كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

أوجه الاختلاف والتشابه بين الصحافة والأدب

أوجه الاختلاف والتشابه بين الصحافة والأدب

تاريخ النشر: 2016-07-01 | 17:02

إستهلال :

لا أحد يعرف على وجه الدقة ، هل الأدب أقدم من الصحافة ، أم الصحافة أقدم من الأدب؟ . بعض المؤرخين الغربيين يطلقون على الصحافة اسم ( ثاني أقدم مهنة في التأريخ) ، ويجزمون ان مهنة (بيع الهوى) ، هي أول وأقدم مهنة عرفها الجنس البشري .  ولكن لا توجد شواهد أثرية أو تأريخية تؤكد هذه المزاعم ، في حين توجد أدلة قاطعة على ممارسة الأنسان البدائي – ذكراً كان أم أنثى - لحرف ومهن حياتية وعملية ، ضرورية لأستمرار الحياة ، ولم يكن بينها ،هاتان المهنتان .

الأدب قديم قدم الأنسان ، ويحدثنا علماء الآثار والأنثربولوجيا عن نصوص أدبية يعود تأريخها الى  اربعة آلاف سنة قبل الميلاد ، مثل التراتيل الدينية والأساطير والملاحم ، ومن ابرزها ملحمة جلجامش ، في بلاد الرافدين . وكتاب الموتى ، وأناشيد الرعي والأستسقاء والعبادة والغزل في مصر الفرعونية . والذاكرة الإنسانية حافلة بالأعمال الأدبية الخالدة مثل  " الألياذة " و" الأوديسا " لهوميروس ،  ناهيك عن قصص ألف ليلة وليلة ، وكتاب كليلة ودمنة . كل هذه النتاجات الأدبية كتبت  قبل أن يظهر للوجود أبسط شكل من أشكال الصحافة البدائية .

يقال بأن أول (صحيفة) في العالم صدرت في روما سنة 85 قبل الميلاد ،بأسم ( الأعمال الرسمية )  أسسها الأمبراطور يوليوس ، الذي أمر كبار موظفي دولته أن يدونوا جميع أعمالهم على لوح يعلق في الميادين عامة ، ثم صدرت (صحيفة) أخرى كانت اكثر انتشارا لأنها كانت تنشر أخبار الخاصة والعامة .

الصحافة في بداية ظهورها لم تكن منتظمة الصدور، ولم تنشأ أول صحيفة دورية ، الا في سنة 1631  في فرنسا . اما في العالم العربي ، فقد نشأت الصحافة على أيدي الأدباء والنقاد الرواد. ويكفي إلقاء نظرة على تأريخ الصحافة العربية ، وتراجم روادها الأوائل ، في كل من مصر ولبنان والعراق ، وفي سائر البلدان العربية ،  لأثبات هذه الحقيقة الموثقة.

الصحافة والأدب نوعان من الإبداع اللفظي . ولكنهما يستخدمان أدوات تعبيرية مختلفة ، وأساليب لغوية متباينة ، وقد أخذا منذ أواخر الخمسينات من القرن الماضي يقتربان من بعضهما من حيث استخدام التقنيات الكتابية والمادة الخام ، ويمكن تلخيص أهم وجوه الأختلاف والتشابه بينهما، في نقاط محددة وواضحة ، على النحو التالي : 

أوجه الأختلاف :

1- تقوم الصحافة على جمع وتحليل الأخبار والتحقق من مصداقيتها وتقديمها للجمهور وغالبا ما تكون هذه الأخبار متعلقة بمستجدات الأحداث على الساحة الداخلية والخارجية ، أوتتناول شتى جوانب الحياة السياسية والأقتصادية والثقافية والأجتماعية والرياضية وغير ذلك. وأغلب ما يكتبه الصحفي يستند الى وقائع وأحداث حقيقية واناس حقيقيين . الصحفي المحترف هو في خضم الناس والأحداث دائماً ،ومثل   الجندي في خندق القتال ، في حالة استنفار دائم . اما الأديب فأنه يعمل ، في عزلة وهدؤ ، عندما يأتيه الألهام ويكتب في تأمل وروية في البيت أكثرالأحيان ، وان كان بعض كبار الروائئين والشعراء اعتادوا الكتابة في المقاهي أيضاً .

2- الصحفي العامل في الصحافة اليومية أو الأذاعة أو التلفزيون ، لديه مواعيد محددة لأنجاز ما كلف به من أعمال .وكلما اسرع في عمله كان ذلك افضل . فهناك المنافسة والسبق الصحفي ، وليس لديه الوقت الكافي لأعادة كتابة المادة الصحفية أكثر من مرة . أما الأديب فأنه يصرف الجزء الأكبر من وقته  ليس في كتابة النص الفني فحسب ، بل في صقله على هواه ، فهو يقدم ، ويؤخر ، ويضيف ويمحو ، ويغيّر هذه الكلمة أو الجملة أو تلك  ، وفي معاودة النظرفيه اكثر من مرة ، فهذا هو عمله الأساسي. من يصدق أن عبقرياً مثل ليف تولستوي كان يعيد كتابة فصول رواياته الطويلة مرات عديدة ، وكذلك هيمنجواي الذي أعاد كتابة بعض فصول رواياته عشرات المرات ، وهي ظاهرة شائعة لدى معظم الأدباء الروائيين . أما في الشعر ، وكان الشاعر الرائد والمبدع بدر شاكر السيّاب يقول ، أن مهمة الشاعر الرئيسية هي الحذف والأختصار . واذا كان المقال الصحفي يمكن كتابته – اذا لزم الأمر –  خلال بضع ساعات ، فأن الرواية قد تستغرق  كتابتها عدة سنوات.الصحفي عندما يتناول الصحيفة في الصباح فأنه يرى ثمرة عمله بالأمس ،. اما الكاتب فأنه ينتظر احياناً سنوات لأصدار كتابه الجديد.

3- يبدو لي ان الفرق الجوهري بين الصحفي والأديب . هو درجة الحرية الشخصية التي يتمتع بها كل منهما . الصحفي لا يمكنه أن يكتب حسب  هواه ، بل يلتزم بالسياسة التحريرية للصحيفة التي يعمل بها ، ان لم يكن هوشخصيا مالك الصحيفة . أما الأديب فلا رقيب عليه سوى عقله وضميره وذوقه الفني .

- 4 - الشيء الرئيسي في الصحافة هوالمحتوى الموثوق ، ولكنه يتقادم بسرعة . فعمر المادة الصحفية هو المسافة الزمنية التي تفصل بين صدور عددين من الجريدة أو المجلة .  أما الأدب فلا يتقيّد بالحاضر ، بل لا يتقيّد بزمان ولا مكان ، وقيمته الحقيقية تكمن في مستواه الفكري والفني . وما يبدعه الأديب يظل حياً ومقروءا لعشرات وربما لمئات السنين.

5- الصحافة ، بمفهومها الحديث حرفة أو مهنة لها اصولها وقواعدها ويمكن تعلمها ، في كليات ومعاهد الصحافة أو خلال العمل الصحفي . أما الأبداع الأدبي ، فإنه موهبة فطرية ، يتمتع بها قلة نادرة من الناس .  بذرة الموهبة يمكن تنميها بالمرانة ومعاودة النظر ، ولكن من يفتقر الى هذه البذرة لا يمكنه خلق نتاج إبداعي حقيقي .

6- لغة الصحافة واضحة وبسيطة ومرنة تنبض بالحياة ، والصحفي يحاول اجتناب الغموض ويتوخى مرضاة القاريء ، ولهذا فأن المواد الصحفية في متناول الجمهور العام . أما الأدب فأنه يمتاز بلغته العالية وأسلوبه الرفيع ، ويوجه في المقام الأول للنخب الثقافية التي تتذوق الأدب وتنشده ، وتستمتع به . بعض الكتاب عندما يكتبون مقالات صحفية بأسلوبهم المعهود في الأدب ، لا يدركون ان القاريء ليس لديه وقت لأستخراج الحقائق والمعلومات من عباراتهم الأنشائية الملتوية الغامضة .

7- الصحفي في بلادنا  يمكن أن يكسب لقمة عيشه من عمله ، أما الأديب - الذي ليس لديه مهنة أخرى يعتاش منها -  فأنه يعاني أشد المعاناة في حياته الخاصة وفي نشر نتاجه الأبداعي – شعراً كان أم نثراً فنياً - وتوزيعه الذي يستنزف الكثير من الوقت والجهد والمال ، ويعجز عن تأمين حياة كريمة له ولعائلته اذا كان ما يبدعه فوق مستوى الجمهور ولا يلقي رواجا في السوق . .

8- الصحافة أداة فعالة وقوية في التأثير ليس في الرأي العام فقط ، بل أيضاً في السلطات الثلاث (الحكومة ، والبرلمان ، والقضاء ) . ولهذا يطلق على الصحافة مسمى " السلطة الرابعة " . الأدب لا يمكنه ان يمارس مثل هذا التأثير المباشر والسريع .

أوجه التشابه :

1 - الصحافة مدرسة نافعة للأديب ، يستفيد من خبرة العمل فيها في ادامة وتعزيز اتصاله بالناس وتوسيع آفاق رؤيته للحياة والعالم ، مما يشكل معيناً لا ينضب لتجربته الأدبية . وقد عمل العديد من كبار الأدباء في العالم كمراسلين صحفيين لسنوات طويلة . منهم هيمنجواي ، الذي اتاح له عمله في ميادين القتال ، ان يكون شاهد عيان على مآسي الحرب العالمية الأولى والحرب الأهلية الأسبانية ، وانعكس كل ذلك في رواياته وأقاصيصه . كما أن الكثير من الكتاب الكلاسيكيين عملوا في الصحافة  ومنهم أنطون تشيخوف ، ومارك توين ، و ريمارك ، واورويل الذي ظل طوال حياته يمارس كلا النوعين من الأبداع ، وقال عنه النقاد أنه أعظم كاتب مقالات في الصحافة الغربية الى جانب كونه روائيا كبيراً.

2- يقال ان «كل أديب صحفي، وليس كل صحفي بأديب". ولكن هذه المقولة ليست دقيقة . صحيح ان الصحافة  قامت على أكتاف الكتاب  ولكنها  لم تعد كذلك منذ زمن طويل. بل تحولت الى صناعة ،  في حين أن الشهرة الأدبية للعديد من الأدباء ترجع الى عملهم الصحفي ، وقد خدمتهم الصحافة في استكشاف إمكانات التعبيرعن أنفسهم وتحسين  اسلوبهم وتطوير لغتهم نحو مزيد من المرونة والوضوح

3- العلاقة المتداخلة بين الصحافة والأدب .ليس وليدة اليوم بل قديمة ، ويمكن اعتبار العديد من نتاجات الكتاب الكلاسيكيين روايات وثائقية بنيت على وقائع واحداث حقيقية . وقد أخذت  هذه العلاقة تتعمق وتتسع منذ الستينات من القرن الفائت ، ونجد اليوم ان الكثير من الروايات العالمية مبنية حول أشخاص حقيقيين وأحداث حيّة وواقعية . انهم يكتبون ما حصل في الواقع ، لتتخذ نتاجاتهم شكل الوثيقة ، وهذا النوع من الأدب يمكن تسميته بالأدب الفني - الوثائقي ، أو الأدب غير الخيالي . وبذلك أخذت الحدود بين الصحافة و النثر الفني تتلاشى . وهذا ما أقرت به  لجنة نوبل حين منحت جائز الآداب لعام 2015 الى الكاتبة البيلاروسية سفيتلانا الكسيفيتش ، التي تنتمي رواياتها الست الصادرة لحد الآن الى هذا النمط غير الخيالي . وليس من السهل على الناقد الأدبي اليوم ، ان يميز بين القصة الخيالية وغير الخيالية ، ناهيك عن القاريء العادي .

4-  لا ينبغي لنا أن نتساءل بعد اليوم أيهما أهم ،وأكثر التصاقاً بالحياة : الصحافة أم الأدب ؟ بعد أن أصبحت الفنون الصحفية والسردية متداخلة . الصحافة توظف اللغة الأدبية في المقال والأعمدة والتحقيقات الصحفية ، والأدب يستمد مادته مما يحدث على ارض الواقع  ويغتني بالفنون الصحفية . ولقد ظهرت في البلدان الغربية في الآونة الأخيرة روايات مستوحاة  من الصحافة الألكترونية وما توفره من معلومات ووسائل تفاعلية ، ولم تصل هذه الموجة الينا بعد ، كما لم تصل من قبل الرواية غير الخيالية، المتعددة الأصوات رغم مرور ستة عقود على ظهورها في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا.

×
أخبار
بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط