كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

أمريكا ومنطق الغطرسة والقوة: من فيتنام إلى إيران

أمريكا ومنطق الغطرسة والقوة: من فيتنام إلى إيران

تاريخ النشر: 2026-04-13 | 11:49

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في خريف العام 1945م، خرجت الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها القوة الأكثر تفوقًا في العالم، سواء على الصعيد الاقتصادي أو العسكري. هذا التفوق دفعها إلى تبنّي نهج على الساحة الدولية يقوم على منطق القوة والغطرسة السياسية والعسكرية، انطلاقًا من اعتقاد مفاده أن التفوق العسكري كفيل بحسم النزاعات وتحقيق الهيمنة، وفقاً لمنطق المدرسة الواقعية من ميكافللي إلى مورغنثاو.
تعكس التجارب الأمريكية في السياسة الدولية نماذج متعددة لهذا النهج. وتُعد حرب فيتنام (1955-1975م) من أبرز هذه النماذج؛ إذ دخلت الولايات المتحدة الحرب وهي على قناعة بأن تفوقها العسكري والتكنولوجي، لا سيما الجوي، سيؤدي إلى حسم سريع للمعركة. غير أن الواقع الميداني جاء مغايرًا تمامًا، حيث واجهت القوات الأمريكية نمطًا من القتال يعتمد على حرب العصابات، ضمن بيئة جيوسياسية معقدة لا يُتقنها إلا السكان المحليون. كما لعبت الدافعية الوطنية العالية دورًا حاسمًا في قلب موازين القوى، ما أدى إلى استنزاف الجيش الأمريكي على مدى سنوات طويلة. ورغم العمليات العسكرية المكثفة، بما في ذلك القصف الجوي والقتل الجماعي واسع النطاق الذي مارسته قوتها الغاشمة، إلا أنها لم تتمكن من تحقيق أهدافها، لتنتهي الحرب بمقتل 58,220 من القوات الأمريكية، وبالإضافة إلى أكثر من 150,000 جريح ومعاق، وفقًا لبيانات استخراج نزاع فيتنام، التابع لنظام تحليل الخسائر الدفاعية (DCAS)، وانتهت بانسحابها عام 1975م في مشهد عُدّ رمزًا لفشل الاعتماد على القوة العسكرية وحدها في حسم صراع سياسي معقّد.
تكرر هذا النموذج بصورة أوضح عقب أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001م، حين غزت الولايات المتحدة أفغانستان في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2001. وقد حقق الجيش الأمريكي في البداية نجاحًا سريعًا تمثل في إسقاط نظام طالبان. إلا أن هذا النجاح لم يدم طويلًا، وسرعان ما تحولت الحرب إلى صراع استنزافي امتد لعشرين عامًا، تكبّد خلاله الجيش الأمريكي خسائر بشرية كبيرة قُدّرت بنحو 6,379 من الجنود والمتعاقدين والمدنيين التابعين لوزارة الدفاع الأمريكية، فيما أُصيب 20,770 عسكريًا أمريكيًا. أما الخسائر المادية، فقد تجاوزت 2.456 تريليون دولار أمريكي، وفقًا لتقديرات "معهد واتسون في جامعة براون". وقد تمثلت الإشكالية الأساسية في عدم القدرة على بناء دولة مستقرة داخل بيئة اجتماعية وقبلية معقدة. وعلى الرغم من الإنفاق الضخم والتفوق التكنولوجي، انتهت الحرب بانسحاب أمريكي سريع، وعودة طالبان إلى الحكم بعد عقدين من الزمن، وهو ما يعكس بوضوح أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تضمن إعادة تشكيل الأنظمة السياسية أو تحقيق الاستقرار.
وفي السياق ذاته، تمثل حالة احتلال العراق في آذار/مارس 2003م نموذجًا إضافيًا لهذا المنطق. فقد استطاع الجيش الأمريكي احتلال العراق بسرعة كبيرة نتيجة التفوق العسكري والتكنولوجي الأمريكي، مما أدى إلى سقوط الدولة العراقية. ورغم هذا الحسم السريع، فإن مرحلة ما بعد الحرب كشفت عن خلل عميق في إدارة المشهد، خاصة بعد حلّ الجيش العراقي، الأمر الذي أسفر عن فراغ أمني واسع ساهم في انتشار الفوضى وظهور جماعات مسلحة. وتشير بيانات وحدة البحوث في الكونغرس الأمريكي إلى أن نفقات الحرب بلغت مع نهاية عام 2011م نحو 818 مليارًا و800 مليون دولار أمريكي، فيما قُدّرت الخسائر البشرية في صفوف الجيش الأمريكي وقوات التحالف منذ عام 2003م وحتى عام 2020م، وفقاً لموقع iCasualties: المختص بإحصائيات عدد الضحايا بنحو 4,902 قتيلًا، نتيجة استهداف القواعد العسكرية والأرتال اللوجستية. وتؤكد هذه المعطيات أن إسقاط الأنظمة بالقوة لا يعني بالضرورة القدرة على بناء بديل مستقر.
أما في الحالة الإيرانية، فتبدو الصورة مختلفة نسبيًا. فمنذ نجاح الثورة الخمينية عام 1979م، لم تعتمد الولايات المتحدة المواجهة العسكرية المباشرة، بل لجأت إلى أدوات الضغط الاقتصادي والسياسي. وقد كان لفرض العقوبات، خاصة على قطاع النفط، أثر واضح على الاقتصاد الإيراني، تمثل في ارتفاع معدلات التضخم وتراجع قيمة العملة، فضلًا عن عزل بعض البنوك عن النظام المالي العالمي، ما صعّب من حركة التعاملات الدولية. ومع ذلك، لم تؤد هذه الضغوط إلى تغيير جذري في بنية النظام السياسي، بل دفعت إيران إلى التكيف والبحث عن بدائل.
وفي عام 2015م، شهدت العلاقة تطورًا ملحوظًا مع التوصل إلى الاتفاق النووي الإيراني خلال إدارة الرئيس "باراك أوباما"، الذي عكس نهجًا مركبًا يجمع بين الضغط والتفاوض، حيث تم تقييد البرنامج النووي مقابل تخفيف العقوبات. غير أن هذا المسار لم يستمر، إذ عاد التوتر بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018م في ولاية الرئيس "دونالد ترامب" الأولى، ما أعاد الصراع إلى حالة من عدم الاستقرار.
بين 13–24 حزيران/يونيو 2025 و28 شباط/فبراير 2026، اتسمت العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران بطابع تصادمي عسكري متعدد المستويات، دون أن تتطور إلى حرب شاملة، حيث جرى الاكتفاء بإدارة الصراع عبر الردع وتبادل الضربات المحسوبة، بما يعكس تحولًا في طبيعة التوتر من مواجهات محدودة إلى مواجهات أوسع نطاقًا، صاحبها قدر كبير جداً من التهديد والوعيد والغطرسة الترامبية بسحق إيران ومحوها.
وعند النظر إلى هذه الحالات مجتمعة- فيتنام، أفغانستان، العراق، وإيران- يبرز نمط متكرر يتمثل في الاعتماد على القوة لتحقيق أهداف سياسية كبرى، مع تحقيق نتائج غالبًا ما تكون أقل من التوقعات. ففي بعض الحالات، تحقق القوة نجاحًا سريعًا، لكنها تتعثر في مرحلة ما بعد الصراع، وفي حالات أخرى تفشل في تحقيق الحسم من الأساس. ومن هنا، فإن مفهوم "منطق الغطرسة والقوة" لا يُعد حكمًا مطلقًا، بل يمثل إطارًا تحليليًا لفهم جانب من السلوك الأمريكي، خاصة عندما يُختزل النجاح في استخدام القوة، دون إدراك كافٍ لتعقيدات الواقعين المحلي والدولي، الذي يشهد تغيرات دراماتيكية في بنية وبيئة النظام الدولي.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط