلال أو الصليب الأحمر، أو للأنروا ومؤسسات الأمم المتحدة، وبعضها قادمٌ من أهلنا في الخط الأخضر.

وكانت سلطات الاحتلال تسمح لسيارات الإسعاف بالدخول إلى المخيمات، تنقل الجرحى والمصابين، وتدخل الدواء ومختلف أنواع العلاج، وتحمل معها الأطباء والمختصين والممرضين، ويسهل الحصول منها على موافقاتٍ أمنية خاصة لنقل المرضى خارج المخيمات إلى المستشفيات والمصحات، لتلقي العلاج، أو تسكين المرض، كما تسمح للنساء الحوامل بالذهاب إلى المستشفيات أو العيادات، فلا ينتظرن على الحواجز إلا قليلاً، ولا يتأخرن في الحصول على الإذن أو الموافقة، من ضباط الحواجز، أو من قادة الأجهزة الأمنية، وقلَ من النساء من يتعطلن على الحواجز، أو يمنعن من العبور، أو يحال بينهن وبين المستشفى، وإن كانت حالاتٌ مؤلمة، فهي قليلةٌ ومحدودة، ولعل العدو الإسرائيلي يتحسب من هذه الحوادث، ويخاف منها، ويبذل وسعه لئلا تقع، مخافة الرأي العام، وانتفاض الناس وغضبهم.

وخلال الحصار، وأثناء حالات منع التجوال، وفي ظل الانتفاضة الأولى وما قبلها، كان الفلسطينيون يحيون أفراحهم، ويعقدون زفافهم، ويزفون عرسانهم، ويخرجون من مخيماتهم إلى أخرى لنقل العروس إلى بيت زوجها، بعد أن يحصلوا على موافقةٍ أمنية، بعدد السيارات وعدد الركاب، وعنوان العروس والعريس، وساعة الخروج والمدة المطلوبة لإنتهاء العرس، وكنتُ أحد الذين تزوجوا خلال فترات منع التجوال، وانتقلت زوجتي من بيت أهلها إلى بيتها الجديد في ظل منع التجوال، وبعد أخذ موافقةٍ أمنية، وإن كنتُ قبلها قد قيدتُ في الشارع إلى عمودٍ كهربائي لساعاتٍ طويلة، إلا أن الاحتلال ما كان يقوى على منع زفافٍ، أو توقيف عروس، أو تفتيش موكبها.

إنه العدو الصهيوني، المحتل الغاصب، القاتل السفاح، الدموي السفاك، الخبيث القذر، الظالم المعتدي، الغادر الغاشم، لا نمدحه ولا نشيد بأخلاقه، ولا نعدد مآثره، فكل ما فيه مخازي، ولا يأتي منه إلا المآسي، لكنه لا يقوى على الحصار، ولا يستطيع المنع، ويخاف من التجويع، ويخشى من القتل والقنص والترويع، ولا نعيب عليه إن قتل، ولا نستغرب منه إن حاصر، ولا نستهجن سلوكه إن جوعَ وأرهب وبطش، فهو عدونا، غاصبٌ لحقوقنا، ومحتلٌ لأرضنا، لكن الغرابة والاستهجان هو مما يصيب شعبنا، ويلحق بأهلنا، في بلادنا وعلى أيدي إخواننا وأشقائنا، وممن هم من بني جلدتنا، فما الذي يجري ويقع، وماذا أصاب أهلنا وحل بمخيماتنا؟ ...

يتبع ....

×
أخبار
بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط