كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

أميركا تختار "رحيل الشعب السوري" بدل "رحيل الأسد"

أميركا تختار "رحيل الشعب السوري" بدل "رحيل الأسد"

تاريخ النشر: 2016-01-28 | 05:35

كشفت الولايات المتحدة عن وجهها وخياراتها وانحيازاتها في سورية: لا للشعب السوري نعم لبشار الأسد، لا للسعودية وتركيا نعم لروسيا وإيران. لعبة الأمم وموازين القوى تنتصر للظلم في سورية. الأولوية لمحاربة الإرهاب، كما يقولون. لكن، مع «حل سياسي» كالذي تطبخه «تفاهمات كيري – لافروف»، لا تسألوا غداً لماذا هناك تطرّف، ومن أين يأتي، لأن تلك «التفاهمات» تؤسس لتوّها إرهاب «ما بعد داعش».

شطبت أميركا يوم 23 كانون الثاني (يناير) 2016 كل ما قاله مسؤولوها، بدءاً من باراك أوباما، عن النظام الذي فقد شرعيته، والأسد الذي يجب أن يتنحّى، وأن يرحل، ولا مستقبل له... بل شطبت «بيان جنيف». لم يعد له وجود، كما أراد الروس، وكما أراد الإيرانيون. أسقطت الغموض والأوهام التي اكتنفت «بيانات فيينا»، وسلّمت للتفسير الروسي للقرار 2254 الذي تلاشت مرجعيته لأي مفاوضات، فـ «الحل السياسي» المزعوم، وفقاً لإملاءات جون كيري على المعارضة، يعود الى مشيئة النظام وزمرته و «معارضته» المزيفة و «النقاط الأربع» الإيرانية وأنياب «الدب الروسي». تلك كانت حصيلة «عملية فيينا» التي ترافقت باللازمة القائلة أن أميركا لا تزال مختلفة مع روسيا على «رحيل الأسد»، غير أن لقاء كيري مع المعارضة في الرياض أظهر أن أميركا وروسيا اتفقتا أخيراً، لكن على «رحيل الشعب السوري».

إذاً، فلا حل بل مجرد دعوة للاستسلام وعرض للإذعان يكلفان المزيد والكثير من الدم والدمار. وما جاء به كيري الى المعارضة هو تهديد بـ «حسم عسكري» لن تتدخّل الولايات المتحدة للجمه ولن تساعد على مواجهته، أي أنها موافقة عليه ومساهمة فيه. لم تكن هناك أي سياسة في كلامه، بل إبلاغ فاقع الوقاحة بأن أميركا حسمت خياراتها بالانقلاب على الشعب السوري، وليست لديها أي ضمانات له. فلا «انتقال سياسي» ولا «هيئة حكم انتقالي» ولا «حكومة بصلاحيات كاملة»، لا لوم للنظام ولا محاسبة معه إن أفشل المفاوضات، إذا جرت، ولا دعم للمعارضة بعد اليوم سواء ذهبت الى المفاوضات أم لم تذهب... وذلك كلّه لا يشكّل «شروطاً مسبقة»، في نظر الوزير الأميركي، إذ إنه اتفق مع نظيره الروسي على «مفاوضات بلا شروط مسبقة». لا يمكن أن تكون هناك مقدمات أكثر غرابة بل وحشية لمفاوضات يراد منها إنهاء صراع دامٍ كالذي يدور في سورية.

لمن لا يزالون يسألون «عما بعد الاتفاق النووي»، ويترقبون مؤشراته متسائلين هل ستتغير إيران، جاءهم الجواب مدويّاً: أميركا هي التي تغيّرت. الى حدّ إظهار وجه أكثر قبحاً من ذلك الذي اكتسبته في حقبتها الفيتنامية. فعلت ما كان متوقّعاً منها، فكل الشكوك التي ساورت الحلفاء والأصدقاء حيال مواقفها تحقّقت الآن: لم تكن يوماً من «أصدقاء الشعب السوري»، بل كانت تخادع وتراوغ. اتخذت هذا الشعار ستاراً للتفاوض مع الروس. ولم تكن لديها استراتيجية فانخرطت في استراتيجية موسكو. فعلت ذلك بعد فضيحة السلاح الكيماوي، وكررته في مختلف المراحل، وواظبت عليه على رغم القطيعة بسبب أوكرانيا. بل خرقت تلك القطيعة فجأة لاستدعاء الدور الروسي الى أن أصبح تدخلاً مباشراً، كأنه ينوب عنها الى سورية.

في الشهور الماضية، قبل لقاءات فيينا، سكتت واشنطن وتركت الروس (والإيرانيين) يديرون الأزمة وحدهم. وإذا تدخّلت فلمساعدتهم، لا لمعارضتهم، أو حتى لتحسين عروضهم. وقد ركّز الروس (والإيرانيون) على مصادرة مهمة المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا وتوجيهها، وسط تجاهل أميركي تام لكون المبعوث حسم قناعاته الشخصية لمصلحة وجهات نظر النظام وروسيا وإيران، ولم يعد يرتاح الى ما يسمعه في الرياض أو في أنقرة والدوحة. وعندما أدلى أوباما بآرائه الساخرة عن المعارضة، كان يعلم أن دي ميستورا في صدد تغيير خريطة المعارضة المقبولة روسياً (وإيرانياً) في المفاوضات، معوّلاً على مشاورات طويلة أجراها خلال الربيع الماضي في جنيف، مع هيئات وشخصيات سورية أفضت به الى اعتبار أن ما تُسمّى «معارضة» هي جزء يكاد يكون «هامشياً» في الصراع لولا الفصائل المقاتلة التي كانت آنذاك ماضية في انتزاع مناطق من سيطرة النظام، وأن أي مفاوضات يجب أن تشمل طيفاً أوسع مما يقدمه «الائتلاف» أو «هيئة التنسيق» ليضم «معارضات» موسكو والقاهرة وأستانا (كازاخستان).

لذلك جاء الروس مصمّمين، منذ بداية تدخلهم، على ضرب الفصائل المقاتلة وإقصائها من المعادلة. كان مفترضاً أن يأخذوا في الاعتبار ما عناه حضور مندوبين عن هذه الفصائل مؤتمر الرياض، إذ جاء معبّراً عن استعدادهم للانخراط في حل سياسي، وعن إرادة الدول الداعمة للمعارضة إنهاء الصراع سلمياً. لكن اغتيال زهران علوش، قائد «جيش الإسلام»، والاغتيالات الأخرى التي أعقبت ذلك المؤتمر، واستمرّت مع صدور القرار 2254 وبعده، أوضحت أن الروس يريدون استفزاز المعارضة العسكرية ودفعها الى الانسحاب من أي عملية تفاوضية، وبالتالي ترك المعارضة السياسية وحيدةً ومستضعفةً وعرضةً للضغوط والعبث بوفدها وموقفها، سواء من خلال دي ميستورا أو بالشروط الروسية التي أكد كيري الموافقة الأميركية عليها.

منذ البداية، قرّرت روسيا وإيران والنظام أن لا مجال لأي منطق في الأزمة السورية، والألاعيب التي تُخاض حالياً تكاد تضع المفاوضات في مهب الريح، كأن التدويل في فيينا ثم في مجلس الأمن لم يقدّم ولم يؤخّر بل أبقى الأزمة في كنف استبدادية الأسد. والواقع، أن المعارضة اعتبرت المناورات الروسية - لاختراق وفد المعارضة أو استنباط وفد «معارض» ثانٍ، لتصبح المفاوضات ثلاثية شكلياً أو بالأحرى ثنائية بين المعارضة ووفدَي النظام و «معارضته» - هي وصفة مكشوفة للتلاعب المبكر بمسألة «الانتقال السياسي»، وبالتالي لإفشال المفاوضات والمصادرة المسبقة لنتائجها، طالما أن الضغط الدولي، خصوصاً الأميركي، يندر أن يلعب لمصلحة المعارضة، ويهجس دائماً بإرضاء الروس، سواء بذريعة الأولوية لمحاربة «داعش»، أو بدوافع أخرى تتكشّف بين حين وآخر عن نيات واشنطن.

اتضح الآن، أن تحليل المعارضة هذا لمواقف روسيا كان ساذجاً الى حدٍّ ما، وفيه مراهنة ضمنية على «صلابة» ما في الموقف الأميركي. لكن كان هناك مَن يردّد باستمرار «فتّش عن التفاهمات الأميركية – الروسية»، محذّراً دائماً من وجود حلقة مفقودة لا بد أن تظهر في لحظة حاسمة. تلك اللحظة كانت اقتراب استحقاق التفاوض. فطوال الأسابيع الماضية لم يكن ممكناً أن تتصرّف موسكو الى هذا الحدّ ضد القرار الدولي 2254، وأن ترتكب مباشرة مجازر يومية في حق المدنيين في مناطق المعارضة، وتؤمّن تغطية كاملة للحصارات التجويعية والقصف بالبراميل، من دون أي اعتراض أميركي، لأن عدم الاعتراض هنا عنى تفاهماً وموافقة. لم يكن صحيحاً على الإطلاق أن هناك اختلافاً حقيقياً بين نظرتَي الأميركيين والروس الى الفصائل المقاتلة وتمييز «المعتدلة» منها عن «الإرهابية». كان تقويمهم متقارباً، ومتطابقاً أحياناً، إذ عمدوا معاً الى استخدام التجويع وسيلة للضغط لانتزاع تنازلات مسبقة من المعارضة قبل ولوجها في التفاوض.

هذا ما تولاه الوزير كيري، باسم «التفاهمات»، عندما أنذر المعارضة بأن خيارها الوحيد هو الذهاب الى مقامرة خاسرة مسبقاً في جنيف، قد تصبح خاسرة أكثر، بل كارثية إذا قادها الانفعال الى تعطيل المفاوضات. ثم قيل للمعارضة أن بين الخيارين السيئين، يبقى دخول المفاوضات أقلّهما سوءاً، لأنها ستجد فرصة لطرح رؤاها ومطالبها، ولأن حضورها وحده سيجرّ النظام نفسه الى عملية التفاوض التي يكرهها وطالما تهرّب منها، وعندئذ فقط ربما تستطيع واشنطن أن تساعدها، أما اذا قاطعت فستؤدّي خدمة للنظام وتضع حدّاً لأي دور أميركي قد يخفف من إجحاف الشروط الحالية. سبق أن قيل ذلك للفلسطينيين كي يُقبلوا على التفاوض، وقد فعلوا على رغم أنهم كانوا متيقّنين بأن الأميركيين سيخذلونهم، وهو ما حصل. لكن الشعوب التي يحاصرها الظلم من كل جانب لا تستطيع أن تفوّت أي فرصة مهما بدت سرابية وكاذبة.

×
أخبار
انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط