كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

انفراج عارض في الأفق المسدود

انفراج عارض في الأفق المسدود

تاريخ النشر: 2016-01-12 | 09:25

الحوار التلفزيوني المهم الذي أُجري مع الناشط السياسي حمدين صباحي كان كلمة حق لا ريب، والأرجح أنه أريد بها شيء آخر.
(1)
أتحدث عن الحوار الذي أُجري مساء يوم الأربعاء الماضي (6/1) مع الرجل الذي كان بمثابة مفاجأة الأسبوع الأول من العام الجديد، حيث لا أعرف قناة تلفزيونية مصرية مكّنت أي ناشط سياسي مصري من أن يتكلم بمثل تلك الصراحة التي تحدث بها. ذلك أنه لم يتجاوز سقف السيناريو المعتمد فحسب، ولكنه تجاوز أيضا بعض الخطوط الحمر التي لم يجرؤ أحد على تخطيها في الإعلام المباح طوال العشرين شهرا الماضية. وبرغم أن النور قطع أثناء الحوار في «مصادفة» مستغربة، إلا أنه أتيح له أن يستمر بتلك الوتيرة طوال ثلاث ساعات.
حرص القيادي في «التيار الشعبي» على أن يؤكد طول الوقت أنه ينطلق من مبادئ «ثورة 25 يناير» وأنه يعتبر ما جرى في «30 يونيو» التي شارك فيها موجة أخرى للثورة الأولى، كما حرص على أن يثبت احترامه للرئيس عبدالفتاح السيسي وعلى أن ينجح في المهمة التي كلفه الشعب بها، أي أنه أراد أن يسجل أنه يتكلم من داخل النظام وليس من خارجه، ومن موقع الشريك وليس المعارض، وتحت هذه المظلة سجل عديدا من المواقف، استوقفني منها ما يلي:
ـ بعد أن حيَّا السلطة على ما حققته من إنجازات، ذكر أن أهداف «ثوة يناير» التي تمثلت في شعارات العيش والحرية والعدالة الاجتماعية لم يتحقق منها شيء، وقال في هذا الصدد إنه لا توجد رؤية واضحة للمستقبل تنبئ بالاتجاه صوب تحقيق تلك الأهداف.
ـ انتقد عودة سياسات وأشخاص النظام الذي قامت ضده الثورة. كما انتقد تعيين بعض خصوم الثورة أعضاء في البرلمان.
ـ أجرى تمييزا بين «موجة الثورة في 30 يونيو» وبين الخطوات التي تتابعت وتبلورت بعد الثالث من الشهر ذاته، وبدا منحازا للأولى وناقدا للثانية. وكان نقده أشد لشيوع المظالم من خلال ممارسات الأجهزة الأمنية حتى إنه استخدم في ذلك مصطلح «إرهاب الدولة».
ـ واصل انتقاداته لانتهاكات حقوق الإنسان التي تعرض لها شباب الثورة الذين حاولوا التعبير عن أنفسهم بالطرق السلمية، إضافة إلى حملات القمع التي تعرضت لها منظمات المجتمع المدني.
ـ تكلم عن جماعة «الإخوان المسلمين» فلم يستخدم مصطلح «الإرهابية» المقرر على وسائل الإعلام، وفرق بين الجماعة والحزب وبين الأعضاء السلميين أو المتعاطفين، واعتبر أن الجماعة فشلت في إدارة الدولة وكان حظرها السياسي ضروريا، كما أن فض اعتصام رابعة كان بدوره ضروريا ولكن ليس بالأسلوب الذي تم به.
ـ قرر أن كل من حمل سلاحا أو مارس عنفا من «الإخوان» أو غيرهم ينبغي أن ينزل عليه سيف القانون بكل حزم، ولكن الأعضاء السلميين أو المتعاطفين ينبغي أن يعاملوا كمواطنين لهم الحق في التعبير والحق في الكرامة والحياة، وحرمانهم من التنظيم لا ينبغي أن يسقط عنهم حقهم في المواطنة.
ـ اعتبر أن الأسلوب الذي تم التعامل به مع «الإخوان» من أخطاء جهاز الأمن في مصر، حيث ألقى القبض على كثيرين بناء على الشبهات، وتعرض آخرون للمطاردات والترويع وقطع الأرزاق إضافة إلى تعذيبهم في السجون وحرمانهم من الدواء، حتى الدماء التي أريقت في فض اعتصام «رابعة» قال إنها دم حرام لأن دماء كل مصري حرام، ووصف تلك الممارسات بأنها مما ترفضه الكرامة والنفس الأبية.
ـ قال إنه آن الأوان للكف عن تلك الانتهاكات وإطلاق سراح الأبرياء، لأن الدولة القوية يجب أن تكون واثقة من نفسها ولا ينبغي أن تلجأ إلى مثل تلك الأساليب التعسفية.
(2)
صباح يوم الجمعة 8/1 نوهت جريدة «الشروق» إلى الحديث على رأس صفحتها الأولى، إلا أنها وازنت الموقف بصورة لفتت الانتباه، إذ قسمت «المانشيت» قسمين. كان أحدهما كالتالي: «صباحي: أنتمي لمعارضة وطنية لا تهدم ولا تطبِّل. وإلى جواره مباشرة عنوان آخر لأحد النواب الجدد في البرلمان قال فيه: معارضة الرئيس ليست من الوطنية. وسواء تم ذلك مصادفة أو على سبيل العمد، فإن تقسيم المانشيت بين المتحدثين بدا وكأنه محاولة ذكية من الجريدة لإمساك العصا من المنتصف، والإعلان عن أنها ليست منحازة لأي منهما، ولكن صدرها متسع للرأيين.
هذا الحذر كان مبررا لأن كلام حمدين كان بمثابة حجر كبير ألقي في بحيرتنا الراكدة والملوثة، خصوصا حديثه عن «الإخوان» الذي كان بمثابة صدمة لكثيرين ممن اعتبروا «شيطنة» الجميع بغير تمييز موقفا ثابتاً وخطاً أحمر لا يجوز تخطيه تحت أي ظرف. لذلك، فإن فتح المجال لإطلاق هذا الكلام بدا أمراً محيراً ومستغرباً. أسهم في الحيرة أن حوارا من هذا القبيل لا يمكن أن يتم من دون ترتيب مسبق يشمل الموافقة على المتحدث والموضوع والمحاور. لذلك فإن السؤال الكبير الذي شغل المهتمين بالشأن العام في مصر انصب على محاولة تحري دوافع ترتيب تلك الحلقة من البرنامج.
التفسير الذي بدا راجحا في تعليقات شبكة التواصل الاجتماعي على الأقل أن الأمر وثيق الصلة بقلق السلطة والأجهزة مما يمكن أن يحدث في الذكرى الخامسة لـ «ثورة 25 يناير»، خصوصا من جانب شباب الثورة الذين تنادى بعضهم للتظاهر في تلك المناسبة، وارتفعت أصوات بعض «الإخوان» مؤيدة لتلك الدعوة. وهو القلق الذي عبرت عنه الأجهزة الأمنية بإلقاء القبض على بعض النشطاء من بين شباب حركة «كفاية» و «6 أبريل» إضافة إلى آخرين من عناصر «الإخوان». في مسار مواز صدرت إشارات أخرى في اتجاه وصفه بعض الكتاب بأنه «مصالحة مع الشباب»، منها تبني رئاسة الجمهورية لمبادرة أطلق عليها «برنامج تأهيل الشاب للقيادة»، وأعلن الرئيس أن العام الجديد سيكون عام الشباب. كما نشرت الصحف أنه سيتم إطلاق سراح مئة شاب من المحبوسين خلال أيام قليلة. حتى حكم محكمة النقض بتأييد سجن مبارك وولديه في قضية القصور الرئاسية (تزوير وإهدار للمال العام) فسر بأنه محاولة لطمأنة الشباب إلى إدانته وزوال عهده.
من وجهة نظر المخطط السياسي، فإنه في المناخ الساعي إلى احتواء الشباب وامتصاص غضبهم لا تخلو من وجاهة فكرة استضافة رمز سياسي متعاون مع النظام وله قاعدته الشبابية وميوله الناصرية كي يقوم بدور في هذا الإطار.. فيفتح قلبه ويوجه ما يعن له من انتقادات للوضع القائم، ثم ينهي كلامه بدعوة الشباب إلى عدم التظاهر يوم «25 يناير» بدعوى أنه لا مصلحة للوطن أو الثورة في ذلك. وبخطوة من ذاك القبيل يتم اصطياد عصفورين بحجر واحد. إذ تتوافر اللقطة الديموقراطية والفضفضة ويتحقق التنفيس الذي يمتص الغضب، وفي الوقت ذاته توجه الرسالة الأهم المتمثلة في نصح الشباب بعدم المشاركة في التظاهرات التي تزعج السلطات وتتحسب لها.
(3)
الشاهد أن دوافع الكلام وخلفياته احتلت حيزا من الاهتمام والتأويل أكبر من الكلام ذاته الذي فاجأ كثيرين بقدر ما أثار غضب آخرين واستنفرهم. وبرغم أن حمدين تكلم بدرجة عالية من الكياسة والحذر بدا فيها ناصحا مخلصا، فإنه لم يسلم من الغمز الذي اتهمه بأنه «الشريك المخالف» القادم من عالم النسيان، الذي ظهر فجأة لكي يطفئ أنوار الفرح. ونسب إليه آخرون أنه يزايد على الجميع ويشكك في السلطة الوطنية التي لم تتوانَ عن الدفاع عن البلد في الظروف الصعبة التي تمر بها، ودفع ابناؤها دماءهم وحياتهم ثمنا لذلك. واكتفت «الأهرام» التي تجاهلت كلام صباحي بنشر تقرير ناقد تحت عنوان: «حماة الوطن» (الحزب) يستنكر تصريحات صباحي، حيث ذكر متحدث باسم الحزب ان كلامه ضار بمصلحة الوطن... إلخ. وكان ذلك مقدورا عليه لأنه ظل في حدود الغمز والتراشق، والتجريح الشخصي. إلا أن آخرين ذهبوا إلى أبعد، فاتهم أحدهم صباحي بالتآمر على الدولة. وقرأت على شبكة التواصل الاجتماعي أن نيابة أمن الدولة تلقت بلاغا اتهم فيه الرجل بالتواطؤ ضد مصر وتهديد الأمن القومي. وإذا صح الخبر فإن مصير البلاغ ستكون له دلالته، فإهماله له مغزاه واستدعاء حمدين والتحقيق معه ستكون له دلالة أخرى. مع ذلك فلم يخلُ الفضاء الإعلامي من كتابات تجاوبت مع كلام الرجل وأيدت مواقفه التي عبر عنها. ومن الذين امتدحوه من أيد مواقفه التي عبر عنها باستثناء موقفه من «الإخوان».
جدير بالذكر في هذا الصدد أن كلام حمدين صباحي عن الإخوان لم يذهب بعيدا عما قاله الرئيس عبدالفتاح السيسي في حواره مع «هيئة الإذاعة البريطانية» (بمناسبة زيارته للندن قبل شهرين). إذ سئل الرئيس عما إذا كانت جماعة «الإخوان» يمكن ان تلعب دورا مرة أخرى في مستقبل مصر، فكان رده إن «الإخوان جزء من مصر، والشعب المصري يجب أن يقرر أي دور يمكن أن يلعبوه في المستقبل». أي أنه اعترف لهم في الإذاعة البريطانية بحقهم في المواطنة، وهو ذات المعنى الذي ركز عليه صباحي في حديثه، لكنه أغضب البعض لأنه قاله على إحدى القنوات التي تخاطب الجمهور المصري.
(4)
باستثناء الغمز والاتهامات والتجاوب المتحفظ، فإن الملفات المهمة التي أثيرت في الحوار الذي أجراه الإعلامي وائل الإبراشي، أغلقت بعد البث ولم تستدعِ نقاشا يذكر، ساعد على ذلك أن الرأي العام شغل بافتتاح مجلس النواب والجدل الصاخب الذي صاحبه تشكيل هيئة مكتبه، وترددت أصداؤه في جلسته الافتتاحية، وهذا الذي أوردته يمثل جزءا من الإجابة عن السؤال: هل السماح ببث الحوار الذي استغرق ثلاث ساعات دلالة على تغيير ما في الاتجاه السياسي؟ وردي على السؤال أن البث عمل سياسي بامتياز بأكثر مما هو مهني. ومن ثم فله دلالته لا ريب. لكن تلك الدلالة تظل في حدود «التاكتيك» والمرحلية، ولا علاقة له بالاستراتيجية. وما عرضته بخصوص الصلة بين البث وبين ذكرى «25 يناير» يعزز ذلك الانطباع. بكلام آخر، فإن العقل الأمني الذي يحرك استراتيجية التعامل مع الأوضاع الداخلية لم يطرأ عليه أي تغيير أو تطوير. تدل على ذلك المداهمات التي تمت ضد بعض منظمات المجتمع المدني قبل يومين من بث الحوار. وتشهد به تقارير المنظمات الحقوقية عن احتجاز النشطاء ومعاملة المسجونين السياسيين، إلى غير ذلك من القرائن الدالة على أن حوار حمدين صباحي كان إجراء وقائيا لمواجهة ظرف مؤقت، ولم تكن له دلالة سياسية أبعد من ذلك. إن شئت فقل إنه انفراج مؤقت في الأفق السياسي المسدود. مع ذلك يظل ما قاله الرجل كلمة حق أعلنت على الملأ، وإن أريد بها شيء آخر. وهو ما يعني أنها تحسب له وليس لنا ـ لذا لزم التنويه، كي لا يحمل الكلام بأكثر مما يحتمل.

عن السفير

×
أخبار
بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط