كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

أميركا وإيران والرقصة المكلفة

أميركا وإيران والرقصة المكلفة

تاريخ النشر: 2021-08-09 | 16:45

تستعد الدول المتاخمة لأفغانستان للتعايش مع حرب أهلية مدمرة في هذا البلد بعد استكمال خروج القوات الأميركية أو مع أفغانستان مقيمة في قبضة حركة «طالبان». ولا شيء يوحي بأن كابل ستكون عصية على الحركة ولو بعد شهور. قرار الرئيس جو بايدن إرسال قاذفات استراتيجية لعرقلة هجمات مسلحي «طالبان» على بعض عواصم الأقاليم لن يؤدي إلى أكثر من تأخير موعد سقوطها.
والتوتر الذي يعيشه النظام الذي دربه الأميركيون يعكس خوفه من إفلات الأمور من يديه. ذعر المترجمين الذين يحاولون التعلق بالطائرات الأميركية المغادرة يكاد يومئ إلى أن القدر «الطالباني» يمكن تأخيره بعض الوقت لكن لا يمكن تفاديه.
إيران محظوظة. كانت «طالبان» تسيطر على أفغانستان وظهرت مناوشات على الحدود بين البلدين. ولم تكن لدى إيران أوراق مهمة. أي توسيع للصدامات كان سيؤدي إلى نزاع سني - شيعي لن تكون باكستان بعيدة عنه. جاءت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) هدية لطهران. تقدم الجيش الأميركي واقتلع النظام المعادي لطهران في كابل. لم تكتفِ أميركا بالهدية الأفغانية قدمت لإيران ما يمكن اعتبارها هدية العمر فعلاً. جاء الجيش الأميركي واقتلع نظام صدام حسين الذي منع تدفق النفوذ الإيراني إلى العراق والمنطقة عبر حرب مدمرة.
وعلى رغم الهديتين واصلت إيران سياستها الرامية إلى طرد أميركا خصوصاً من الخرائط التي تحلم طهران بالتمركز فيها والإمساك بقراراتها. لاعبت المارد الأميركي. أوهمته وخدعته وضربته بأسماء مستعارة وراهنت أنه سيتعب وسيغادر.
تذكرت هنا ما قاله لي الرئيس العراقي الراحل جلال طالباني في سلسلة ذكرياته. قال: «مرة قال لي وزير الخارجية الإيراني منوشهر متقي في هذا البيت (مقر إقامة طالباني) قُل لصديقك السفير الأميركي زلماي خليل زاد - وكان يومها سفيراً في بغداد - ماذا يريد الأميركيون منا؟ نحن أيدنا تحرير العراق من صدام وأيدنا مجلس الحكم وانتخاب رئيس الجمهورية، وأيدنا هذا الوضع الجديد الذي أقامه الأميركيون في العراق. لا يوجد شيء عمله الأميركيون لم نؤيده، فقل لصديقك ماذا يريدون منا أكثر؟ نقلت هذا الكلام لخليل زاد فقال لي: نريد الاستقرار والأمن في العراق».
وأضاف طالباني: «حاولنا الجمع بين خليل زاد ومتقي، لكننا لم ننجح. كنا توصلنا إلى موافقة مبدئية من الطرفين ثم ذهبت كوندوليزا رايس إلى الكونغرس ولمحت إلى هذا اللقاء الذي كان يفترض أن يلتئم في شكل سري فتراجع الإيرانيون».
كانت طهران تريد تفادي وقوع صدام مباشر مع القوات الأميركية المنتشرة قرب حدودها مع العراق وأفغانستان. وكانت تبلغ طالباني أنه إذا أظهرت أميركا الحد اللازم من الواقعية فإن طهران مستعدة للتفاوض مع واشنطن من أفغانستان إلى لبنان.
كان العراق أرضاً لتجربة بالغة التعقيد بين إيران وأميركا. ويقول وزير الخارجية العراقي الأسبق هوشيار زيباري إن الأميركيين تحدثوا مع مسؤولين إيرانيين في جنيف أكثر من مرة قبل الحرب وتداولوا في مسائل فنية عملية وموضوع الأجواء ومسائل الحدود. ويؤكد أن هذه اللقاءات استمرت إلى ما بعد سقوط صدام. وقد عمد الأميركيون إلى قطع هذه العلاقة «وعندما سألناهم عن السبب قالوا إنه كان لديهم مجموعة من المطلوبين من (القاعدة) يعرفون أنهم موجودون في إيران التي امتنعت عن تسليمهم».
كانت إيران تتحرك بلغتين وأسلوبين. ففي حين كان متقي يقول ماذا يريد الأميركيون منا أكثر مما فعلنا كان قاسم سليماني قائد «فيلق القدس» يدير حرباً ضد الوجود الأميركي في العراق وبأسماء مستعارة. ورداً على سؤال عما إذا كانت إيران ساهمت في قتل أميركيين في العراق يقول زيباري: «بالطبع، لكنها لم تدعم (القاعدة) كما يتردد، بل دعمت بعض المجموعات الخاصة، فضمن (جيش المهدي) مثلاً هناك مجموعة خاصة كان يجري تدريبها وتوجيهها لتنفيذ عمليات. وسوريا ساهمت بالتأكيد في قتل أميركيين وتفجير سيارات. سوريا شنت حرباً مفتوحة علينا أدت عملياً إلى مقتل عشرات آلاف العراقيين».
كانت إيران تتظاهر باستعدادها للتفاوض وتطالب أميركا بانتهاج سياسات واقعية. والمقصود بالسياسات الواقعية أن يسلم «الشيطان الأكبر» بأن إيران يمكن أن تكون الشريك الأكبر له في الشرق الأوسط. لكن الشق الآخر من السياسة الإيرانية كان يقوم على السعي لتقويض الوجود العسكري الأميركي والنفوذ الأميركي في العراق وأفغانستان معاً. وفي موازاة العبارات الدبلوماسية التي كانت تطلقها أو تشجع أصدقاء لها على ترويجها، كانت إيران تواصل سياسة المرابطة داخل الخرائط عبر دعم تنظيمات واستحداث أخرى رافعة شعارات الممانعة و«الموت لإسرائيل».
بعد عقدين من التجاذب والمناورات والضربات لم يعد سراً أن أميركا تعبت من مسارح تدخلاتها العسكرية المكلفة في العالم. والصورة الواقعية على الأرض تشير إلى أن السياسة الأميركية افتقرت إلى الثبات والرؤية الواضحة وتقلبت مع لهجات الإدارات ونصائح المستشارين.
والنتيجة ظاهرة للعيان في أكثر من مكان. تملك إيران ما يشبه حق النقض ضد أي قرار تتخذه السلطات العراقية. وتمارس هذا الدور عبر واجهات عراقية. الأمر نفسه في لبنان. والنفوذ الإيراني في سوريا لا يحتاج إلى دليل منذ شاركت ميليشياتها في إنقاذ النظام. ولا يمكن التقدم نحو وقف للنار في اليمن من دون موافقة طهران. وهكذا يبدو الرئيس إبراهيم رئيسي أقوى في عدد من الخرائط من رؤسائها المعلنين.
هل تعبت أميركا من الموضوع الإيراني وتريد تعويم الاتفاق النووي بذريعة التفرغ لمواجهة الصعود الصيني؟ وهل تستعد إدارة بايدن لتقديم هدية جديدة إلى طهران التي تذكّر بين وقت وآخر بقدرتها على تسخين أكثر من جبهة في المنطقة فضلاً عن قدرتها على عرقلة الملاحة في الممرات الحساسة؟
على دوي تساقط عواصم الأقاليم في أفغانستان بيد «طالبان» يتذكر أهل الشرق الأوسط تلك الرقصة الطويلة المكلفة بين إيران وأميركا التي شهدت عدداً غير قليل من الهدايا والضربات والطعنات. كانت الرقصة الأميركية - الإيرانية باهظة التكاليف خصوصاً لبعض الخرائط العربية.

عن الشرق الأوسط اللندنية

×
أخبار
السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط