كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

أوسلو والمرآة المكسورة في نقد المقارنات الانتقائية لمسارات المشروع الوطني

أوسلو والمرآة المكسورة في نقد المقارنات الانتقائية لمسارات المشروع الوطني

تاريخ النشر: 2026-09-16 | 14:59

د. طلال أبو ركبة
د. طلال أبو ركبة

في لحظات الانسداد الوطني، نميل إلى العودة إلى التاريخ لا لكي نفهمه، وإنما لكي نبحث فيه عن متهم، وربما لهذا تتكرر، في الآونة الأخيرة، مقارنات بين اتفاق أوسلو والخيارات التي اتخذتها الفصائل الفلسطينية المعارضة له؛ مقارنات يُقدَّم فيها أوسلو، لدى بعض الباحثين والنخب، بوصفه إنجازًا وطنيًا استثنائيًا، فيما تُقدَّم الخيارات التي عارضته بوصفها المسارات التي انتهت، بصورة أو بأخرى، إلى الكارثة الراهنة.
لا مشكلة في أن يكون لأوسلو مدافعون، ولا في أن يكون له خصوم. ولا مشكلة في أن يُعاد تقييم خيارات المعارضة الفلسطينية ومساءلتها عن نتائجها، المشكلة تبدأ حين تُقدَّم المقارنة باعتبارها قراءة موضوعية للتاريخ، بينما تُبنى من البداية على اختلال في معيار المقارنة نفسه.
فحين نقول إننا سنتجاوز الأيديولوجيا ونحاكم الخيارات وفق النتائج والمآلات، ينبغي أن نكون مستعدين لرؤية النتائج كلها، لا النتائج التي تخدم الرواية التي وصلنا إليها مسبقًا، وإلا تحولت الموضوعية إلى طريقة أكثر أناقة للانحياز.
التاريخ الفلسطيني لم يكن مختبرًا محايدًا جرى فيه اختبار مسارين متكافئين، ثم تركت النتائج وحدها لتعلن المنتصر، كان تاريخًا تشكل في ظل احتلال، وميزان قوى مختل، وتدخلات إقليمية ودولية، وخيارات فلسطينية متنافسة، وسياسات إسرائيلية متغيرة. ولذلك فإن مقارنة أوسلو بالبدائل لا تستقيم ما لم نضع علاقة القوة في قلبها.
حين ننقل البوصلة من الاحتلال إلى أنفسنا
من أكثر العبارات شيوعًا في الدفاع عن أوسلو أن المعارضة الفلسطينية لم تمنحه فرصة حقيقية، قد تكون هذه فرضية قابلة للنقاش، لكنها ليست حقيقة يمكن افتراضها قبل البحث في الوقائع، وهنا علينا أن نطرح سؤال من امتلك القدرة الحاسمة على تغيير الواقع المادي على الأرض؟
إسرائيل، لا الفصائل الفلسطينية، هي التي كانت تملك السيطرة العسكرية، والتحكم في الحدود والحركة، والقدرة على إعادة الانتشار أو وقفه، والاستمرار في الاستيطان أو الحد منه، فضلًا عن قدرة أكبر بكثير على التأثير في البيئة السياسية والأمنية التي عمل فيها الاتفاق.
وهذا لا يعفي الفصائل الفلسطينية من مسؤولية خياراتها، ولا يحول كل ما قامت به إلى صواب، لكنه يجعل من غير الدقيق اختزال تعثر أوسلو في معارضيه الفلسطينيين.
فالوقائع اللاحقة لا تسمح بهذه السهولة في توزيع المسؤولية، إسرائيل حاصرت ياسر عرفات، واجتاحت مدن الضفة في عملية السور الواقي، واستمرت في الاستيطان بشراسة وشوهت الواقع الجغرافي، وأقامت الجدار العازل، واتخذت قرار الانسحاب الأحادي من قطاع غزة، وظلت صاحبة اليد العليا في إعادة تشكيل الواقع الجغرافي والأمني. كما أن رفض التعامل مع نتائج الانتخابات الفلسطينية عام 2006 وما تلاها من حصار وعزل لم يكن فعلًا فلسطينيًا داخليًا صرفًا، إن استحضار هذه الوقائع ليس محاولة لتبرئة الفلسطينيين من أخطائهم، وإنما لاستعادة شيء من التوازن في قراءة المسؤولية.
فالمفارقة المؤلمة أن الانقسام الفلسطيني، في كثير من الأحيان، دفعنا إلى نقل البوصلة من سؤال الاحتلال إلى سؤال: أي فلسطيني يتحمل مسؤولية ما نحن فيه؟ وبهذا، يصبح الفلسطينيون موضوع المحاكمة، بينما يتحول الاحتلال إلى مجرد خلفية ثابتة للمشهد.
أوسلو: ماذا أنشأ، وماذا لم ينشئ؟
من الإنصاف القول إن أوسلو أحدث تحولًا تاريخيًا في البنية السياسية الفلسطينية. فقد نشأت عنه السلطة الفلسطينية، وتطورت مؤسسات إدارية وسياسية وأمنية، وانتقل جزء من إدارة الشأن الفلسطيني إلى مؤسسات فلسطينية داخل الأراضي المحتلة. وهذه نتائج حقيقية لا ينبغي إنكارها، لكن الاعتراف بها لا يستلزم الخلط بين الحكم الذاتي والسيادة.
فالسلطة التي تدير شؤون السكان ليست دولة بالضرورة، والمؤسسات الوطنية ليست مرادفًا للسيادة الوطنية. والسيادة، في معناها السياسي، ترتبط بالقدرة على التحكم في الأرض والحدود والموارد والحركة والأمن والقرار، ومن هنا، فإن وصف أوسلو بأنه حافظ على الكيانية الوطنية الفلسطينية يحتاج إلى قدر من الدقة. لقد أسهم في بناء كيان مؤسسي للحكم الذاتي الفلسطيني، لكنه لم ينقل الفلسطينيين إلى حالة السيادة التي كان يفترض أن تكون غاية المسار... والفرق بين الأمرين ليس لغويًا. إنه الفرق بين إدارة السكان وبين امتلاك الأرض والقرار.
المشكلة ليست أن أوسلو فشل في كل شيء
ليس من الإنصاف اختزال أوسلو في الفشل، كما ليس من الإنصاف تحويل ما أنجزه إلى شهادة نجاح شاملة. أوسلو لم يكن اتفاقًا نهائيًا لإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية، بل إطارًا انتقاليًا يفترض أن يقود إلى مفاوضات الوضع النهائي، ولذلك فإن أهم ما ينبغي أن نسأل عنه ليس فقط ما أنتجه الاتفاق، وإنما ما الذي حدث للمرحلة الانتقالية التي كان يفترض أن تنتهي إلى مرحلة نهائية؟
المؤقت طال حتى أصبح واقعًا، والترتيبات التي كان يفترض أن تكون جسرًا إلى الدولة تحولت إلى بنية سياسية وجغرافية استمرت عقودًا في ظل الاحتلال، كما أن تقسيم الضفة الغربية إلى مناطق A وB وC لم يكن مجرد تفصيل إداري؛ فقد أبقى القسم الأكبر من الأرض تحت السيطرة الإسرائيلية، بينما ظلت المناطق الواقعة تحت الإدارة الفلسطينية مجزأة وغير متصلة جغرافيًا على نحو يطرح أسئلة جدية حول إمكانية تحولها إلى إقليم ذي سيادة، ثم جاء الاستيطان ليواصل إعادة تشكيل الأرض والوقائع، بينما بقيت القضايا الجوهرية مؤجلة إلى مفاوضات الوضع النهائي.
لذلك، فإن القول إن إسرائيل أضعفت أوسلو أو عطلت تنفيذ جوانب منه صحيح في جانب مهم، لكنه لا يغلق النقاش، فالسؤال الأعمق هو: هل كانت بنية الاتفاق وآلياته تملك من الضمانات ما يكفي لمنع المرحلة الانتقالية من التحول إلى وضع دائم؟  هذا السؤال لا يبرئ إسرائيل، لكنه يجعل نقد أوسلو أكثر عمقًا من مجرد القول إن إسرائيل لم تنفذه.
ماذا عن خيارات المعارضة؟
هنا أيضًا ينبغي الحذر من الوقوع في الاتجاه المعاكس، فالعمليات التي استهدفت المدنيين الإسرائيليين كان لها أثر سياسي وأمني واضح، وأسهمت في تعميق الخوف والأمننة داخل المجتمع الإسرائيلي. ومن المشروع دراسة علاقتها بتحولات الرأي العام وصعود قوى سياسية أكثر تشددًا.
لكن تحويل هذا العامل إلى تفسير شامل لانهيار أوسلو أو لصعود اليمين الإسرائيلي يتجاوز ما تسمح به الوقائع. فالمشهد الإسرائيلي تشكل أيضًا بفعل الاستيطان، والتحولات الحزبية، واغتيال إسحق رابين، والسياسات الحكومية، وقضايا الأمن والقدس، ومسار المفاوضات نفسه.
لذلك فإن العبارة الأدق ليست أن المعارضة أجهضت أوسلو، ولا أن المعارضة كانت مجرد ضحية بريئة لمساره؛ بل إن خيارات المعارضة كانت أحد العوامل التي تفاعلت مع منظومة أوسع بكثير من الأسباب والنتائج، وهذا التفريق مهم، لأنه يضع المسؤولية في سياقها بدل تحويلها إلى حكم شامل على طرف واحد.
لا توجد بدائل في صيغة واحدة
تزداد المشكلة حين تُطرح المقارنة بين أوسلو والخيارات الأخرى، وكأن هذه الخيارات كانت مشروعًا واحدًا متكاملًا، لكن أي خيارات؟ المقاومة المسلحة؟ الانتفاضة؟ المقاومة الشعبية؟ العمل الدولي؟ رفض التسوية؟ أم مزيج متغير من هذه المسارات؟
لا يمكن وضع اتفاق محدد في كفة، وكل البدائل المحتملة في الكفة الأخرى، ثم التعامل معها بوصفها مسارًا واحدًا يمكن الحكم عليه بالنتيجة نفسها... كما لا يمكن أن نبني تاريخًا بديلًا على سؤال افتراضي من نوع: ماذا كان سيحدث لو لم يُوقَّع أوسلو؟ ثم نستخدم الإجابة المتخيلة للحكم على تاريخ وقع بالفعل.
الأكثر نزاهة أن نسأل عن كل مسار: ما أهدافه؟ ما أدواته؟ ما الظروف التي عمل فيها؟ ما النتائج التي يمكن نسبتها إليه؟ وما حدود مسؤوليته؟
لا نحتاج إلى تبرئة أحد
القراءة الجادة لأوسلو لا تتطلب تبرئته، كما أن نقده لا يتطلب تمجيد من عارضوه، لذا يمكن القول إن أوسلو أنتج تحولًا مؤسسيًا مهمًا، وفي الوقت نفسه أخفق في الوصول إلى الغاية السياسية التي كان يفترض أن يقود إليها، ويمكن القول إن الفصائل المعارضة ارتكبت أخطاء استراتيجية وسياسية جسيمة، من دون تحميلها وحدها مسؤولية مسار تشكل في ظل احتلال واختلال هائل في موازين القوة، بهذا المعنى، فإن السؤال ليس: من كان على حق، أوسلو أم معارضوه؟ فهذا سؤال يصلح للسجال أكثر مما يصلح للتاريخ.

السؤال الأكثر جدية هو: ماذا وعد كل مسار؟ وماذا حقق؟ وما الذي أخفق فيه؟ وما الذي كان خارج قدرته؟ وما المسؤولية التي تقع على عاتق أصحابه؟
التاريخ ليس مسابقة بين الكوارث
بعد أكثر من ثلاثة عقود، ربما آن لنا أن نخرج من الحاجة إلى صناعة منتصر فلسطيني ومتسبب فلسطيني في الكارثة.
فأوسلو ليس مقدسًا لأنه أنشأ السلطة، ومعارضوه ليسوا أبرياء لأنهم رفضوه، وفي المقابل، فإن الاعتراف بأخطاء الفلسطينيين لا ينبغي أن يتحول إلى إعادة صياغة التاريخ بحيث يصبح الاحتلال عاملًا ثانويًا، أو مجرد ظرف خارجي لا علاقة له بمآلات الخيارات الفلسطينية.
الإنصاف لا يعني توزيع المسؤولية بالتساوي، وإنما وضع كل مسؤولية في حجمها وسياقها وأدواتها، ولهذا، فإن المعيار الحقيقي للجدل حول أوسلو ليس عدد المؤسسات التي نشأت عنه، ولا عدد الأخطاء التي ارتكبتها القوى التي عارضته... المعيار هو المسافة بين ما وعد به المسار وما انتهى إليه؛ وبين أهداف المعارضة وما أفضت إليه خياراتها؛ وبين ما كان الفلسطينيون يملكون القدرة على تغييره وما ظل محكومًا بميزان قوة يتجاوز إرادتهم.
وربما يكون هذا هو السؤال الذي تأخرنا كثيرًا في طرحه: كيف نقرأ ثلاثين عامًا من التاريخ الفلسطيني دون أن نحوله إلى محكمة داخلية للفلسطينيين؟
فإذا كان ثمة درس يمكن استخلاصه، فهو أن المشروع الوطني لا يُستعاد بتقديس الماضي، ولا بتخوينه؛ ولا بإعادة توزيع الاتهامات بين الفصائل، وإنما بامتلاك شجاعة النظر إلى التجربة كلها: ما أنجزته، وما أخفقت فيه، وما خسرته، وما أبقته ممكنًا، عندها فقط يمكن أن تتحول مراجعة أوسلو من معركة حول الماضي إلى معرفة تساعد على صناعة المستقبل...!

×
أخبار
نتنياهو بحث مع ترامب مهاجمة إيران قبيل الانتخابات الإسرائيلية أمريكا: القبض على مهندس "يحمل الجنسية السعودية" في "أوبن أل" جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط