كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

أوتار القلب: تأملات فلسفية لشخصيات من ورق للمغربية نرجس العطار

أوتار القلب: تأملات فلسفية لشخصيات من ورق للمغربية نرجس العطار

تاريخ النشر: 2019-07-27 | 11:28

تعد رواية ’’ أوتار القلب ’’ للروائية المغربية نرجس العطار، الصادرة عن منشورات التوحيدي سنة 2018 من الأعمال الأدبية المميزة.

تدور الرواية حول مجموعة من الشخصيات تربطها علاقة الحب والموسيقى والفن والفلسفة والانتظار. يمكن تأويلها من منظورين مختلفين : منظور أدبي سردي يتعلق بالشخصيات، الزمان والمكان، الأحداث والرسائل التي تحاول الكاتبة ايصالها ما بين الأسطر وعبر الخطاب السردي، ومنظور فلسفي حيث التأمل والتساؤل والشك في تداخل مستمر. ولعل هذه الخصائص أحد أبرز سيمات هذه الرواية التي تمكنها من الانفراد بطابعها، ويصعب على المتلقي تصنيفها في مجال معين.

ما يهمنا كقراء بالدرجة الأولى، هو الأسلوب الحديث المعتمد في الكتابة.

فالرواية عبارة عن نص على شكل شذارت وفصول تتخللها نوتات موسيقية. سيلاحظ القارئ حضور الموسيقى بشكل ملفت للنظر ويدعو للتساؤل عن سبب ادراجها كعنصر مهم في تشكيل نسق الرواية. من الناحية الشكلية، تتميز الرواية بطابعها الحديث، المتمثل أساسا في اللغة الشعرية وتداخل الأجناس والتداخل النصي.

ليس غريبا وجود هذا البعد الفلسفي، نظرا لأن الكاتبة هي في الأصل أستاذة لمادة الفلسفة وتلقت تكوينا فلسفيا وموسيقيا محضا.

من اللحظة الأولى التي سيقرأ فيها القارئ عنوان هذه الرواية، سيتبادر الى ذهنه فكرة وجود عالمين مختلفين، لكن يتقاطعان بشكل مستمر ويتكاملان في بعض الأحيان. ’’ أوتار القلب’’ عنوان شهي جدا، فهو يحمل في طياته عالم الموسيقى والأدب بطريقة ذكية، والتي لا نظنها محض مصادفة. فالموسيقى حاضرة في العنوان من خلال كلمة ’’ أوتار’’ التي ترمز لمجموعة من الآلات الموسيقية من قبيل الكمان، الغيتارة، العود، القانون وغيرها. أما الأدب فقد تمت الاشارة اليه من خلال كلمة ’’ القلب’’. هذه الكلمة قد تبدو بسيطة وعادية، ولكنها في الحقيقة ذات ايحاءات متعددة ومعاني عديدة. فالأدب قبل أن يكون نتاجا لمخيلة خصبة وتجارب معاشة، هو في الحقيقة نتاج للعاطفة المدمرة والحس القوي الذي يتمتع به الكتاب والشعراء. بطريقة أخرى، القلب أساس أي ابداع فني كيفما كان نوعه أو شكله.

لذا، فالكلمتان تعكسان تزاوج وارتباط الموسيقى بالأدب في النص، قبل البدء في قراءته. تجدر الاشارة هنا، الى أن الموسيقى من المواضيع النادرة التي يتناولها الأدباء المغاربة، فقط القلة القليلة من يستحضرونها في أعمالهم، نظرا لتعلقهم الشخصي بها، أو لأنهم يمارسونها، وبالتالي يصعب عليهم الكاتبة خارجها. نرجس العطار، ربما الوحيدة من الكتاب المغاربة الذين مزجوا بين الموسيقى والأدب في نسق أدبي واحد. فقراءة رواية ’’ أوتار القلب’’، ذكرتنا برواية ’’ الرباعية’’ للكاتب الهندي الشهير فيكرام سيث، الذي دمج فيها بين الموسيقى والأدب. بهذه الطريقة، تتجاوز الكاتبة الأدب التقليدي نحو أدبي فني بامتياز، أو ما أسماء تيوفيل غوتيي بالفن من أجل الفن. فالرواية تعطي للقارئ انطباعا على أنه امام نص تتداخل فيه الأجناس والفنون باستمرار. يتولد لديه شعور بأنه يعرف الشخصيات حق المعرفة، أو يشاطرها بعضا مما تشعر به.

فقد اعتاد القارئ وجود شخصيات محددة ومؤلوفة الملامح والصفات. تتصرف كل منها بشكل عقلاني او متناسق مع خلفياتها النفسية والاجتماعية والفكرية والسياسية.

شخصيات تتفاعل مع محيطها وتعكس صورة من صوره الباهتة. نجد في رواية نرجس العطار، شخصيات من ورق كما تصرح بذلك الكاتبة في مدخل الرواية : ’’ يوما ما سيقرأ شهاب قصة نيزك، وسيعلم في الأخير أنه كان بطلا على ورق’’. من خلال هذه الجملة نتعرف على الشخصيات البطلة لرواية ’’ أوتار القلب’’. شخصيات لها أسماء كواكب ونجوم، غير واضحة ومتحركة في فضاء يتداخل فيه الشعر والنثر. لا تترك الروائية فرصة للقارئ لمعرفة اذا ما كانت هذه الشخصيات مستمدة من الواقع. فهي مجرد أبطال على ورق، أي انها شخصيات من محض الخيال ولا تربطها أية علاقة بالكاتبة.

تجمع بين شهاب ونيزك علاقات عاطفية، موسيقية وشعرية. بالرغم من انها شخصيات ورقية، إلا أن الكاتبة نفخت فيها روحا، حتى أصبحت ملامحها وعواطفها ظاهرة للقارئ. تتميز هذه الشخصيات بنوع من الغموض، تظهر في الواقع بطابعها الواقعي من خلال استحضار الذكريات وبعض الأحداث المتعلقة بالعائلة والدراسة والسفر، لكن سرعان ما تدخلنا في دوامة من الغموض، خاصة عندما يتعلق الأمر بالرؤى والأحلام والأوهام. قول أنها شخصيات من روق، هي في الحقيقة مراوغة ذكية من كاتبة ذكية، لتفادي النبش في سيراتها الذاتية ومقارنتها بمصير وأسرار شخصياتها. بهذه الطريقة تتبرأ نرجس العطار من أي تأويل قد يجمع بين الواقعي (حياتها) والمتخيل (قصة شخصياتها).

اذا كانت شخصيات نرجس العطار من الورق وتتميز بصفات كونية، فالمواضيع التي تتناولها الرواية مختلفة ومتعددة. تحاول الكاتبة تشكيل أفكارها والمواضيع التي كانت ترهق تفكيرها بطريقة فريدة. يجد القارئ نفسه أمام سيل جارف من التساؤلات، فالشخصيات البطلة لا تتوقف عن طرح الأسئلة ومحاولة تعريف كل ما يحيط بها. لا تقدم رواية نرجس العطار معان جاهزة يمكن للقارئ أن يتناولها بيسر وطمأنينة، بل تضعه في نوع من المتاهة التي يتطلب اجتيازها الكثير من الدقة والوعي والتركيز في القراءة. فالرواية وإن كانت تعالج بعض المواضيع من قبيل: الحب، الموسيقى، الحنين، الألم والمعاناة، التفكير الدائم في العالم والأشياء، الوهم، الدراسة، الأدب، النسيان....فهي غير مبنية على أفكار محددة أو طرح معين، فالكاتبة تترك للقارئ فرصة الاجابة عن أسئلة شخصياتها. أي انها تشرك القارئ بطريقة تفاعلية في البحث عن إجابة للأسئلة المطروحة.

تظهر الرواية كنوع من الألعاب التركيبية التي يتطلب من القارئ جمع أجزاءها المبعثرة ليعطيها الشكل المناسب. فالذكريات التي ترويها الكاتبة على لسان شخصياتها مبعثرة ولم يتم سردها بطريقة متسلسلة، وبالتالي يجب على القارئ إعادة دمجها كي يكتمل المعنى وتتضح الرؤية. فأوتار القلب، نص بخيوط متعددة، تلتقي كلها في الماضي عن طريق الذكريات. قد تبدو قصة الحب التي ترويها الكاتبة وما نتج عنها من معاناة وألم موضوعا مستهلكا في الأدب، لكن الطريقة التي تم بها سرد هذه القصة تجعلها فريدة من نوعها، وتدخل ضمن الأدب الحديث، الذي يجعل من القارئ عنصرا مهما في بناء الأحداث مع الشخصيات وملء الفراغات المتروكة بين وخلف الكلمات.

فإذا كانت هناك تقطعات وغياب للسرد المتسلسل في الرواية، يمكن أن نقول أنه قد أثر أيضا على اختيار الزمان والمكان. فالرواية تعود بنا الى الماضي. فقد ركزت الكاتبة بشكل كبير على الماضي، ويتجلى ذلك من خلال الجزء الكبير الذي سخرته لسرد القصة، خاصة الفترة المتعلقة بالدراسة. لذلك، فالرواية هي إعادة تشكيل للحظات الفارقة في حياة الشخصيات البطلة : ذكريات الطفولة، فترة الدراسة، فترة السفر و لحظات شرب القهوة...تعتمد نرجس العطار تقنية تقريب ومجاورة الأزمنة والأماكن، وذلك ما يضع القارئ في جو متواقت ومتعدد الأماكن من قبيل : المدرسة، المعهد الموسيقي، اسبانيا، محطة التاكسي، السوربون، تطوان...فتعدد الازمنة (الطبيعية، الثقافية) والأماكن (الواقعية، الخيالية) يجعل عملية الانتقال الفوري من منطقة أو لحظة لأخرى، من الواقع الى الخيال، أو من موضوع لآخر تتم غالبا دون مقدمات ودون استعمال أي من التعابير الظرفية الممهدة لذلك.

تدرك نرجس العطار عمق الروابط بين الكتابة والموسيقى، أو بالأحرى بين أن تكون كاتبا وعازفا في آنٍ واحد. اذا كان كل عمل روائي، أو شعري، أو مسرحي، يحرص منذ القدم على الاشتغال على الموسيقى كجزء مهم للتركيبة الداخلية والخارجية للنص، فالكاتبة جعلت من روايتها نقطة حوار بين الأدب والموسيقى. وأول ما يلفت النظر بهذا الخصوص، هو كون عناوين الفصول عبارة عن نوتات موسيقية، بحيث أن الروائية جعلت من الحقل الدلالي الخاص بالموسيقى مرجعها الرئيسي في كتابة هذه الرواية. كما أن التعابير التي استعملت في السرد تنتمي في غالبيتها الى مفردات الموسيقى. وهذه العبارات لم ترد بالمصادفة، وإنما بالتقاء الفنين. بل أكثر من ذلك، تستحضر الكاتبة أسماءا لامعة في عالم الغناء والموسيقى مثل : أم كلثوم، جاو دسان وآخرون. وجود الموسيقى كتيمة وكعنصر أساسي في متن الرواية، يجعل منها نصا شعريا غنائيا حيث المساحة الأكبر للعواطف والأحاسيس الجياشة. فالكتابة بحس فني موسيقي يجعل من الأحاسيس تتحرك وكأن الكلمات عبارة عن أوتار كلما لمستها الكاتبة الا وخلقت حركية إيجابية تختلط في كثير من الأحيان بذكريات قاسية كالفراق والحرمان والحنين والشعور بالتمزق والوحدة. تضع هذه الرواية المتلقي أمام عالم متحرك، تجعله يعيش لحظة بلحظة ألم العشق القاسي، من خلال تسارع المشاهد والأحداث التي قد تأثر فيه بشكل مباشر. تحاول الروائية جعل آذاننا وأحاسيسنا واعيننا تَأْلَفُ اشتراك عناصر قد تبدو متباعدة، بل متنافرة، للوهلة الأولى، في اداء عمل روائي واحد. وكما قال آلبيريس في كتابه ’’ تحولات الرواية’’ : ’’ الموسيقى تحفز مجرى النص، وتهيء وتشكل ذلك المدى الذي يحدث فيه ويتحدد من خلاله شيئا فشيئا.’’ لذلك، رواية نرجس العطار، تستمد قوتها وأصالتها من الموسيقى.

يمكن القول أيضا، أن رواية ’’ أوتار القلب’’، هي في الأساس رواية شعرية. تعرض لنا لحظات من العشق والحنين بين الروائية الشاعرة والكلمات، وحالة الوجد التي تعيشها وهي تتوغل في أعماق اللغة، تم النشوة أو اللذة التي تمنحها للقارئ من خلال اختيارها للكلمات بعناية فائقة. لا نعتقد أن الهدف من الكتابة هو سرد للأحداث، بل تعبير عن الحاجة الى الإفصاء عن ما هو متجدر في كيان الشاعرة، من قلق وتردد واضطراب ولذة وعطاء. هي رواية شعرية لأنها تعتمد بنى الشعر وأنغامه وروحيته، حتى ولو لم تكن تروي سوى عملية تشكل النص. فالشعر حاضر شكلا ولغة وحسا. شكلا من خلال ادراج مجموعة من القصائد ذات الطابع الحر داخل نسق نثر شعري من الناحية اللغوية والحسية. فالكاتبة تحكي قصة نيزك وشهاب عن طريق الشعر، والرواية تتحول الى أشبه بقصيدة نثرية. هذا الشكل يذكرنا بأعمال ناتالي ساروت، ثم فيليب سولر وجان-بيار فاي، لأنه يهدف الى أبعد بكثير من نرجسية الكاتب، ليشمل نرجسية الشخصيات. بهذه الطريقة الفريدة، تتحول اللغة المستعملة في أوتار القلب إلى وسيلة للخلاص وتجسيدا للوجود.

إن قراءة هذه الرواية، هي في الحقيقة قراءة لقصيدة عشق تنبسط فيها الكلمات ويشتد الخيط الذي يخترقها الى إن تصل الى قلب القارئ وكأن ما وقع لشهاب ونيزك ملحمة أو أسطورة نقشت بعناية كبيرة. فالكلمات تولد إيقاعات موسيقية تتماشى مع العاطفة والمخيلة الخصبة للكاتبة. فقد كتبت بعبارات استخرجت من أعماق اللغة، تم هندستها وفق أنغام تتجاوب وتتكامل مع أحاسيس الشخصيات، لتؤلف لنا سمفونية الكلمة واللحن والصورة.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط