كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

أوهام في العمل الفلسطيني (2)

أوهام في العمل الفلسطيني (2)

تاريخ النشر: 2021-07-10 | 08:33

د. محسن محمد صالح
د. محسن محمد صالح

تحدثنا في المقال السابق عن ثلاثة أوهام في العمل الفلسطيني، ونتابع اليوم الحديث عن وهمين آخرين.

الوهم الرابع هو إصلاح البيت الفلسطيني دون قيادة انتقالية

فقد أثبتت التجربة، وعلى مدى الستة عشر عاما الماضية على الأقل، أن القيادة الفلسطينية الحالية لمنظمة التحرير وللسلطة الفلسطينيية غير جادة في إصلاح البيت الفلسطيني، ولا في المضي في الانتخابات للمؤسسات التشريعية والتنفيذية إلى نهايتها على أسس ديمقراطية شفافة؛ وأنها طالما لم تضمن استمرار سيطرتها وهيمنتها على المنظمة والسلطة، فإن أي عملية إصلاحية لن تتم، وأن أي إصلاحات معروضة من طرفها، هي مجرد إجراءات ديكورية وشكلية فارغة المضمون ومضيعة للوقت.

هذه القيادة أطلقت على نفسها "رصاصة الرحمة"، عندما قامت بتعطيل مسار الانتخابات الفلسطينية في 29 نيسان/ أبريل 2021؛ وأكدت الشكوك التي كانت قائمة أصلا تجاهها؛ وانسجمت مع سلوكها التاريخي، ومع عقليتها التي تنزع إلى الهيمنة والاستبداد. ومن ثم، فلم تعد القيادة الحالية مؤتمنة على أي عملية إصلاح أو تطوير جادة للبيت الفلسطيني، وفقدت ما تبقى لها من ثقة ومصداقية. وهي ما زالت مُصرّة على أن تمثل "القديم" الأوسلوي وشبكة مصالحه وفساده وفشله، وأن تعيد إنتاج الفشل مرات ومرات.

وأصبح واضحا أنه لا يمكن القيام بالإصلاح من خلال أو تحت إشراف الرموز والقيادات التي تقوم بمحاربته، ولها مصلحة محققّة في إفشاله. كما أصبح واضحا أن تمثيلها لحزب أو فصيل مُعيّن (فتح) قد جعل حساباتها مرتهنة باستمرار سيطرته وهيمنته على المؤسسات الرسمية الفلسطينية؛ وليس بالضرورة بالمصالح العليا للشعب الفلسطيني.

ولذلك، فإذا كنا نتحدث عن إصلاح حقيقي فلسطيني، وعن تداول سلمي للسلطة، وعن الشروط الموضوعية للنجاح في إعادة بناء منظمة التحرير وتطوير مؤسساتها واستيعاب القوى والفصائل والكفاءات الفلسطينية كافة؛ فلا بدّ من قيادة انتقالية تدير هذا المسار. ولا بأس أن تكون هذه القيادة الانتقالية هي الإطار القيادي المؤقت، ولا بأس من توسيعه ليشمل قوى حقيقية صاعدة، ولا بأس أن تنبثق عنه قيادة تنفيذية مُصغرة، المهم أن تتمتع هذه القيادة بالثقة والمصداقية والجدية للمضي بالعملية إلى نهايتها.

وإذا كان هذا الاقتراح يمثل حلا عمليا ومخرجا كريما للقيادة الحالية للمنظمة والسلطة، فإن كاتب هذه السطور يشك في استجابتها لذلك، بانتظار أن تحدث ظروف ذاتية وموضوعية تفرض نفسها فرضا عليها، وتجبرها على النزول عن الشجرة، كاستقالة أبي مازن أو وفاته وتفتت منظومته القيادية، وكتراجع شرعيتها العربية والدولية واندثارها نتيجة أوضاع سياسية مستجدة، ونتيجة حقائق مفروضة على الأرض.

الوهم الخامس هو مصطلح "طرفي الانقسام"

وهو مصطلح مُضلِّل انتشر منذ سيطرة الحكومة التي تقودها حماس على قطاع غزة، وسيطرة حكومة "الطوارئ" التي تقودها فتح على مناطق السلطة في الضفة الغربية، في سنة 2007. ويَستخدم هذا المصطلح عادة أولئك الذين يحاولون تقديم أنفسهم بشكل موضوعي، على أساس أنهم على مسافة واحدة من الطرفين، وعلى أساس تحميل الطرفين مسؤولية الانقسام بالدرجة نفسها تقريبا؛ أي إن السياق الذي يتم استخدامه فيه هو سياق مضلّل وغير موضوعي.

ابتداء، ومن ناحية أولية يظهر أن انقساما فعليا حصل من ناحية جغرافية بسيطرة حماس على قطاع غزة وسيطرة فتح على الضفة الغربية، وأن الانقسام مؤسسيا حصل باستناد حماس على مؤسسة المجلس التشريعي وحق أغلبيته في تشكيل الحكومة، ومحاسبتها، وإعطاء الثقة وحجبها؛ وباستناد فتح على مؤسسة رئاسة السلطة، وقدرتها على الاستفادة من هيمنتها على منظمة التحرير في "شرعنة" إجراءاتها.

وَوَجهُ الإيهام والتضليل في هذا المصطلح أن الانقسام بمعناه الظاهر محصور في الضفة والقطاع، ولكن الطرفين لا يتقاسمان في الحقيقة المسؤولية في البيئة الفلسطينية العامة ولا في المؤسسة "الرسمية" الفلسطينية. فقيادة فتح التي هي قيادة السلطة تسيطر على منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها الرسمية التشريعية والتنفيذية بشكل كامل، وتحتكر السفارات والتمثيل، وصناعة القرارات وإنفاذ السياسات والإجراءات؛ بطريقة شبه مطلقة. أما حماس فنصيبها عمليا "صفر" في منظمة التحرير، وهي ليست مسؤولة عن تعطيل أي قرارات أو إجراءات في المنظمة. أما مسؤولية ضعف المنظمة وانهيار مؤسساتها وتدهور أدائها وإغلاقها في وجه عملية الإصلاح والتغيير والشراكة؛ فهي مسؤولية قيادة فتح عباس دون غيرها.

والهيمنة والسيطرة على "الشرعية" الفلسطينية هي سيطرة فتحاوية بالأساس، سواء أكان ذلك في المنظمة أم في السلطة، وهي الجهة الممسكة فعليا بمفاتيحها. ومن ثم، فتعطيل أو إنفاذ أي عملية إصلاحية تشريعية أو تنفيذية، هو أمر مرتبط بالأساس بقرار قيادة فتح وليس بغيرها، ولا يمكن تحميل حماس أو قوى المعارضة المسؤولية عن ذلك.

كما أثبت السير في التجربة الأخيرة لإصلاح البيت الفلسطيني، أن حماس قدمت التنازلات التي طلبتها فتح كافة، بالرغم من أن عددا منها حقوق أصيلة كالتنازل عن شرط التزامن الوارد في اتفاق المصالحة 2011، أو السكوت عن حل المجلس التشريعي. وأنه عند لحظة الوصول إلى الاستحقاق الانتخابي، فإن قيادة فتح عباس هي التي عطلت المسار، وأعادت الجميع إلى مربع "الانقسام" لتتابع الاستئثار بالسلطة، ولتتهرَّب من الاحتكام إلى الشعب الفلسطيني؛ ولينكشف أمام الجميع أن هناك من يتحمّل أساسا مسؤولية الانقسام.

باختصار هم "ليسوا سواء"، إذ من الظلم أن يُستخدم هذا المصطلح "طرفي الانقسام":

• فهناك طرف يستند في شرعيته إلى عكازات عربية ودولية مصطنعة، في مقابل طرف يستند (ومستعد أن يستند) إلى إرادة الشعب الفلسطيني.

•وهناك طرف متنازل عن معظم فلسطين، ومرتَهن لإرادة الاحتلال، ويقود كيانا وظيفيا يخدم الاحتلال، ويطارد المقاومة ويقمع الحريات، في مقابل طرف متمسك بفلسطين كاملة، ويقاتل الاحتلال ويصنع الانتصارات، ويعبر عن كرامة الشعب الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية.

•وهناك طرف يُغلق أبواب المؤسسات الدستورية ويبلع مفاتيحها، وطرف محروم من نيل فرصته العادلة وحقوقه الطبيعية.

• وهناك طرف يستند إلى مسار تسوية فاشل موهوم، منتهي الصلاحية، وطرف يستند إلى الحق الطبيعي للشعب الفلسطيني في كامل أرضه، وإلى الميثاقين القومي والوطني لمنظمة التحرير نفسها.

• وهناك طرف مسؤول أساسي طوال أكثر من ثلاثين عاما دستوريا وسياسيا وأخلاقيا عن التراجعات والكوارث التي أصابت العمل الفلسطيني؛ وطرف تابع الصبر على قمع سلطة عباس، كما تابع القبض على جمر المقاومة وتحدي الاحتلال والنكاية في العدو.

وبمعنى آخر، فلسنا أمام مجرد "طرفين مخطئين"، بحاجة فقط للخروج من حساباتهما الذاتية، وإنما أمام اتّجاهين مختلفين في الرؤية والمنهج ومسارات العمل وأولوياته، ومختلفين في العقلية التي تُدار بها الأمور، ومختلفين في طريقة الاستناد إلى الشرعيات. ومن ثم، فتعبير "طرفي الانقسام" بالشكل الذي يتم استخدامه فيه، يعطي إيحاء مُضلّلا، وهو غير دقيق علميا وموضوعيا.

ثم إن علاج الانقسام ليس مرتهنا فقط بمجرد الدخول في بيت واحد، وإنما بطريقة إدارة هذا البيت، وفق منظومة يحترمها الجميع (تعبّر عن المصالح العليا للشعب الفلسطيني وتطلعاته وتطلعات أُمته).. وإلاّ فـ"الطلاق" نهايته السريعة والمحتومة.

نتابع لاحقا أوهاما أخرى!!

المصدر: موقع "عربي 21"، 9/7/2021

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط