كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

أول معارض إشتراكي في الإسلام

كانت لحظات البداية قد شهدتها رمال مكة، وهي في ذلك الوقت أشد قسوة من طغاة رؤوس الشرك.. وكان الأربعة أو الخمسة ـ فقط ـ من السابقين إلى الإسلام، يتجنبون قدر ما يستطيعون جاهلية المتحفزين وعلى وجوههم قسوة ظاهرة وغلظة بادية، وهم الذين لم يكفوا عن الإساءة للرسول الكريم، أو من يقترب منه داخل ساحة بيت الله الحرام.

وفي هذه الأجواء كان فارس من قبيلة غفار التي اشتهرت بالسطو والقرصنة الصحراوية وقطع الطريق على قوافل التجارة وغيرها.. كان الفارس قد أضناه البحث عن الرسول صاحب رسالة التوحيد الجديدة، وقد دخل مكة متنكرا، كأنه عابر سبيل ضل طريقه، حتى لا يعلم أحد أنه يبحث عن محمد صلى الله عليه وسلم.. وحتى علم بمكان الرسول داخل الحرم الشريف.. فاقترب منه وقال: نعمت صباحا يا أخا العرب.. فأجاب الرسول: وعليك السلام يا أخاه.. قال أبو ذر الغفاري: أنشدني مما تقول.. فأجاب الرسول: ما هو بشعر فأنشدك، ولكنه قرآن كريم.. قال أبو ذر: اقرأ عليّ، فقرأ الرسول، وهو يصغي، وبعد قليل هتف: أشهد ألّا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.. وسأله النبي: من أنت يا أخا العرب؟ فأجابه أبو ذر: من غفار.. وابتسم الرسول صلى الله عليه وسلم.. وقال: إن الله يهدي من يشاء.

وبعد أن تترسخ قواعد الدولة الإسلامية الوليدة في المدينة، وتبدأ فتوحات مواكب النور، باتجاه شمال وشرق جزيرة العرب، كان الرسول الكريم يرى ببصيرته الثاقبة عبر الغيب المجهول مستقبل أمته، ويستشرف بالوحي السنوات المقبلة، وكان يشغله دور الصحابي النجيب، والثائر الجليل، أبي ذر الغفاري، حين يرى التكالب على السلطة والثروة، وحين تطل الدنيا بزخرفها الباطل وتوشك أن تفتن أصحابه.. فسأله النبي يوما: يا أبا ذر كيف أنت إذا أدركك أمراء يستأثرون بالفيء (الخيرات والثروات) فقال أبو ذر: إذًا والذي بعثك بالحق لأضربن بسيفي !! فقال الرسول صلى الله عليه وسلم، أفلا أدلك على خير من ذلك.. اصبر حتى تلقاني.

وكان لا بد أن يتحقق ما قال به الرسول الصادق الأمين.. حين فتحت أبواب الدنيا بخيراتها وثرواتها، وحين طلت الفتنة برأسها في عهد الخليفة الورع التقي الحييّ عثمان بن عفان، وحين بدأت القصور والضياع والثروات في دمشق تعلن بداية زمن الرفاهية والسلطة، زمن الأمراء الأغنياء، زمن الحكم والمال، السلطة والثروة.. وخرج أبو ذر إلى معاقل السلطة والثروة، يغزوها بمعارضته معقلا ، معقلا ، والتف حوله الفقراء وأصحاب الحاجة من المساكين.

ويرى عدد كبير من المستشرقين أن الصحابي الجليل أبا ذر الغفاري كان من أوائل الاشتراكيين في الإسلام، بسبب انحيازه وحبه للفقراء، وابتعاده عن مغريات السلطة، ومحاربته اكتناز الثروة، والدعوة إلى الإنفاق على المحتاجين، وتوفير سبل حياة كريمة لهم.. كان زاهدا ويدعو الناس إلى الزهد الاختياري حتى لا يكون حسابهم على المال ثقيلا يوم الحساب، وألا يكون المال عقبة في سبيل تيسير الحساب.. وحين عرضت عليه إمارة العراق ــ بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ــ قال : لا والله ، لن تميلوا علي بدنياكم أبدا.

وأصبح زعيم المعارضة يهدد مصالح ذوي السلطة والثراء، وهو يصرخ في وجوههم بشعار تحول إلى هتاف شعبي: وبشر الكانزين بمكاو من نار.. وانتقل زعيم المعارضة ــ الثائر الجليل ــ إلى الشام، إلى معقل معاوية بن أبي سفيان، وتستقبله حشود الجماهير، ويقول غاضبا: عجبت لمن لا يجد القوت في بيته، كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفه.. ويعلو صوته مؤكدا: أن الناس جميعا سواسية كأسنان المشط، وأنهم جميعا شركاء في الرزق، وأنه لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى، وأن أمير القوم ووليهم هو أول من يجوع إذا جاعوا، وآخر من يشبع إذا شبعوا.

كيف لو عاش أبو ذر في زماننا هذا.. زمن توحش الفساد والمفسدين؟!

ويشتد خطر زعيم المعارضة على الامتيازات الناشئة وقتئذ ، واستشعر معاوية بن أبي سفيان الخطر بعد أن انساقت الشام وراء كلمات أبي ذر الذي خلق رأيا عاما يلتفت إلى حقوق الفقراء في ثروة الأغنياء ، إلى العدالة الاجتماعية ، التي أرسى قواعدها الإسلام.. رأي عام لا يمكن تجاهله.. ولكن معاوية يعرف قدر أبي ذر ولا يقربه بسوء ، ويكتب إلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان يقول له: إن أبا ذر قد أفسد الناس بالشام!!

وما قال به معاوية هو أقرب إلى تهم الأمن السياسي في الزمن الجاري بتكدير الأمن العام، والإخلال بالنظام !!

ويكتب أمير المؤمنين لأبي ذر يستدعيه إلى المدينة.. وقال له: ابق هنا الى جانبي ، تغدو عليك اللقاح وتروح.. فأجابه أبو ذر: لا حاجة لي في دنياكم.. وطلب من الخليفة أن يأذن له بالخروج إلى "الربذة" فأذن له.. ولكنه ظل في معارضته، يتصدى لأخطاء الحكم ، وأخطاء اكتناز المال، بالكلمة الصادقة الشجاعة ، وليس بالسيف ، ولكن بالمنطق والإقناع ، وفيّا لوصية رسول الله (اصبر حتى تلقاني).. وظل مجاهدا ، يواجه الخطر قبل أن يحيق ويدمر، ويخشى على أصحابه من إغراء الإمارة ، ومن ضراوة الدنيا ، وضراوة المال .. وحتى مات وحيدا في فلاة "الربذة" كما قال رسول الله: يرحم الله أبا ذر ، يمشي وحده ، ويموت وحده ، ويبعث وحده .. صدق رسول الله.

وفي المشهد الأخير، وهو يعالج سكرات الموت ، كانت زوجته تبكي ، فيقول لها: فيم البكاء، والموت حق ؟! وتجيبه وهي تنتحب حزنا: أبكي لأنك تموت وليس عندي ثوب يسعك كفنا!! فيبتسم قائلا: إطمئني ، فإني سمعت رسول الله ذات يوم وأنا عنده في نفر من أصحابه، يقول: ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض ، تشهده جماعة من المؤمنين.. وكل من كان معي في ذلك المجلس مات في جماعة وقربة ، ولم يبق منهم غيري ، وها أنذا بالفلاة أموت، وعليك الآن أن تراقبي الطريق ، فستطلع علينا جماعة من المؤمنين ، كما قال الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم.. ثم فاضت روحه الطاهرة المطمئنة .. وفي لحظات كانت قافلة من المؤمنين تقترب منهم، وعلى رأسها الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود، وحين يلقي نظرة على الجثمان، ويرى وجه أبي ذر ، تفيض عيناه بالدمع ويقول: صدق رسول الله حقا.. تمشي وحدك، وتموت وحدك، وتبعث وحدك.

عن العرب اليوم

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط