كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

آيا صوفيا.. حين تنكشف المواقف وتزول الأقنعة

آيا صوفيا.. حين تنكشف المواقف وتزول الأقنعة

تاريخ النشر: 2020-07-27 | 08:48

المنهاج الدراسي الذي درسه أبناء جيلي، في المرحلة الابتدائية (الأساسية الأولى) والإعدادية (المتوسطة) كان يحتفي بالسلاطين العثمانيين الأوائل، ومنهم السلطان محمد الثاني (الفاتح) وكيف قام هذا السلطان بفتح مدينة القسطنطينية التي ظلت عصية على جيوش المسلمين منذ صدر الإسلام، وأنه قام بعد فتحها بتحويل كنيسة القديسة آيا صوفيا إلى مسجد، ووضع الهلال مكان الصليب في عام 1453م.

وفي الأيام الماضية جرى جدل كبير واسع، حول إعادة آيا صوفيا إلى مسجد من جديد، بعد 86 سنة من تحويله بقرار من مؤسس الجمهورية التركية العلمانية مصطفى كمال أتاتورك إلى متحف، وقد أقيمت أول صلاة جمعة في مسجد آيا صوفيا في ذكرى توقيع معاهدة لوزان (وقعت في 24 يوليو/تموز 1923م) في إشارة رمزية إلى أن تركيا تتجه نحو حالة جديدة من الاستقلال بقرارها، وأن هذا شأن سيادي داخلي، لا يحق لأحد الاعتراض عليه، وأيضا إشارة رمزية قوية أن تركيا صارت تمتلك قرارها واستقلالها التام، ولا تأتمر بأمر عواصم أو سفارات غربية مثل حال كثير من دول المنطقة.

الشعور الطبيعي لأي مسلم حقيقي هو الفرح لعودة هذا المكان بيتا من بيوت الله يرفع فيه الأذان وتقام فيه الصلوات المفروضة والنوافل، وتخطب فيه الجمعة، وتعود له دروس وحلقات العلم، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فرح بأن دولة مسلمة قررت قيادتها ومؤسساتها الاستقلال بقرارها وعدم الرضوخ إلى ضغوط الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة التي انتقدت القرار وطالبت القيادة التركية بإبقاء آيا صوفيا متحفا.

ومشاعر ومواقف الغضب من دول وجهات كنسية غربية قد تبدو مفهومة، كيف لا وتقارير تشير إلى أن صاحب الفكرة هو الأمريكي توماس ويتمور (Thomas Whittemore) الذي بعلاقاته بأجهزة مخابرات وعلاقات شخصية واجتماعية وغيرها أقنع قادة تركيا الذين دشنوا الحكم العلماني القومي بتغيير هوية مكان ظل مسجدا لحوالي 480 عاما.. غضبهم وحنقهم يبدو مفهوما من حيث الدوافع والأسباب وطبعا يضاف لهم أولئك الذين يسيرون في فلكهم ممن ينطقون بلسان عربي وهواهم وفكرهم وميلهم على يمين اليمين الغربي الحاقد، لدرجة أن أحدهم قد انسحب من مناظرة تلفزيونية بلا مبرر منطقي بعدما نال بلسانه من العثمانيين والسلطان الفاتح :-

أما المستهجن والمرفوض بل المكلل بالعار والشنار أن يقوم مسلمون ومنهم من يتبوّأ منصبا رسميا في مؤسسة دينية لدولة عربية مسلمة بالتدخل أولا في شأن تركي داخلي سيادي، وثانيا باللجوء إلى سلاح الفتوى المسيسة لرفض إعادة آيا صوفيا إلى مسجد، فهذا لعمري يدفع المرء إلى الحزن والأسى والشعور بالمهانة، ذلك أن التدخل في موضوع آيا صوفيا برفض الإجراء الذي اتخذته مؤسسات الدولة التركية، مرده الحقد على شخص أردوغان وتوجهاته في المنطقة، قبل أن يكون بل دون أن يكون للأمر علاقة بالحلال والحرام، ويجوز أو لا يجوز. فالرئيس التركي أردوغان رفض حتى الآن الاعتراف بنتائج الانقلاب العسكري في مصر، ووقف ضد النظام في سورية، والثالثة التي أثارت غيظ القوم، وقوفه مع حكومة الوفاق في ليبيا ضد الجنرال الانقلابي خليفة حفتر، والمدعوم سرّا وعلنا من قوى غربية، ودول عربية معروفة بدعمها للثورات المضادة.

ومن الجدير بالذكر أن معاهدة لوزان آنفة الذكر نصت على تخلي تركيا الجديدة عن حقوقها في الدول العربية ومنها ليبيا التي احتلها الطليان قبل المعاهدة بحوالي عقد من الزمن، ويدرك هؤلاء أن تركيا بإعادة آيا صوفيا مسجدا في ذكرى توقيع المعاهدة، مع تدخلها الفعلي في الأحداث في ليبيا ترسل رسائل قوية سياسيا وعسكريا بأنها لم تعد تركيا المنكفئة على ذاتها، أو التي يقتصر دورها على تنفيذ رغبات الدول العظمى والكبرى، وأنها لم تعد منسلخة عن تاريخا الطويل في حماية ورعاية المسلمين الذين قادت مسيرتهم قرونا طويلة، وبدل أن يفرح هؤلاء ويفصلوا بين موقفهم المناوئ لأردوغان، وبين عودة أو لنقل بداية عودة دولة مسلمة كبيرة إلى هويتها وحضارتها، وقفوا موقف المناكفة وكيل الشتائم والمزايدة-بغطاء ديني أو سياسي- لخطوة يفترض أن يرحبوا بها، أو على الأقل يسكتوا ولا يعلقوا عليها، فما صدر منهم وعنهم كشف حقائق توجهاتهم المعادية للهوية والثقافة الإسلامية، وليس لتيار أو حزب أو جماعة، مثلما ظلوا يزعمون طوال السنوات الماضية…عودة آيا صوفيا بمثابة النازع لأقنعة الزيف والتضليل كما تبين.

من حسنات عودة آيا صوفيا إلى مؤسسة الوقف الإسلامي التركي، فتح ملفات المساجد والأبنية التاريخية الإسلامية في العديد من بلدان العالم التي حولت إلى كنائس أو متاحف أو بارات أو مطاعم أو حتى زرائب للحيوانات، لا أقول بأن هذا الموضوع لم يكن متداولا، ولكنه انتقل من أرشيف التوثيق التاريخي، إلى فضاء التفاعل الموضوعي المكثف، وفي صدارة المساجد التي تم تدنيسها وتغييرها وتحويلها، مساجد في فلسطين المحتلة تحدث عن بعضها راعي كنيسة اللاتين في غزة سابقا رجل الدين المسيحي الفلسطيني (منويل مسلّم):-

وهذا يقود إلى أهم مسجد يتعرض للاعتداءات اليومية، والتهديد بتقسيمه الزماني والمكاني، بل حتى هدمه لإقامة هيكل مزعوم مكانه أي المسجد الأقصى المبارك، وهو ثالث مسجد عند المسلمين بعد المسجدين الحرام والنبوي، وقبلتهم الأولى، ومسرى النبي محمد-صلى الله عليه وآله وسلم- وجوهر الصراع بين الحركة الصهيونية والشعب الفلسطيني خاصة وعموم العرب والمسلمين عامة.

ذلك أن إسرائيل قامت وتقوم بدعم مطلق من الدول الغربية التي أسستها وأمدّتها بأسباب القوة العسكرية والسياسية والإعلامية، وباركت علنا أو بالتواطؤ جرائمها بحق المسجد الأقصى، ومدينة القدس التي اعترف ترمب رئيس الولايات المتحدة أهم وأكبر وأقوى دولة غربية، بها عاصمة للكيان العبري ونقل سفارة بلاده إليها، وبالمناسبة لو فاز منافسه بايدن فلا تراجع عن هذا القرار-إلا في حال حدث تغير دراماتيكي غير متوقع- لأنه قرار كان يتم تأجيله من الرؤساء السابقين وهو توجه دولة لا خيار ونزوات رئيس أو مسؤول، وعودة آيا صوفيا إلى أصله دفعت الشيخ رائد صلاح وهو شيخ الأقصى، إلى اعتبار الأمر بشارة بعودة السيادة الإسلامية إلى المسجد الأقصى المبارك:-

وهذا الرجل  قضى سنوات طويلة من عمره مدافعا عنه، ومرابطا فيه، وداعما لكل المرابطين والمرابطات فيه، وهو سيدخل بناء على حكم محكمة إسرائيلية السجن في أيلول/سبتمبر القادم ليقضي حكما مدته 28 شهرا، وهي ليست المرة الأولى التي يعتقل فيها الشيخ ويضاف لها ملاحقته ومضايقته وفرض الإقامة الجبرية عليه ومنعه من دخول المسجد الأقصى مرات عدة، والسبب هو تصديه للعدوان الإسرائيلي المتواصل على المسجد الأقصى…وبالتالي لا يمكن المزايدة عليه، وكلامه ردّ على من يقول: ما علاقة آيا صوفيا بالمسجد الأقصى، أو من يزاود ويقول: ليحرك أردوغان جيشه لتحرير القدس والأقصى الآن، وهو يدرك أنه لو اتخذ قرارا كهذا حاليا ستقف في وجهه جيوش دول يدافع هذا المزايد عنها أو هو تابع لها…لكن العبرة أنه كما تحوّل آيا صوفيا بقرار أو بإيحاء غربي إلى متحف، فإن المسجد الأقصى المحتل بدعم وسلاح غربي سيعود إلى أهله قريبا إن شاء الله.

وفي كل الأحوال فإن عودة آيا صوفيا إلى ما كان عليه على يد السلطان محمد الفاتح-رحمه الله- حمل رسائل سياسية عدة واضحة لكل ذي بصيرة من جهة، وفتح أعين المسلمين على مساجد وأبنية لهم دنست وحوّلت إلى ما ذكرنا، وأيضا كشفت وجوها وأقنعة كثير ممن ينتسبون إلى العرب والمسلمين الذين تخلّوا عن تلك الأقنعة وأعلنوا صراحة أنهم يقفون على الجانب المعادي لتراث الأمة وثقافتها وتاريخها والأهم كرامتها وعزتها.

×
أخبار
ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط