كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

إنكار الحقيقة لا يلغيها وعبثية التنكر لحقوق شعبنا لن يسقطها

إنكار الحقيقة لا يلغيها وعبثية التنكر لحقوق شعبنا لن يسقطها

تاريخ النشر: 2022-04-12 | 07:10

ثلاثون عاما احتاجها الجنرال متان فلنائي، الذي كان يشغل القائد العسكري لجيش الاحتلال الاسرائيلي لقطاع غزة إبان اندلاع الانتفاضة الكبرى في ديسمبر 1987، كي يعترف علنًا في ذكرى اندلاعها الثلاثين، أنه لم يكن لدى المؤسسة الأمنية و السياسية في اسرائيل أي توقع بإمكانية اندلاع تلك الانتفاضة و أنها تفاجأت بذلك الانفجار الشعبي، الذي غيّر إلى حد كبير في حينه مجرى الصراع الفلسطيني الاسرائيلي . فقد كانت اسرائيل تعيش حالة انكار الواقع الذي يحفره الاحتلال في وعي الفلسطينيين لحقيقة أن هذا الاحتلال ليس قدرًا لا رادّ له، ولم يكن قادة الاحتلال مستعدين لا للنظر في مرآة بشاعة احتلالهم في عيون الفلسطينيين، أو حتى مجرد النظر لرؤية أن الفلسطيني المتمسك بحقوقه الوطنية موجود ويكبر يوميًا على واقع شدة بشاعة احتلالهم .

 

و رغم الانفجار الكبير الذي هز في حينه ليس فقط تل أبيب والعواصم الاقليمية والدولية التي سبق واعتقدت أن قضية الشعب الفلسطيني بعد الخروج من بيروت قد نحيّت جانبًا و أنه آن الأوان لتمزيق منظمة التحرير الفلسطينية التي تمثلهم، ومعها سيكون ممكنًا تمزيق حقوق وقضية الشعب الفلسطيني، كما كان قد صرح بذلك مستشار الأمن القومي الأمريكي في حينه زبغنيو بريجنسكي عندما قال "باي باي منظمة التحرير "، إلا أن قادة اسرائيل استمروا في إنكار واقع أن الفلسطيني قد سئم العيش تحت الاحتلال و أنه مصمم بمقاومته الانتفاضية على نيل حريته واستقلاله .

اسحق مردخاي الذي كان يشغل قائد المنطقة الجنوبية لجيش الاحتلال، و في لقاء له مع مراسلة الصاندي تايمز البريطانية "اعتبر أن ما يجري مجرد عبث أطفال سرعان ما سيتمكن الجيش الاسرائيلي من اخماده واعادة السيطرة عليه"، كان ذلك ما أخبرتني به المراسلة في لقاء معى في فندق المارنا هاوس في مدينة غزة، ردًا على سؤالها لمردخاي عن الانتفاضة و القيادة الموحدة التي كانت تتبلور للتو . ولم يكن بإمكاني في حينه سوى الرد المحايد بأن الأيام و الأسابيع القادمة هي التي ستكشف من هم الأطفال؛ أشبال الانتفاضة وقيادتها الشابة أم مردخاي وجيشه الذي كان يتحول في حينه من خامس جيش في العالم والأول في الشرق الأوسط إلى شرطة فاشلة تطارد من كان يسميهم الأطفال العابثين في أزقة مخيم جباليا والشاطئ والنصيرات وغيرها . و هذا ما اعترفت به ذات المراسلة وهي تضحك مقهقهة عندما التقيتها في تونس بعد ابعادي من قطاع غزه بأسابيع" نعم، هو كان الطفل الذي لا يريد أن يصدق ما يجري". فقط دان شمرون رئيس هيئة الأركان الذي اعترف بأن ما يجري هو تعبير لارادة شعب يرفض الاحتلال، ولا يمكن كسر ارادة حركة وطنية يريد شعبها أن يعيش حرًا .

 

مشكلة إسرائيل الأزلية هي إنكار الحركة الصهيونية لحقيقة الشعب الفلسطيني وجذوره الراسخة في هذه البلاد، و أن هذا الشعب لن يساوم مهما قست عليه أو خذلته الأيام العابرات، ومن هذه الحقيقة التوراتية تواصل حكومات اسرائيل المتعاقبة إنكار ليس فقط حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، لا بل وانكار وجوده كشعب، وأن الفلسطينيين ليسوا سوى مجرد سكان يجب التعامل مع احتياجاتهم . هنا تكمن الكارثة الحقيقية التي تلازم الفكرة الصهيونية، و التي ستكون مقتلها إن استمرت اسرائيل تسلم بذلك كحقيقة،والتي هي في الواقع العبث بعينه، والذي سيجر المنطقة إلى المزيد من الكوارث على الشعبين، حتى يفيق حكام اسرائيل من أحلامهم التي لا ترى في الفلسطيني سوى كابوسًا يؤرق ليلهم و أنه لابد من إزاحته من الطريق .

جوهر أسباب فشل ما سمي بالتسوية السياسية هو أن اسرائيل الصهيونية لا تؤمن سوى بروايتها التوراتية، وقد سعت عبر ما عرف بسلام اوسلو لكي وعي الفلسطيني وتنحية روايته و اجباره على التسليم بالرواية التوراتية، و أن الوجود الفلسطيني العابر من وجهة نظرهم يمكن احتوائه عبر الالحاق الاقتصادي كما كان عشية الانتفاضة الكبرى حيث كان يعمل في اسرائيل حينها ما يزيد على ربع مليون عامل من القطاع والضفة بما فيها القدس، وكانت الاوضاع الاقتصادية حينها أكثر من جيدة ولكنها لم تمنع اندلاع أكبر انتفاضة في تاريخ المنطقة، بل و لم تتمكن من احتواء المقاطعة الاقتصادية للبضائع وسوق العمل معًا.

بعد حوالي ما يقرب من ثلاثين عامًا على عملية مدريد واشنطن و من ثم أوسلو ، تعود حكومات اسرائيل لتسقط مجددًا في عبثية انكارها للحقيقة، و تستكمل محاولة تنكرها للحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني . بغض النظر كيف تمكنت المؤسسة الاسرائيلية خلال هذه السنوات من ازاحة المجتمع الاسرائيلي عميقًا نحو اليمين الأكثر تطرفًا منذ نشأتها، على أهمية بل وضرورة مناقشة ذلك، وبما يشمل المسؤولية الفلسطينية والدولية عن هذه التحولات ،إلا أنه لا يمكن إنكار أن تلك المؤسسة ولأسباب متعددة أهمها فلسطينيًا الانقسام الداخلي، وازدواجية المعايير والنفاق الدولي، نجحت إلى حد بعيد في اضعاف مكانة القضية الفلسطينية، كما نجحت في ترويض واحتواء و تفتيت الحركة الوطنية الفلسطينية سواء في اطار منظمة التحرير حيث سلبتها جزءًا أساسيًا من مشروعيتهاعندما أجبرتها واقعيًا على الاعتراف الضمني بروايتها التوراتية دون أن تقدم لها شيئاً من الحقوق الوطنية ورواية الفلسطينيين التاريخية، كما أنها نجحت إلى حد بعيد في ترويض حركة حماس التي ظل يطغى على استراتيجيتها هوس السيطرة على التمثيل الفلسطيني، وأن تحل محل منظمة التحرير الفلسطينية ، وبهذه الوسيلة التي تشكل جذر الانقسام أدارت اسرائيل لعبة التذويب المتدرج لمكانة القضية الفلسطينية، و اعتقدت ، وهنا مقتلها ، أن انتصارها على جناحي الحركة الوطنية الفلسطينية يشكل انتصارًا تاريخيًا للحركة الصهيونية على الرواية التاريخية للشعب الفلسطيني ، وهي ما زالت تعيش حالة الانكار لحقيقة الشعب الفلسطيني والتنكر لحقوقه، و تتوهم أنها بما تسميه السلام الاقتصادي سيكون بمقدورها اختراع ليس فقط قيادة تتماشى مع روايتها، بل وخلق حقائق تجعل من روايتها الوحيدة السائدة ، و قد زاد من أعراض هذا الوهم ضعف وتفكك القيادة الفلسطينية وانقسام الحركة الوطنية، بالاضافة لارتماء النظام العربي الرسمي في حظيرة المشروع الاسرائيلي الذي يواصل انكار الحقيقة و التنكر لحقوق الشعب الفلسطيني. 

لقد فشلت اسرائيل استراتيجيًا في فهم حقيقة الخيط الرفيع الذي يميز بين الشعب الفلسطيني و بين الحركة الوطنية الفلسطينية، فالشعب هو الذي أنشأ حركته الوطنية و اطاره التمثيلي، و بالنسبة له ستظل حركته هذه ممثلة له طالما هي متمسكة بتطلعاته وبوحدته و وحدة مصيره وبحقوقه الوطنية على الأقل كما عرفتها الشرعية الدولية، ودون ذلك فالشعب الفلسطيني الذي أنشأها قادر على انشاء غيرها. قد تكون اسرائيل انتصرت واقعيًا على الحركة الوطنية الراهنة أو تمكنت من تدجينها واحتوائها، و لكنها لن تستطيع أن تنتصر وفق منظورها على الشعب الفلسطيني أو أن تلغي وجوده وحقوقه، فكلاهماغير قابل للإلغاء.

الفلسطينيون عندما كانوا في ذروة قوتهم، كانوا ،بزعامة عرفات و براغماتيته، مستعدون لتسوية تاريخية تضمن لهم الحد الأدنى من حقوقهم الوطنية كما عرفتها الشرعية الدولية، ولذلك في حينها نحّوا بعض أشكال النضال المشروعة وفق القانون الدولي جانبًا، و تبنوا المقاومة الشعبية و المفاوضات، و لكنهم عندما اكتشفوا أن التسوية لم تكن سوى سرابًا لانتزاع كل عناصر قوتهم، بما في ذلك وحدتهم الوطنية التي تشكل أساس قوتهم وكونهم شعب له حقوق عادلة وليسوا مجرد مجموعات سكانية تحتاج لحلول اقتصادية وانسانية ، باتت الأغلبية الشعبية تعود مجددًا لجذور الصراع ومنشأه وهي تسعى بالفطرة ربما لاستعادة أدواته العصية على الانكسار أو الاحتواء أو التحييد، كما تمكنت من القيام بذلك مع طرفي الانقسام المهيمنين على المشهد العام. 

بهذا المعني يمكن فهم طبيعة وخلفية ما يجري هذه الأيام، وجوهره أن الاعتقاد بامكانية تصفية حقوق الفلسطينيين مجرد وهم وسرعان ما يتهاوى، بل إن هذا الاعتقاد العبثي هو السبب الحقيقي لتصاعد أعمال العنف، حيث تستميت حكومة الاحتلال و الاستيطان للاستمرار في انكار حقيقة الشعب الفلسطيني، وصلت فيها حالة من الهستيريا ليس فقط لتسليح المستوطنين واطلاق ارهاب غلاتهم ضد المدنيين العزل من أبناء الشعب الفلسطيني، بل ودعوة كل الاسرائيليين لحمل سلاحهم و اطلاق النار دون رادع قانوني تحت ذريعة حماية الأمن وبهدف تصدير الشعور الزائف بأن اسرائيل النووية في خطر ، والحقيقة أن من يعاني الخطر والهزيمة فقط هو الزيف الذي يتنكر للفلسطيني وحقوقه ويتوهم الانتصار التاريخي على روايته.

فالفلسطينيون اليوم يجددون روايتهم ويعيدون بناء حركتهم الكفاحية وينتفضون على الاحتلال وعلى حالة الركون وقلة الحيلة والتكيف الذي توهم أنه أرسى أسسها . وأظن أن تاريخ الصراع يجلي حقيقة راسخة وهي أنه كلما أوغلت اسرائيل في دم الفلسطينيين كلما عجلت في بلورة ما يوحدهم في الميدان تمهيدًا لوحدتهم في السياسة . السؤال الكبير هل تستوعب قيادات الهيمنة الانقسامية إرادة الناس وبوصلتها أم أنها تضع نفسها على هوامش التاريخ ؟! والسؤال الأخير ما هو الثمن الذي تحضر له حكومة الاحتلال من ضحايا بين الشعبين حتى تعترف بأن الطريق الوحيد للأمن والسلام هو فقط بانهاء الاحتلال والعنصرية و تُقر بحقوق الشعب الفلسطيني، و في مقدمتها ممارسة الحق في تقرير المصير بكل أبعاده ومكوناته .

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط