كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

انحراف الفكر السياسي

انحراف الفكر السياسي

تاريخ النشر: 2025-10-20 | 11:42

حين تناول يورغن هابرماس في نظريته عن الفعل التواصلي مفهوم العقل، رآه طاقة على بناء التفاهم وشرعية العدالة عبر الحوار لا عبر الغلبة. غير أن السياسة الحديثة حوّلت هذا المفهوم إلى أداة لإدارة القوة وتبريرها، بحيث غدت الواقعية مرادفًا للانصياع، والتوازن عنوانًا لتقنين الظلم. لقد انتقل التفكير السياسي من وظيفة التنظيم الأخلاقي إلى وظيفة التجميل، ومن ضبط العدل إلى هندسة القهر، ويظهر ذلك بأوضح صوره في التعامل مع الفلسطينيين أينما ارتحلوا.

ما يُعرض اليوم بوصفه تفكيرًا رشيدًا في إدارة الصراع ليس سوى إعادة إنتاج لما سمّاه الفلاسفة   “العقل الأداتي”؛ أي ذاك الذي يفرغ من مضمونه القيمي ويُسخّر لخدمة السيطرة، فالقوى الكبرى تنظر إلى المأساة الفلسطينية بعيونٍ حسابية تزن الكلفة والمردود، متجاهلة أن العدالة ليست عملية محاسبية بل التزام إنساني لا يقبل المساومة. وهكذا، تُختزل الجرائم في “أخطاء إنسانية”، وتُمحى الفوارق بين الجلاد والضحية بخطابٍ أخلاقي زائف يدّعي الحياد بينما يكرّس الانحياز.

ما يجري في غزة يكشف مأزق الفكر الغربي في صميمه. فوكو، حين تحدث عن “أنظمة الحقيقة”، أوضح أن السلطة تُنتج الخطاب الذي يحدد ما هو معقول وما هو غير معقول، أي أن المعنى نفسه يصبح أداة للهيمنة. في هذا الإطار، تُمنح شرعية الرشاد لمن يتحدث بلغة “الاستقرار”، بينما يُتهم من يقاوم المحتل بالتهور والجنون. إنه قلبٌ كامل للمعايير: يصبح القصف عقلًا، والصمت حكمة، والموت انتظامًا في نظام العالم.

لقد بُني النظام الدولي على هذا التشويه، حتى صار يطالب الضحايا بالهدوء، فيما يترك للجيوش حق “الدفاع عن النفس” في مواجهة الأجساد العزلاء. حين تُقصف غزة، يستدعى خطاب “ضبط النفس” لا لمطالبة المعتدين بالتوقف، بل لمطالبة الأطفال بعدم البكاء. تلك هي ذروة المفارقة التي تختزل سقوط المعنى الأخلاقي للعقل السياسي المعاصر.

ومع ذلك، فإن غزة تفضح هذا المسار بصلابتها. فبينما تُدار المؤتمرات والبيانات بحسابات دقيقة، ينهض هناك وعي جمعي يرفض الانصياع للمنطق المنمّق، ويعيد تعريف الرشد السياسي بوصفه ثباتًا على الحق لا استسلامًا للممكن. لقد أعادت التجربة الفلسطينية تعريف المنطق الإنساني ذاته: من فنّ المساومة إلى قدرةٍ على الصمود في وجه التواطؤ العالمي. حين تتهاوى المنظومات الرسمية، ينهض ضمير الشعوب عبر وسائل التواصل، كاشفًا أن الحسّ الأخلاقي لدى العوام أصدق بكثير من مؤسسات السياسة.

هذا الانحراف المفهومي لم يقتصر على الغرب، بل تسلل إلى النخب العربية التي استعارت القاموس نفسه لتبرير عجزها. فخطاب “الواقعية” الذي ترفعه بعض الأنظمة لم يعد إلا ستارًا لتبرئة التقاعس وإخماد وعي الجماهير. الطبقة السياسية التي خذلت غزة لا تفعل سوى تكرار النموذج نفسه: تقديم العدل مؤجلًا إلى إشعار آخر، باسم الحكمة وحسابات الإقليم، ومن هذا المنطلق فإنّ التفكير يفقد شرعيته حين ينفصل عن الأخلاق ويغدو وسيلةً للعنف الرمزي.

إن التفكير الرشيد الحقيقي لا يقوم على تبرير التنازل، بل على إعمال القانون الدولي ومحاسبة المعتدين. أما مطالبة الضحية بالهدوء فهي إنكار للمنطق ذاته الذي يدّعيه العالم. المقاومة هنا ليست نقيض العقل، بل استعادة له بعد أن استولى عليه الجناة. وحين يختل ميزان العدالة، يصبح الرفض هو الفعل الأكثر اتساقًا مع الوعي الإنساني.

إنّ ما يجري في غزة يعيد إلينا سؤال المعنى: لمن وُجِد الفكر السياسي أصلًا؟ إن لم يكن لحماية الإنسان، فقد تحوّل إلى عبءٍ على قيم الحضارة. والاختبار الحقيقي يبدأ عندما تُفرض الرشادة على الجناة لا على الضحايا، وحين يُطالَب القوي بتطبيق الشرعية لا الضعيف بالسكوت عنها. فقط آنذاك يمكن القول إنّ الفكر السياسي استعاد وظيفته: نصيرًا للعدالة لا مجمّلًا للظلم.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط