كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

اليوم العالمي للديمقراطية شعارات ترتفع وحريات تُسحق

اليوم العالمي للديمقراطية شعارات ترتفع وحريات تُسحق

تاريخ النشر: 2025-09-25 | 14:25

في الخامس عشر من سبتمبر / ايلول كل عام يحل اليوم العالمي للديمقراطية الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2007 ليكون فرصة مواتية لتسليط الضوء على مبادئ الديمقراطية وضرورة تعزيزها عالميًا والتأكيد على احترام الحقوق والحريات والمشاركة السياسية والعدالة الاجتماعية لكن ما يبدو ان مناسبة الاحتفاء بالحرية تحولت إلى مفارقة مؤلمة حيث تتعالى فيها الشعارات بينما تُسحق الحقوق في معظم دول العالم في مفارقة كبرى تفضح التناقض الصارخ بين ما يُرفع في المحافل الدولية من مبادئ وبين ما يُمارس على الأرض من قمع وتسلط وديكتاتورية ممنهجة

 

يأتي هذا اليوم في ظل تراجع حاد وخطير لمؤشرات الديمقراطية والحرية في مختلف أنحاء العالم حيث تحولت صناديق الاقتراع إلى واجهة شكلية تستخدم لتجميل أنظمة لا علاقة لها بالحكم التعددي ولا تداول السلطة بينما يطارد المعارضون ويعتقل النشطاء وينفى المفكرون وتكمم الأفواه ويهندس الرأي العام من قبل أجهزة إعلام خاضعة أو مخترقة وكل ذلك تحت غطاء قانوني يتم تفصيله بحسب مقاس الحاكم ومزاج الأجهزة الأمنية

 

في الولايات المتحدة الأمريكية التي تقدم نفسها للعالم بانها منارة الديمقراطية الحديثة لا تزال مفاهيم التمييز العنصري متجذرة في البنية الاجتماعية والسياسية ولا تزال الطبقات المهمشة تعاني من الفقر والاقصاء في ظل سيطرة رأس المال على القرار السياسي وتغول اللوبيات المالية والعسكرية والصهيونية على الكونغرس والإعلام ومراكز التأثير لتتحول الديمقراطية هناك إلى عرض مسرحي كبير تنتهي فيه الإرادة الشعبية داخل صناديق مغلقة لا تمس جوهر السياسات التي تدار لصالح الأقلية الثرية والنخبة الحاكمة ثم تصدر تلك السياسات إلى الخارج عبر التدخلات والوصاية والدعم اللامحدود للأنظمة الديكتاتورية التي تحافظ على مصالح واشنطن ولو على حساب كرامة وحياة الشعوب

 

أما إسرائيل التي تتغنى بديمقراطيتها الفريدة في محيط عربي يغرق في الاستبداد فهي تمارس احتلالًا ممنهجًا يقوم على التمييز والفصل العنصري والإبادة السياسية والقومية تجاه الشعب الفلسطيني حيث لا يمكن الحديث مطلقا عن ديمقراطية في كيان بني على النفي والإقصاء والقتل والتهجير والمجازر والاعتقالات الجماعية والاستيطان ومصادرة الأراضي وتجريف القرى وفرض القوانين العنصرية التي تكرس التفوق العرقي اليهودي وتحرم الفلسطينيين من حق المواطنة والعدالة بل وتحول حياتهم اليومية إلى جحيم دائم تحت الحصار والقتل والحرمان والعالم المدعي للديمقراطية يقف عاجز أو متواطئ أو ممول لهذا الاحتلال البغيض

 

بينما في العالم العربي الصورة مختلفة كليا فالديمقراطية كذبة كبرى لا يكاد يصدقها حتى من يرددها فجل الأنظمة العربية يحكمها ملوك ورؤساء وأمراء وعسكر لا يقيمون وزنًا لإرادة الشعوب التي خرجت في أكثر من مناسبة تطالب بالحرية والعدالة والكرامة ليتم قمعها بالحديد والنار وتعود الأوضاع أكثر سوءًا مما كانت عليه من قبل حيث تحولت بعض الدول إلى ساحات للفوضى المدمرة بفعل الثورات المضادة وأخرى استقرت فيها أنظمة قمعية أكثر شراسة أعادت مؤسسات القمع والاستبداد إلى الواجهة بقوة مدعومة بتقنيات المراقبة والتجسس الحديثة والمواطنين لا يعرفون الديمقراطية سوى في نشرات الأخبار الرسمية

حتى في الدول التي تجرى فيها انتخابات صورية تكون نتائجها محسومة سلفًا لصالح الحاكم أو من يختاره لتزيين المشهد السياسي أما المعارضة فإما في تقبع السجون أو تطارد في المنافي أو تعيش تحت المراقبة والتهديد ناهيك عن الإعلام الموجه والمحاكم المسيّسة والقوانين المصممة على مقاس السلطان بحيث يتم استغلال الديمقراطية كقناع لشرعنة الاستبداد وتجميل الديكتاتورية أمام الرأي العام الدولي

 

المفارقة الأكثر مأساوية حين يتم رفع لافتات الديمقراطية في الإعلام الرسمي المسير بينما الواقع السياسي تحكمه انظمة استبدادية لا تقيم وزن لإرادة الشعوب ولا لحقوق الأفراد حيث يتم استخدام الانتخابات كديكور والبرلمانات كغرف تصفيق والتعديلات الدستورية كأدوات لتكريس الحكم في يد القلة والنخب الحاكمة فيما تملأ المعتقلات والسجون بالمعارضين والمعتقلين السياسيين ويلاحق المدونون والصحفيون والنشطاء ويحرض على اسكات كل رأي مستقل كما يصادر حق الناس الدستوري والقانوني في التنظيم أو التظاهر أو حتى التعبير عن الرأي عبر مواقع التواصل الاجتماعي

 

بعض الدول التي شهدت تحركات شعبية من أجل الديمقراطية والعدالة والكرامة قس الوطن العربي عادت فيها الأنظمة الطاغية الى إنتاج القمع بأشكال جديدة أكثر وحشية وقهر وعنف مما كانت عليه مع زيادة دعمها بالأموال الأجنبية والتكنولوجيا الحديثة والتبريرات الإعلامية والدينية والمساعدة تفكيك المجتمعات المدنية وتجفيف منابع الحرية وإضعاف النقابات وتدجين الأحزاب المعارضة بل وتوظيفها أحيانًا كشهود زور داخل مشهد ديمقراطي تمثيلي زائف ومضحك

 

المراقب السياسي لمسار للأحداث يرى التناقض الكبير في الموقف السياسي العالمي حيث تدين الدول الكبرى قمع الحريات في بعض الدول بينما تصمت تمامًا عنه في دول أخرى لأسباب تتعلق بالمصالح الاقتصادية أو الجيوسياسية أو الأمن المشترك مما يجعل الديمقراطية أداة انتقائية غير محايدة تستخدم متى شاء الغرب وتسحب متى شاء دون أي التزام حقيقي بمبادئ ثابتة أو قيم كونية موحدة

 

المهم عند الحديث عن الديمقراطية أن نستحضر أصولها الفكرية والتاريخية فهي ليست مجرد صندوق اقتراع بل ( فلسفة حكم ) قائمة على احترام كرامة الإنسان وضمان حقوقه السياسية والاجتماعية والاقتصادية وقد نشأت الديمقراطية كمفهوم سياسي في مدن اليونان القديمة وتطورت في أوروبا بعد قرون من القمع والإقطاع والملكية المطلقة إلى نماذج متعددة تعكس تطور الفكر البشري لكنها عندما وصلت إلى العالم العربي أو دول الجنوب العالمي غالبًا ما تم استيرادها كنموذج هش أو مبتور أو تم تفريغها من مضمونها وتحويلها إلى غطاء للأنظمة العسكرية أو الحزبية أو العائلية

 

يلاحظ جليا في التطبيق أن الديمقراطيات الغربية الكبرى تتعامل مع الديمقراطية كأداة سياسية يمكن التلاعب بها حسب مصالحها فحين تنتخب الشعوب قوى لا ترضى عنها هذه القوى الدولية يتم الطعن في نتائج الانتخابات أو دعم انقلاب عليها كما حصل في الجزائر عام 1992 أو فلسطين عام 2006 بينما تُقبل نتائج الانتخابات المزيفة في دول أخرى لأنها تنتج أنظمة حليفة أو تابعة وهذه الازدواجية تفضح النفاق السياسي الذي يجعل من الديمقراطية مجرد غطاء لتحقيق الهيمنة لا مبدأً أخلاقيًا يلتزم به الجميع

 

بالمطلق لا يمكن فصل الاحتلال عن الاستبداد فكلاهما وجهان لعملة واحدة فالاحتلال يمنع نشوء حياة ديمقراطية حقيقية ويغلق المجال العام ويفرض منظومة قمع على السكان لصالح سيطرة الأقلية المستعمرة بينما يحتمي المستبدون بالاحتلال أو يستغلون وجوده لتبرير استمرارهم في الحكم باسم محاربة العدو الخارجي وغالبًا ما تتقاطع مصالح الاحتلال مع النخب القمعية المحلية لتُشكّل تحالفًا طويل الأمد يسحق أي صوت شعبي حر

 

المغالطات الكبرى تتجسد بوضوح في محاولة تسويق الديمقراطية بمعزل عن العدالة الاجتماعية أو المساواة الاقتصادية أو السيادة الوطنية انه لا معنى لديمقراطية يعيش فيها الإنسان تحت خط الفقر أو لا يملك قدرة الوصول إلى التعليم المجاني بكل مراحلة أو لا يستطيع التعبير عن رأيه خوفًا من البطالة أو العقوبة أو التشهير وإن الديمقراطية لا تكتمل ايضا إلا حين تتحقق كمنظومة متكاملة تضمن توزيع الثروة بعدالة وتكافؤ الفرص بمساواة واحترام التنوع وتعزيز المشاركة الشعبية الفعلية

 

يبدو في الزمن الرقمي المعاصر انه لم تعد الأنظمة الدكتاتورية بحاجة إلى وسائل القمع البدائية السجون والشرطة بعدما طوّرت أدواتها عبر التكنولوجيا الحديثة حيث باتت تراقب المواطنين عبر تطبيقات ذكية وكاميرات منتشرة تحلل بياناتهم وسلوكهم الإلكتروني والمراقبة مستمرة والبيانات التي تستعمل أداة لترهيب الخصوم السياسيين والسيطرة على المجتمع من خلال الذكاء الاصطناعي وكاميرات التعرف على الوجوه والأصوات وتتبع الحركة الإلكترونية وهو ما يجعل القمع أكثر هدوءًا لكنه أشد فتكًا حيث يُسحق الإنسان في صمت وهو يحاصر في كل زاوية دون أن يشعر به أحد

 

امام كل هذا وفي ظل هذا الواقع المؤلم يصبح السؤال الكبير الذي يطرحه الأحرار في كل مكان أي ديمقراطية يحتفي بها العالم والحرية تُقمع والكرامة تُداس والدكتاتورية تُموّل والشعوب تُخذل ألا تستحق الديمقراطية أن تتحول من احتفال رمزي إلى فعل حقيقي يحرر الإنسان بدل أن يُخدّره بشعارات لا تسمن ولا تغني من جوع

 

اذا ما الجدوى من الاحتفال بيوم عالمي للديمقراطية في عالم لا يتوقف عن انتهاك الحريات ومطاردة الأحرار وتكميم الأفواه وهل يكفي أن نرفع الشعارات ونتبادل الخطب الرنانة بينما لا يسمح لمواطن في كثير من دول العالم بالتعبير عن رأيه أو اختيار من يمثله أو حتى الاعتراض على ظلم تعرض له دون أن يدفع الثمن من حريته أو حياته لقد تحولت الديمقراطية إلى سلعة يتم تصديرها حسب الهوى السياسي وتُفرض على شعوب بعينها بالقوة العسكرية بينما تُمنع عن أخرى لأن خياراتها لا تتماشى مع مصالح قوى الهيمنة الدولية

 

البشرية التي تعاني اليوم من أنظمة قمعية شرسة لا تحتاج إلى يوم رمزي تتغنى فيه الأمم المتحدة بالحكم الرشيد بقدر ما تحتاج إلى إرادة حقيقية لفك أسر الشعوب وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين ووقف الحروب الظالمة والدعم الأعمى للأنظمة القمعية وإعادة الاعتبار للحق في الاختيار الحر والمشاركة السياسية النزيهة ووضع حد لازدواجية المعايير في التعامل مع الديمقراطية التي لا تكون ديمقراطية إذا لم تكن شاملة وغير انتقائية

 

في النهاية ستبقى الديمقراطية حلم الشعوب النبيل والوسيلة الحضارية للخروج من نفق القمع الطويل لكنها حين تتحول إلى سلعة أو شعار سنوي وموسمي أو أداة سياسية تسقط كل معانيها وتصبح مجرد ورقة توت تغطي عورات الأنظمة والهيئات الدولية ويتحول الحديث عنها إلى مهزلة وسخرية لا يقبلها عاقل ورغم كل هذا تبقى الشعوب وحدها عبر نضالاتها المستمرة وتضحياتها المتواصلة وهي تملك القدرة على صناعة ديمقراطية حقيقية تنبع من وجدانها وتخدم مصالحها وتضمن كرامتها من أجل التحرر وبناء أنظمة تمثلها وتعبر عنها وتخدم مصالحها لا مصالح الطغاة أو القوى الخارجية وليس ديمقراطية مستوردة أو مزيفة تشرعن حكم الطغاة وتخدع الناس بالاحتفالات الفارغة في ظل القمع الناعم وسحق الحريات وامتهان الكرامات وضياع الحقوق

×
أخبار
تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط