كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

أن يحدث المستحيل هكذا فجأةً

أن يحدث المستحيل هكذا فجأةً

تاريخ النشر: 2016-02-08 | 20:09

منذ بداية الانقسام الفلسطيني الذي صبّ بمشكلاته على رؤوس المواطنين في قطاع غزة، وبدرجة أقل في الضفة الغربية، اعتاد الإنسان الفلسطيني في روتينه اليومي على تعدد أشكال المعاناة الدائمة منقطعة النظير.

في بدايات الأزمة كان هناك إيمان شعبي بأن كارثة الانقسام ستكون مؤقتة وأنّ إمكانية الوصول إلى حل توافقي بين طرفي الصراع هي مسألة ليست بالصعبة، لكن فيما بعد بدأ هذا الإيمان يتقلص تدريجياً حتى أيقن الفلسطينيون أن حلم الوصول إلى وحدة حقيقية هو حلم معقد على الرغم من التصريحات الإيجابية بهذا الشأن من قِبل أطراف النزاع، لأن الفلسطينيين باختصار قد فقدوا الثقة بقياداتهم المتناقضة.

مختلف استطلاعات الرأي تشير دائماً إلى أن المواطن الفلسطيني لم يعد متفائلاً من إمكانية تحقيق أي انجاز حقيقي للتوافق والوحدة بسبب فقدان الثقة بالتنظيمات الفلسطينية المتصارعة وقياداتها، ومع الأسف هذه التنظيمات لم تدرك بعد عمق التحولات الفكرية في عقلية المجتمع الفلسطيني تجاهها، إلا أن هناك رغبة شعبية عارمة في المصالحة الوطنية، لأن الشعب الفلسطيني يدرك بحكمته خطورة ما آلت إليه الأمور التي صنعها الانقسام، ويدرك أن استمرار التناقض والتصارع بين التنظيمات ما كان ولم يكن ولن يكون في مصلحة القضية الفلسطينية التي باتت ضعيفة جداً أكثر من أي وقت مضى في المشهدين العربي والدولي.

ثمانِ سنوات والرؤية الفلسطينية الجوهرية غائباً تماماً، وبما يوازي هذا الزمن خسرنا ما يكفي من عمر القضية حيث تراجعنا عقوداً إلى الوراء، ثمان سنوات لم ندرك خلالها خطورة التحولات في تلك المرحلة. زمن طويل من الصراع جعل من الصورة النمطية للفلسطينيين في الخارج قبيحة، أو على الأقل مُلتبسة، لأن الصراع عبر وسائل الإعلام وصل إلى مستويات خطيرة ومؤسفة بسبب سياسة الردح والتشهير المتبادل بين أطراف الانقسام، سنوات عجاف مرت بدون إستراتيجية موحدة في مواجهة المحتل الإسرائيلي.

الصراع الفلسطيني خلق تساؤلات لا يمكن تجاهلها، ويبقى السؤال الأهم، متى تدرك الأطراف المتخاصمة خطر استمرارية الفرقة الفلسطينية، متى تدرك عمق الأجندات الخارجية التي توظف الانقسام لصالح الاحتلال؟ ثمة أشياء تحدث خلف الكواليس لم ندرك خطورتها بعد، لا يوجد هناك سبب يبرر استمرار الانقسام، طالما أن هناك رغبة شعبية في طي صفحته للأبد.

بالأمس غير البعيد أضاف القيادي في فتح عزام الأحمد خيبة أمل جديدة في واقع الصراع المعتم بعد تصريحاته بأن الانقسام الفلسطيني عاد إلى نقطة الصفر، وجاء بعده النائب في حماس إسماعيل الأشقر الذي دعى أنصار حركته في الضفة المحتلة إلى رفع السلاح في وجه السلطة الفلسطينية، ما زاد الأمور سوءاً وتعقيداً.

ثمة أشياء غير مفهومة في السياسة الفلسطينية، لأن التنظيمات المتصارعة لم تعد قادرة على تحديد معنى دقيق لمفهوم الوحدة والتوافق، هناك غموض وتعقيد في تحديد مفهوم الوحدة الوطنية بالنسبة لحركتي فتح وحماس، حيث بالإمكان وصف العلاقة بين الحركتين بأنها علاقة تنافر بين مشروعين متناقضين، كل مشروع يطرح نفسه بديلاً عن الآخر لا مكملاً له.

كل هذه التناقضات تخلق تساؤلات لم تجد الإجابات المناسبة، منطقياً كيف يمكن توحيد تنظيمات ذات أهداف متناقضة ومشاريع مختلفة في حكومة واحدة؟ هل يمكن التوافق بين تنظيمات تؤمن بالفكر الإقصائي الذي لا يبصر في مرآته أحداً سوى نفسه؟ إنه بلا شك أمر أقرب إلى المستحيل، لأن المشكلة الأولى تكمن في الوعي الحزبي الضيق لدى تلك التنظيمات التي تؤمن فعلياً بالمحاصصة لا بالمصالحة.

إن محاولة التعمق في العلاقة بين حركتي فتح وحماس من وجهة نظر التيار الإسلامي تماماً كمحاولة توحيد وموازنة الحلال بالحرام، حيث أنه من المستحيل أن تتفق حماس التي تتبنى المنهج الإسلامي، مع حركة فتح القريبة من العلمانية، لأن العلمانية والإسلامية لا يلتقيان بالمطلق. لهذه الأسباب ينبغي حل أزمة الوعي الحزبي الضيق، قبل الحديث عن أي مبادرة جوهرية لتحقيق التوافق الفلسطيني. علينا أن نستبدل الوعي الإقصائي بوعي أكثر اعتدالاً يحترم الاختلاف والتنوع ويسعى جدياً إلى التكامل معه، لأن ما حدث ويحدث من نتائج كارثية، يشير إلى مأزق ضيق الرؤية السياسية عند جميع الأطراف التي يبدو أنها لم تدرك بعد، أنها غير قادرة على إدارة المرحلة بالشكل الذي ينبغي.

لا يمكن السماح لأي جهة كانت بعرقلة إي جهد باتجاه إعادة توحيد الجسد الفلسطيني الذي حكم عليه الوعي الحزبي الضيق بأن يصبح عدواً لنفسه، لا يمكن تخيّل أن يبقى الفلسطينيون رهن حكومات تغيبت فيها القيم الوطنية من أجل المصالح الحزبية الضيقة، ومن المؤسف أيضا تحمّل أن تبقى القضية الفلسطينية معلقة رهن حالة الانقسام المأساوي التي ستؤدي حتماً إلى تطورات ستقود إلى الانفصال الدائم وتشكيل دويلتين فلسطينيتين بلا وطن لصالح المحتل الإسرائيلي.

بعد مرور ثمان سنوات على ولادة الانقسام الفلسطيني، وفشل حكومات الوفاق التي تم تشكيلها خلال عمر الانقسام، ومراوحة الأزمات الداخلية مكانها، أصبحت هناك تشابكات كثيرة في المشهد السياسي الفلسطيني، ثمة أمور كثيرة لم تعد مفهومة، هناك أسئلة بلا إجابات ومشكلات بلا حلول، غزة الفقيرة دفعت الثمن الأكبر من ضريبة الانقسام، حيث بات من الصعب إمكانية تحمل استمرار العيش في ظل هذا الواقع المعتم.

إن كانت الجهالة تتمثل في عبورنا نفقاً لا نلمح في نهايته أي ضوء، فإن الشجاعة تتجسد في اجتيازنا طريق الانقسام المظلم، علينا أن ندرك أن الوحدة ليست تصريحات أو اتفاقات نشاهدها عبر وسائل الإعلام، لكنها نمط حياة لمواجهة مشكلات الواقع المعقدة، الوحدة هي إرادة في المضي قدماً في مواجهة الظلم بكافة الوسائل المتاحة، وإن اقتضى ذلك أن تدفع التنظيمات المتصارعة ثمن أخطاء الماضي في سبيل المستقبل.

نقول هذا الكلام القديم، ولن نفتأ نعيده مرة أخرى وأخرى، بمناسبة الحديث الجديد ـ ولا جديد حقاً تحت شمس الفلسطينيين ـ عن اتفاق طور الإعداد يجري البحث في تفاصيله في العاصمة القطرية الدوحة. نقوله ونحن متوجّسون أن يكون هذا الاتفاق على غرار إتفاقات مصالحة عديدة جرت قبل ذلك، ولم تكن تساوي الحبر الذي كُتبت به، لأن البنية التحتية التي أشرنا إليها في متن هذا المقال، هي الضامن الوحيد لنجاح أي اتفاق حقيقي، تنجم عنه مصالحة حقيقية.

ورغم إيماننا بعدم وجود أو توفّر هذه البنية ولو في حدّها الأدنى إلى هذه اللحظة، إلا أننا نرغب في أن يحدث المستحيل هكذا فجأة وتنجح مصالحة الدوحة.

أما إذا فشلت وكانت فالصو كسابقاتها، وهو الأمر المرجّح، ما دام كلا الطرفين لا يؤمنان حقيقة بالمشاركة والتكامل، فلن نصاب بخيبة أمل. ذلك أن حالنا كفلسطينيين صار اليوم مثل حال أحد الشعراء حين قال قديماً:

" تكسّرت النصال على النصال".

×
أخبار
ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط