كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

اليوم الفاصل بين حياتين ( تشيخوف الأميركي )

اليوم الفاصل بين حياتين ( تشيخوف الأميركي )

تاريخ النشر: 2017-01-17 | 19:24

ريموند كارفر (1938-1988)– قاص وشاعر أميركي، يعد واحداً من أساتذة القص الأميركي الحديث، وأكثرهم شعبية. وقد ترجمت أعماله الى أكثر من عشرين لغة أجنبية، وتم تحويل العديد من قصصه الى أفلام سينمائية ناجحة. وقبيل وفاته، كان يحب أن يردد: "أنا انسان سعيد. فقد أتيح لي أن أحيا حياتين". وحدد كارفر بدقة التأريخ الفاصل بينهما، أي نهاية الحياة الأولى وبداية الثانية، وهو الثاني من حزيران 1977. كان هذا اليوم بالنسبة اليه يوما مشهودا ومخيفا في آن واحد– وكان في ذلك الحين كاتبا وشاعرا معروفا الى حد ما– ففي هذا اليوم وقع في حالة غيبوبة دماغية نتيجة إفراطه في شرب الكحول. وفيما بعد قال وهو يتذكر هذا اليوم: " كأنني وقعت في قاع بئر عميقة جدا ". وقد تمكن الأطباء من اعادة كارفر الى الحياة. ومنذ ذلك اليوم ترك شرب الكحول نهائياً.

حياة كارفر الثانية لم تدم سوى 11 سنة، فقد توفى في الثاني من أغسطس 1988 بمرض سرطان الرئة. كان يصارع المرض الرهيب ويعلم أن الوقت المتاح له قليل جداً، لأن نهايته قريبة، ومع ذلك كان يردد دوماً أمام اسرته واصدقائه: "انني في كل يوم أشعر بنعمة ربي. وفي كل يوم أشعر بدهشة بهيجة لحياتي المستقرة".

حقاً أن حياة كارفر الثانية كانت أكثر انتظاما واستقراراً من حياته الأولى، والأهم من ذلك أن طاقته الإبداعية لم تتضاءل، بل على النقيض من ذلك، أصبحت أقوى وتجسدت ببراعة في العديد من المجاميع الشعرية والقصصية الجديدة. وحصل على المجد الأدبي والشهرة العريضة عن جدارة، وعلى الرفاه المادي، وعرف الحب الحقيقي، حيث تزوج من الشاعرة تيس غلاغر، بعد أن انفصل عن زوجته الأولى.

وعندما كان يتحدث عن السعادة التي غمرته في نهاية رحلة العمر، لم ينس حياته الأولى الشاقة ولم يشطب عليها، لأنها كانت في الوقت ذاته مدرسة كبيرة تعلم فيها الكثير.

مدرسة الحياة:

ولد كارفر في 25 ايار 1938 في بلدة كلاتسكيني الصغيرة في ولاية اوريغون، في شمال غرب الولايات المتحدة. وأمضى طفولته في ياكيما (ولاية واشنطون)، حيث تتركز فيها الصناعات الخشبية، كما هو الحال في العديد من المدن الأخرى في تلك المنطقة.

في ياكيما استطاع الاب ان يجد لنفسه عملا في منجرة بصفة عامل شحذ المناشير. كان دخل الأسرة قليلاً، ولهذا لم يتمكن ريموند من مواصلة التعليم الجامعي بعد تخرجه في المدرسة الثانوية في العام 1956. وقد تزوّج وهو في سن الثامنة عشرة من زميلته في المدرسة الثانوية ماريان، التي كانت تصغره بعامين وحاملاً، وكان عليه أن يعمل طوال الوقت. وتنقل بين العديد من المهن، من اجل تأمين لقمة العيش. فقد عمل ساعياً للبريد، وحارسا ليليا، وعاملاً في محطة لتعبئة الوقود، ومضمدا في المستشفى. وقد ازدادت الأوضاع تعقيدا عندما انجب الشابان طفلين، ومع ذلك فقد واصل الكتابة وقرأ كثيراً، وكان شغوفا بالعمل الادبي، وحريصاً على ان يذهب الى الورشة الإبداعية التابعة لكلية جيكو لتعلم تقنيات الكتابة. وقد لعب لقائه بالروائي الأميركي جون غاردنر (1933-1982) الأستاذ في تلك الورشة، دوراً مهما في حياته الأدبية.

غاردنر هو الذي عرّف كارفر على أسماء وأعمال العديد من اساتذة فن القصة. وقال كارفر لاحقا وهو يتذكر استاذه: " كان غاردنر يشير في محاضراته دائما الى الكتاب الذين كنت أجهل اسمائهم: كونراد، بورتر، اسحاق بابل، تشيخوف". كان غاردنر يتمعن باهتمام بالغ في ما يكتبه تلامذته من اعمال ادبية، و يولي كارفر اهتماما خاصاً. لم يكن يفرض رأيه عليه بل يقدم له المشورة اللازمة، ويغرس الثقة في نفسه والأيمان يقدراته الإبداعية.

وفي العام 1961 سافر كارفر مع زوجته ماريان وطفليهما الى كاليفورنيا، وسكنت العائلة بالقرب من سان فرانسيسكو في مدينة أركاتا، أولا. وبعد ذلك في كوبرتينو، ولكن العلاقة الزوجية أخذت تتوتر بينهما على نحو متزايد: ربما لأنهما تزوجا في وقت مبكر جدا، أو بسبب اختلاف شخصيتيهما، ولكن على الأرجح بسبب الظروف المادية الصعبة، التي لم تسمح لكارفر بالتركيز على الابداع، وحاول الهروب من الهموم اليومية بالإفراط في شرب الكحول. لم يكن كارفر وحده يعمل لتأمين معيشة الأسرة، بل ماريان أيضاً، التي عملت نادلة مطعم وعاملة لتعليب الفواكه، اضافة الى عملها كربة بيت. ويبدو انها كانت ذات دخل اكبر من زوجها، وهي التي أدخرت شيئا من المال لشراء أول آلة طابعة له.

بعد حوالي عشر سنوات تمكن كارفر من نشر عدة مجموعات شعرية لاقت نجاحاً ملحوظاً، وتميزت ببساطة لغتها وجمال صورها الفنية على خلفية قصائد الشعراء الآخرين المعقدة، التي ينفر القاريء العادي من لغتها الملتوية ورموزها الغامضة.

ولكن موهبة كارفر الحقيقية تجلت في النثر الفني وفي القصة القصيرة تحديداً. مجموعته القصصية الأولى " ضع نفسك مكاني " (1974) لم تحظ بإهتمام يذكر.

أما مجموعته الثانية " هلا هدأت من فضلك " (1976) فقد لاقت نجاحاً ملحوظاً وأرغمت النقاد على الحديث عن موهبة قصصية جديدة في الأدب الأميركي. وقد اتسمت المجموعة بدقة التعبير والاختزال اللغوي والعمق السايكولوجي، وقدرة الكاتب على اثارة قلق القاريء بثيماتها المتصلة بالحياة الأميركية المعاصرة: ادمان الكحول، والفقر، والإغتراب الإنساني، وتصوير الناس العاديين -وأغلبهم كادحون او موظفون صغار يعانون من خيبات الحياة- في مواقف بائسة.

وتتابع صدور مجموعاته القصصية الجديدة: " عمّا نتحدث حين نتحدث عن الحب " (1981)، و"الكاتدرائية" (1983)، و"من أين أتصل" (1987)، التي رسخت مكانته الأدبية، وأدت الي ذيوع صيته في العالم، واعتبرها النقاد احياءاً وتنشيطاً للقصة القصيرة في الآداب المدونة بالإنجليزية، حتى انهم وصفوه بأنه أهم كاتب للقصة القصيرة منذ ايام همنجواي.

تلميذ تشيخوف وهمنجواي:

تشيخوف هو الأستاذ الحقيقي لكارفر، وكلاهما يجسد عبقرية الإيجاز في فن القصة القصيرة، لذا ليس من الغريب ان يقارن النقاد دائما بين الكاتبين. قصص كارفر، تصور الحياة اليومية للناس العاديين، اقتداءً بأثر تشيخوف، وقد استحق من أجلها لقب " تشيخوف الأميركي " عن جدارة. كارفر نفسه ابدى اكثر من مرة انبهاره بمهارة تشيخوف الفنية، وقال انه يشعر بالقرابة الروحية معه، عند قراءة قصصه او ما كتب عنه. ويتجلى هذا الإنبهار في قصة "رسالة شفوية" التي نشرت ضمن مجموعته القصصية الأخيرة (1987). حيث وصفه فيها بطريقة لا لبس فيها بأنه’ أعظم كاتب قصة قصيرة على مدى التأريخ. وهذا اعتراف صريح بمدى تأثره بفن تشيخوف. ومع ذلك نجح كارفر في تجنب الوقوع في فخ التقليد، وقد أثبت من خلال قصصه البديعة أنه كاتب متفرد الموهبة.

نثر كارفر الفني يسحر القاريء منذ البداية ببساطته وخلوه من اي نوع من انواع التعقيد أو الوصف المفصل الممل، والزخرفة اللغوية: الحوارات القصيرة المتبادلة بين الشخصيات تتألف من الكلمات والعبارات الأكثر شعبية في اللغة العامية الأميركية. وهي مصدر ممتاز لتعلم هذه اللغة.

 

قصص كارفر تتحدث عن امور عادية في الحياة اليومية، مثل الأفراح العائلية او على العكس من ذلك، عن الخلافات بين الزوجين، أو فقدان الوظيفة، أو الانتقال من مدينة الى أخرى، أو حوادث الطرق أو بيع الحاجيات المنزلية القديمة، وهي ليست مثيرة لاهتمام القاريء الباحث عن القراءة المسلية. بل يجذب القاريء المتمعن، الذي يقرأ ما بين السطور، ويبحث عن المضمر الخفي في القصة.

كارفر بين الإختزالية والواقعية (القذرة):

وصف العديد من النقاد داخل أميركا وخارجها اسلوب كارفر بأنه اختزالي ينتمي الى تيار الـ(مينيماليزم)، الذي انتشر في الموسيقى والفنون التشكيلية والأدب منذ نهاية السبعينات. وأهم ما يميز أعمال الاختزاليين هو الوضوح، والإيجاز، و الإقتصاد في استخدام الوسائل التعبيرية، والتخلي عن كل انواع البهرجة اللفظية، والميل الى اسلوب يشابه اسلوب همنجواي البرقي. وهذا الأخير هو احد الكتاب المفضلين لدى كارفر.

ويرى آخرون، ان التركيز على بعض الجوانب السلبية للحياة اليومية، مثل الإدمان على الكحول والإفلاس والبطالة، يجعل ادب كارفر قريبا من تيار الواقعية الجديدة او "الواقعية القذرة" وهو تيار ظهر جلياً في مطلع الثمانينات من القرن الماضي. ولكن من الخطأ الفادح تفسير ابداع فنان كبير مثل كارفر من خلال هذا المصطلح أو ذاك. فأدب كارفر بحاجة الى تعمق أكثر لاستجلاء خصائصه المتفردة، التي لم تكتشف بما فيه الكفاية لحد الآن.

قصص كارفر، التي يتناول فيها الجزئيات والتفاصيل المتصلة بالعلاقات الأسرية والحياة اليومية، والتي تبدو بسيطة للوهلة الأولى، تسحرنا بعمقها، –كما قصص همنجواي القصيرة– التي تشبه الجبل الجليدي. ولا تظهر الا قمته فقط في العمل الأدبي..

ان المعنى الأعمق لقصص تشيخوف وهمنجواي وكارفر لا يكون واضحاً على السطح، بل يتألق ضمنياً من خلالها، فهناك تحت البساطة الظاهرية عالم مخفي بمهارة يتخيله كل منا على نحو مختلف عن الآخرين، ومن هنا فأن القاريء يكمل عمل المؤلف.

ويقول كارفر: "في القصص التي اكتبها، احب ان يكون هناك خطر ما غير ملموس، لكن يمكن ان نستشعره وهو يطوف حولنا ليحدث ما يمكن ان يصيبنا بشر ما. لا بد ان يكون هناك توتر في الهواء "

لنأخذ على سبيل المثال قصة كارفر المعنونة "الحمّام". انها قصة عن هشاشة الحياة الانسانية. وخاصة حياة الاطفال، التي يهددها حتى الاصطدام البسيط نسبيا بسيارة متحركة. وهذا ما حدث لطفل في الثامنة من العمر، وسبب له رجة دماغية افقده الوعي وأثّر في حياة وسلوك الوالدين اللذان لا يملكان من وسيلة لمجابهة ما حل بهما من مصيبة، الا الاستحمام بالماء الساخن، لعله يخفف من وقعها عليهما، ويمكن تفسير القصة أيضاً، بأن الحياة تستمر رغم ما يصيب الأنسان من نكبات.

تطرح هذه القصة عن الحادث الذي وقع للصبي وهو في طريقه الى المدرسة في يوم ولادته، وكيف واجه والداه هذه المصيبة، الكثير من الأسئلة، وكل قاريء يجيب عنها حسب رؤيته، لأن لكل واحد منا خبرته ورد فعله ازاء ما يحدث في الحياة.

كارفر يتمعن في حياة الناس العاديين، فقد خبر مثل هذه الحياة وهو قادر على تصوير الجو الذي تجري فيه القصة، والمزاج السائد فيه، والقلق الذي ينتاب الشخصيات، بسبب ما يسميه بـ(تآكل) العلاقات الإنسانية: انفراط عرى العلاقة العائلية، والاغتراب المتزايد، والكآبة، والتوحد، والعلاقات الشكلية، حتى بين اقرب الناس بعضهم من بعض.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط