كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

أيام أوباما الأخيرة!

أيام أوباما الأخيرة!

تاريخ النشر: 2016-12-14 | 08:03

منذ فترة ليست بالقصيرة كتبت في هذا المقام عن البداية المبكرة للفترة المعروفة بـ«البطة العرجاء»، التي لا يستطيع فيها الرئيس الأميركي اتخاذ قرارات جوهرية. وبالفعل، فإن أوباما لم يتخذ قرارات جوهرية طوال العام الحالي، وحتى عندما حاول ذلك بطرح تعيين قاضٍ للمحكمة الدستورية العليا، فإن محاولته فشلت فشلاً ذريعًا، لأن المرشحين الجمهوريين الذين لم يتفقوا على شيء، اتفقوا على رفض إقرار التعيين لهذا المنصب، وساندتهم الأغلبية الجمهورية في مجلسي الكونغرس: النواب والشيوخ. وهكذا فإن أوباما حُرم من إمكانية خلق أغلبية ليبرالية في المحكمة الأعلى في البلاد، وترك الأمر كله لدونالد ترامب لكي يعين العضو الغائب عن المحكمة فور توليه السلطة، بينما لا تزال لديه فرص أخرى لتعيين عضو آخر خلال فترة ولايته، لن يشك أحد في أنهما سوف يكونان من غلاة المحافظين.

ولكن معضلة أوباما التاريخية لن تكون فشله في السنة الأخيرة من ولايته في الإضافة لتراثه الذي يذكره له التاريخ، وإنما أن الجزء الأكبر من التراث قد بات مهددًا الآن بالإزالة التامة، ليس فقط لأن القادم إلى البيت الأبيض هو النقيض الكامل لأوباما، وإنما لأن أوباما خلال فترته الثانية لم ينجح في إقناع الكونغرس بعدالة قراراته وقوانينه لكي يمررها، ومن ثم فإنه لجأ إلى ما يُسمى بـ«القرارات التنفيذية» وهي القرارات التي يكون لها قوة القانون ما لم تكن هناك أغلبية الثلثين في الكونغرس لنقضها. ولما كان الديمقراطيون لديهم أكثر من ثلث مجلسي الكونغرس، فقد كان طبيعيًا أن يصدر أوباما قوانينه، وأن تمر من سطوة الكونغرس أيضًا. ولكن الإشكالية في القرارات التنفيذية هي أنه يمكن إلغاؤها بقرارات تنفيذية أخرى، وهذه تقع على رأس أعمال الرئيس الجديد دونالد ترامب، الذي من المرجح أنه سوف يبدأ في إلغاء ما قام به أوباما واحدًا بعد الآخر. قانون العناية الصحية الذي أصدره أوباما ينتمي إلى هذه الفصيلة من القوانين، وهذا ما أعلن ترامب أنه سوف يقوم بإلغائه في اليوم الأول لتوليه السلطة، وقانون الطاقة، وهذا سوف يأتي دوره بعده.
لقد كان وصول باراك أوباما إلى البيت الأبيض حدثًا تاريخيًا بكل المقاييس، ليس فقط لأنه أول الرؤساء من أصول أفريقية، أو ينتمي لأب كيني مسلم، وإنما لأنه جاء معبِّرًا عن اليسار الليبرالي الذي يعطي بالمقاييس الأميركية دورًا كبيرًا للدولة، ليس فقط في الاقتصاد، وإنما أيضًا في تشكيل المجتمع كله من حيث القيم وقواعد العمل. حمل أوباما معه إلى السلطة تشريع زواج المثليين، ومحاربة الاحتباس الحراري، وتبني صناعات تكنولوجيا، وثورة المعلومات، وفتح الدولة الأميركية للأقليات والمهاجرين الجدد، وكلاهما بات يلعب دورًا أساسيًا في التركيبة السياسية لأميركا. وفي الحقيقة فإن وصول باراك أوباما إلى البيت الأبيض، وفوزه مرتين في الانتخابات الرئاسية، هو الذي ولَّد التساؤل حول عما إذا كان الحزب الجمهوري قد وصل إلى نهايته السياسية أم لا بعد الأزمة المالية الكبرى في عام 2008، والتورط في حرب مكلفة في أفغانستان والعراق؟
ما حدث هو أن الحزب الجمهوري عاد مرة أخرى، وبقوة، في مجلسي الكونغرس، وحكام الولايات، والبيت الأبيض، وفي لباس انعزالي وحمائي، وربما فاشي أيضًا. ولسوء حظ أوباما أنه خاض المعركة الأخيرة في الانتخابات الرئاسية، وقد ألقى بكل ثقله الرئاسي بعيدًا عن التقاليد الرئاسية في غمار المنافسة كما لو كان هو المرشح وليس هيلاري كلينتون. وكانت النتيجة أن التجمع الانتخابي الذي ضم عائلة أوباما وكلينتون في آخر أيام الحملة في مدينة فيلادلفيا بولاية بنسلفانيا، جعل التصويت في اليوم التالي ليس على المرشحة الديمقراطية بقدر ما كان على أوباما شخصيًا. وفي اليوم التالي مع التصويت كانت نتيجة بنسلفانيا الرافضة لكلينتون، تصويتًا آخر مضادًا لأوباما. باختصار كان تراث أوباما يتعرض لنزف كبير، ولسوء حظه فإن هذا النزف لم يكن في الداخل الأميركي وحده، وإنما في الخارج أيضًا.
فالثابت أيضًا أن أوباما لم يلقِ بثقله في عامه الأخير وراء هيلاري كلينتون وحدها، وإنما ألقى بكل قدرات الرئاسة الأميركية وراء ديفيد كاميرون في بريطانيا والاستفتاء الذي أجراه حول بقاء أو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. كان هذا الاستفتاء في حد ذاته حماقة سياسية كبرى، ولكن الغرور الليبرالي كان قد وصل إلى مرحلة الظن في التوجه التاريخي في العالم نحو الاندماج والتكامل بين الأسواق إلى درجة هائلة من الثقة التي جعلت نتيجة الاستفتاء مضمونة. ما حدث كان العكس، وأنه لا توجد توجهات تاريخية حتمية على انتصار الليبرالية على الأقل في المدى القصير، فكان «البريكست» والخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي. كان معسكر اليمين من القوميين البيض يشعل ثورة جديدة في أميركا وأوروبا، ولم يكن التحالف بينهما خافيًا على أحد، فقد كان قادة اليمين الأوروبي ضيوفًا دائمين على المهرجانات السياسية لدونالد ترامب في الولايات المتحدة. وبقدر ما كان مجيء أوباما إلى السلطة تتويجًا لتطورات مهمة في الدول الغربية قامت على الليبرالية السياسية ودمج الأسواق الاقتصادية، والانفتاح على نظام عالمي واحد، فإن أيامه الأخيرة شهدت تراجعًا ليس لأسهمه الشخصية فقط، وإنما تعرض ما بناه للانهيار.
نتيجة هذه الحالة فإن الولايات المتحدة الآن تشهد مشهدًا لم تشهده من قبل، وهو أنه يوجد الآن رئيسان للولايات المتحدة؛ أحدهما في السلطة، والآخر في دائرة الضوء. ورغم أنه من المعتاد في هذه الأمور أن الرئيس المنتخب يتحرك بحذر، ويضع في ذهنه أن عملية انتقال السلطة لا تجري في أميركا وحدها، ولكنها تجري أمام العالم أيضًا، وليس من المصلحة الأميركية أن يظهر للعالم وجود رئيسين للدولة الأميركية، فإن الرئيس المنتخب يتحرك كأنه بالفعل قد دخل البيت الأبيض. وكما خرج أوباما عن التقاليد الرئاسية المتحفظة إزاء عملية الانتخابات، فإن دونالد ترامب لم يراعِ تقاليد وجود رئيس في البيت الأبيض، ليس فقط من خلال الوجود الإعلامي، أو حملات الـ«تويتر» التي يجريها كل ساعة، وبصورة مباشرة، وإنما أيضًا بالدخول في عمليات اقتصادية (إقناع شركة «كارير» بالبقاء في ولاية إنديانا مقابل تسهيلات ضرائبية) وعمليات سياسية كبرى بإجراء مفاوضات مع قادة دول، مثل اليابان، وشركات يابانية، للاستثمار في الولايات المتحدة.
بقي القول إن كل ما يجري في الولايات المتحدة اليوم ليست له سوابق، ومع قيام المراقبين بفتح الآذان والعيون حتى آخرها للمراقبة والمتابعة، فإن الحذر من استنتاجات مبالغ فيها، واجب، لأن أميركا لها دوائرها التي تدور، وحلقاتها التي تتابع، ولم يكن أوباما نهاية التاريخ، ولن يكون ترامب كذلك أيضًا.
عن الشرق الأوسط

 

 

 

×
أخبار
ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط