كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

إنتعاش الأقليات منذ ظهور الكيان الإسرائيلي – تهديد وجودي للبنان

إنتعاش الأقليات منذ ظهور الكيان الإسرائيلي – تهديد وجودي للبنان

تاريخ النشر: 2025-08-11 | 12:20

على مدار قرن من الزمن ، شهدت المنطقة العربية سلسلة من الأزمات القومية والمذهبية والطائفية والسياسية ، ناتجة عن تدخلات داخلية وخارجية ، ضمن سياقات مرحلية أو استراتيجية أو عقائدية ، هدفت جميعها إلى إضعاف البنية السياسية والاجتماعية للدول (Huntington , 1996) ، لم يكن من الممكن للمراقب الموضوعي إغفال هذه المسارات المتعددة التىّ صاغت ملامح المشهد الإقليمي ، ولقد تعمقت الأزمة بعد فشل الدول العربية والإسلامية في إيجاد حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية ، سواء بالإستناد إلى قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن مثل القرار 242 (1967) والقرار 338 (1973)، أو من خلال مبادرة السلام العربية (قمة بيروت، 2002) (United Nations, 1973; Arab League, 2002) ، كما امتدّ الفشل إلى قضايا قومية ، أبرزها المسألة الكردية ، وإلى خلافات مذهبية مثل الصراع السني–الشيعي ، فضلاً عن أزمات أخرى تخص الأقليات العرقية والدينية (International Crisis Group, 2019).
هذه الأوضاع أفرزت دولاً ضعيفة غير قادرة على مواجهة التحديات الإقليمية ، ومكّنت ميليشيات مسلحة من ملء فراغ السلطة ، فهذه الميليشيات رفعت شعارات تحرير فلسطين ، لكنها عملياً انخرطت في مشاريع تقسيم الدول ، كما في الحالة الكردية أو الدرزية ، أو تورطت في النزاعات المذهبية مثل تدخل حزب الله في سوريا ، أو في الهيمنة على القرار السياسي ، كما هو الحال مع بعض الميليشيات العراقية (International Crisis Group, 2019) ، وإن استمرار تعثر القضية الفلسطينية ، في ظل ما تصفه تقارير الأمم المتحدة بالإبادة الجماعية الممنهجة في بعض المناطق مثل غزة (United Nations, 2023)، يجعل أي محاولة لحصر السلاح في لبنان محفوفة بالمخاطر ، نظراً لاحتمالية اندلاع مواجهة شاملة قد تشعل “فتنة كبرى” في المنطقة ، وهو هدف سعت إليه الحركة الصهيونية تاريخياً (Herzl, 1896).
المؤشرات الحالية في لبنان تشي بمرحلة “تسخين” سياسي وعسكري بين الجيش اللبناني من جهة ، وحزب الله وحركة أمل وحلفائهما من جهة أخرى ، ومن المتوقع أن تبدأ المواجهة إذا تحرك الجيش لسحب السلاح تحت شعار “إزالة الميليشيات الخارجة عن القانون” ، مثل هذا السيناريو قد يدفع قائد الجيش إلى إجراء مشاورات داخلية مع القيادات المسيحية لتجنب انشقاقات طائفية داخل المؤسسة العسكرية ، خاصة إذا قررت بعض الأطراف المسيحية المتحالفة مع حزب الله رفض المواجهة .
أما على الصعيد الدولي ، فإن خيار المواجهة دون استقالة القيادة العسكرية قد يُفسَّر من قبل بعض القوى العالمية كفرصة لإعادة إشعال حرب أهلية طويلة الأمد ، في هذا السياق ، يمكن أن تتدخل إسرائيل ، بحكم تموضعها العسكري في قرى الجنوب ، لدعم الجيش اللبناني والقوى المعارضة لحزب الله ، الأمر الذي قد يمهد لتقسيم لبنان بين سوريا وإسرائيل ، في توافق مع ما ورد في رؤية هنري كيسنجر الرامية إلى إخضاع الجنوب اللبناني حتى مدينة الدامور وبعض مناطق الجبل الدرزية للسيطرة الإسرائيلية (Kissinger, 1982.
هنا تتّضح الصورة بأن حجاب الخجل قد أنزاح تماماً ، حتى دون أي مظهر من مظاهر التواضع السياسي أو الاجتماعي ، فعندما يُدعى إلى إعتبار مثل هذه التجمعات شكلاً من أشكال “المحافظة على الذات”، وهو حقّ مشروع في سياقات محددة ، فإن الأمر في هذه الحالة يتحوّل إلى انقلاب سياسي ، حتى لو كان بعيداً عن العاصمة ،وهذا يستدعي التعمّق في جذور الحدث لكشف أبعاده الحقيقية ، فالأخطر من ذلك يتمثّل في مؤتمر الأقليات الذي عُقد في مدينة الحسكة قبل أيام قليلة ، تحت عنوان “وحدة الموقف”، وبدعوة من قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وبتمويل من مؤسسات مرتبطة بلوبيات صهيونية ، هذا المؤتمر كشف عن نوايا منظميه والحضور فيه ، إذ شمل شخصيات عربية وكردية ودرزية وعلوية وسريانية وأيزيدية وتركمانية وشركسية ، لكن مخرجاته – ولا سيما الدعوة إلى إقامة دولة ذات إدارات ذاتية – أنهت فعلياً اللقاء المرتقب بين مظلوم عبدي وأحمد الشيباني في العاصمة الفرنسية باريس .
من الواضح أن المواجهات التىّ وقعت مؤخراً في مناطق الأقليات كانت تمهيداً لهذا الطرح ، وهو سيناريو مرشّح لأن يشهده لبنان أيضاً ، ولكن بشكل أعنف وأوسع ، وربما أكثر تمدداً ، إلى حدّ أن الأقليات قد تطالب بالحماية الإسرائيلية ، كما حصل مع بعض دروز السويداء ، وهو ما أسفر عن تحالف جديد بين قسد وحكمت الهجري وإسرائيل ، بل إن أحد البنود الواردة في مخرجات المؤتمر يكشف النوايا الانفصالية بشكل غير مباشر ، إذ نصّ على رفض “التغيير الديموغرافي” و”عودة المهجّرين”، وهو أمر يثير السخرية ؛ لأنه يفضح تناقض إدعاء إقامة “دولة تعددية” في الوقت الذي يُؤسَّس فيه عملياً لدول طائفية-عرقية ، تحت حماية إقليمية ودولية ، وبغطاء إسرائيلي …
لقد عَبَر نتنياهو خلال العامين الماضيين عن استراتيجيّته العسكرية الشديدة ، من خلال فتح ثلاث جبهات على الأقل ضد كيانه ، فقد شملت هذه التوجهات العمليات العسكرية في غزة ، التحرك على الحدود مع لبنان ، وتهديدات ضد إيران عبر ضربات استهدفت منشآت نووية عُمانية كـ”ناتنز” ، ولا غرابة في هذا المنحى ؛ إذ تعكس المؤسسة الأمنية الإسرائيلية عزماً على إخضاع المنطقة لقواعدها الأمنية الخاصة ، في حراك يرمز إلى “منطقة منطقية” تفرضها بالقوة ، وفي حال أضطر نتنياهو إلى إنهاء حرب غزة عبر إعلان الإنتصار ، فإن هناك  دلائل على أنه لن يوقف جهوده عند هذا الحد ، بل قد يسعى لاحقاً إلى لبننة المعركة – أي تلويح بإتخاذ قرار ضاغط على حزب الله ، على غرار استنزاف المقاومة في غزة .
وإذا ما أسفرت المفاوضات الأميركية الإيرانية عن إتفاق نووي ، فقد يُتيح ذلك حلفاء إيران مثل حزب الله تسليم جزء من ترسانته ، مما قد يُخفض التوتر على الحدود الشمالية ، أما في حال لم يحدث ذلك، فسيتعين على القوى المتضررة من نفوذ إيران ومحور المقاومة والقوى المضادة بأن تطوي صفحة الصراع ، وتتوجه نحو بناء دولة مع رؤية وطنية لسلاح المقاومة ، وغير طائفية تعيد هيكلة الجيش بعيداً عن الصراع السياسي الداخلي .

ومن منظور لبناني ، فإن العودة إلى الصراع الأهلي والانقسام الطائفي هو سابقة لم تكن الدولة بأفضل حالٍ فيما مضى ، فمنذ عام 1920م، مثّلت التطورات السياسية والتدخلات الخارجية تكلفة باهظة على لبنان ، وهو اليوم عرضة لخطر وجودي متزايد.
في الختام ، يبدو أنّ ما يُسمّى بـ”فضيلة العنف” لم يعد مجرّد ظاهرة عابرة ، بل أصبح جزءاً من البنية الرمزية التىّ تتشكّل منها نظرة بعض المجتمعات إلى البطولة والقوة ، وهذه المرة ، تأتي الإشارة من عمق الدلالة لا من سطح الحدث ، وهو أمر يستوجب من دمشق أن تتأمله بعين الإعتبار ، والقلق ، والمسؤولية ، إذ إنّ لبنان ، عبر التاريخ ، ظلّ خاصرة سوريا وحزامها الجغرافي والسياسي (سلامة، 2010).
ومنذ أن قامت الدولة اللبنانية المستقلة أسمياً ، تكرّس في وعي الفرد أن البطولة تُكتسب عبر التطبّع بالعنف ، العنف المرتبط بالاقتتال لا بالسلم ، حتى غدا يُنظر إليه كفضيلة ، لأنه ناتج عن صراع الإرادات ، أو بالأحرى نهج عنفي لإثبات الذات وصون الوجود ، في مجتمع لا يعرف الاستقرار في المعنى أو الثبات في القيم (طرابلسي، 2007) ، وهو مجتمع ، وإن أظهر الإعتدال في لغته وخطابه ، يخفي خلف هذا القناع تطرّفاً يختبئ في الظلال ، محتمياً بشرعية شكلية ومفرداتٍ محمّلة بالرموز (بو حمدان، 2015).
إنّ قراءة الواقع بهذه العدسة تكشف أنّ العنف ، حين يُرفَع إلى مرتبة الفضيلة ، يتحوّل من أداة ظرفية إلى ثقافة جمعية ، ومن سلوك استثنائي إلى معيار للحكم على الرجال والأحداث ، وعندها فقط ، تصبح المجتمعات أسيرة وهم القوة ، بينما تتآكل من الداخل بفعل صراعاتها ، حتى ولو ظنّت أنّها تحافظ بذلك على وجودها ، والتاريخ ، كما علّمنا ، لا يرحم من يقدّس أدوات فنائه.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط