كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

أنوار الفلسفة وظُلمات الجهل

أنوار الفلسفة وظُلمات الجهل

تاريخ النشر: 2015-12-01 | 17:02

في الخميس الثالث من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) يحتفل العالم باليوم العالمي للفلسفة. وهي كلمة من أكثر الكلمات استعمالاً، ونسمعها بشكل مستمر، تُستعمل في تعابير لغوية عديدة، ومع ذلك لن تستطيع أن تجد شخصين يتفقان على تعريفها وإعطاء دلالاتها.
لكن الناظر إلى التاريخ، وخصوصاً التاريخ العربي الإسلامي، سيكتشف أن كل الحضارات بُنيت على الفلسفة، بدونها لا يوجد إبداع ولا تحضُر، هي حقيقة مصدر الإنارة لكل الناس، وليست حكراً على نخبة معينة.
الحضارة اليونانية أسست للفلسفة مع رجال عظام مثل أرسطو، الذي عاش بالقرن الرابع قبل الميلاد، ومعلم إسكندر المقدوني. بنى فلسفته على مفهوم أن الفكر هو الأداة والوسيلة للمعرفة، كذلك أفلاطون، مؤسس علم المنطق، الذي عاش بالقرن الخامس قبل الميلاد، والذي عرف الفلسفة "بالسعي الدائم لتحصيل المعرفة الكلية الشاملة، التي تستخدم العقل وسيلة لها، وتجعل الوصول إلى الحقيقة أسمى غاياتها".
هذه الفلسفة أسست أيضاً للحضارة الإسلامية عندما نُقلت وطُورت في بلادنا مع ابن سينا والفارابي وعشرات غيرهم، وأهمهم ابن رشد، الذي عاش بالقرن الثاني عشر وعينه خليفة المُوحدين طبيباً ثم قاضياً بقرطبة، وأقبل على تفسير آثار أرسطو، اتهمه علماء الأندلس والمعارضين بالكفر والإلحاد، وأبعد إلى مراكش وتُوفي فيها.
لم يستطع الغرب الخروج من ظُلمات القرون الوسطى، إلا عندما نُقل له بدوره تلك الحضارة، عن طريق المسلمين بالأندلس، وبعد احتلال غرناطة، قام المُنتصرون بزمنه، بأخذ كل الكتب الموجودة بالمكتبات الأندلسية، وهي بالآلاف، وتُرجمت كلها ووُزعت تدريجياً على أنحاء أوروبا. قراءتها وفهمها سمح بخروج فلاسفة وعظماء أوروبيين أمثال ديكارت، مؤسس العقلانية وكانط وغيرهم.
الحضارة الصينية بُنيت أيضاً على فكر كنفوشيوس، الذي كان يُدعى نبي الصين، وعاش بالقرن السادس قبل الميلاد، واستمر فكره لقرون طويلة حتى وصول الشيوعية بالقرن العشرين، فكر مُسالم أخلاقي، تُختصر فلسفته بـ "أحب لغيرك ما تحب لنفسك".
انتقلت الأمم من الحضارة المتنورة إلى الظُلمات، عندما ابتعدت عن الفلسفة، فبعد نفي ابن رشد من الأندلس إلى مراكش لم تقُم لنا قائمة، وحكم اليونانيون بالموت على فيلسوفهم سقراط، وسجن كهنوت روما علماءهم كجاليليو وكوبرنيك، واستنكروا عليهم كشوفاتهم، وحتى كون الأرض كروية وتدور حول الشمس.
لماذا هذا الترابط الوثيق بين الحضارة والفلسفة، لفهم ذلك علينا أن نُعطي تعريف الفلسفة المُتوافق عليه كحدٍ أدنى، وهو "ذلك النهج الذي يضع الإنسان كهدفه الوحيد مُستعملاً العقل كوسيلة والوجود كمجال".
كل إنسان يعمل بمهنته بهذه المُعطيات، هو فيلسوف بعمله ومجاله، يُساعد على نشر النور وكل من دعا إلى الغيبيات والابتعاد عن العقل والفكر، والاعتماد على النصوص الغيبية والدينية لتفسيرها فقط، هو مبعث للظلمات.
استطاع ابن رشد في زمنه، أي القرن الثاني عشر، التوفيق بين الفلسفة والدين، عن طريق إعطاء الأولوية للعقل دائماً، ولم يكن ذلك مُعتبراً خروجاً عن الدين، بل إغناء له وهو ما يُسمى الاجتهاد، أي توفيق الدين مع العلم والفلسفة وليس العكس. لذلك دفع ابن رشد حياته ثمناً لإصراره على هذا النهج العلمي، فتحت ضغط شيوخ زمانه على خليفة الموحدين، أبو يعقوب، نُفي ومات في مراكش، وهو الذي فسر كتب أرسطو، ويُعتبر تفسيره لحد الآن، المرجعية الفلسفية لفهم هذا الفيلسوف اليوناني العظيم، ويكون بذلك قد سهل على الغرب فهم فلسفة اليونان، ووضعهم على طريق الخروج من القرون الوسطى، والوصول إلى زمن النهضة، بينما لم يتمكن، لسوء طالعنا، من فعل ذلك في ديار الإسلام.
نستنتج من ذلك أن تنحية العقل والفكر هو المصدر الأول لكل مآسينا، منذ ثمانية قرون، وإن لم نعد إلى هذا النهج، سنبقى خارج التاريخ. ففي بداية القرن العشرين حاول الشيخ محمد عبده، بناء فكر متنور مشابه، ولكنه لم يتمكن من الاستمرار، نتيجة الضغوط الاجتماعية المُحافظة والتي لا تقبل التغيير.
الاحتكام فقط إلى النصوص اللاهوتية، مهما كانت، تؤدي كما نرى وفي واقع تجاربنا المرة إلى خروج وحوش من بين ظهرانينا، لأن الاعتماد على النص يعني عملياً الاعتماد على تفسيراته العديدة، حسب المدارس الدينية، وهو ما يعني أن أي نص ديني مهما كان، يمكن أن يؤدي عند أُناس مثل الشيخ محمد عبده، إلى البناء والعلم وعند ظلاميي خوارج العصر إلى قطع الرؤوس ودمار المجتمع.
ناتج ذلك كله يفيد بأن العودة لفكر محمد عبده ومن قبله ابن رشد، وإعادة الاعتبار للفلسفة، قد يساهم أو ربما يكون كفيلا بإعطاء الأمة، أمل الانتقال من الظلمات إلى النور، وما ذلك على الله بعسير.
في بلاد الغرب تُدرس الفلسفة كمادة مهمة في البرامج المدرسية، في فرنسا تُفتتح دورة امتحانات نهاية المرحلة الثانوية بامتحان الفلسفة، الذي يتكلم عنه وتتباهى بالإجابة على أسئلته، كل وسائل الإعلام، المكتوبة والمسموعة والمرئية. أما في بلادنا فلا يوجد لمادة الفلسفة مكان، وهي مع الأبحاث العلمية، تُعتبر من الكماليات، بمعنى أن لا أولوية لها في ظروفنا الصعبة !.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط