كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

إيران تتحرك للتصديق على اتفاقية بحر قزوين .. وحدود القاع الغنية بالنفط والغاز لا تزال معلقة

إيران تتحرك للتصديق على اتفاقية بحر قزوين .. وحدود القاع الغنية بالنفط والغاز لا تزال معلقة

تاريخ النشر: 2026-08-11 | 16:00

طهران: تحركت حكومة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لإحالة اتفاقية الوضع القانوني لبحر قزوين لعام 2018 إلى البرلمان للتصديق عليها، بعد سبع سنوات من بقائها معلقة دون إقرار، في خطوة أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية داخل إيران، والمتعلق بحصتها التاريخية من البحر ومستقبل ترسيم حدود القاع الغني بالنفط والغاز.

وبحسب تقرير نشره موقع Iran International، بقلم الصحفية مريم سينائي في 8 أغسطس/آب 2026، فإن الخطوة تضع طهران أمام معادلة معقدة تجمع بين اعتبارات الأمن القومي والمصالح الاقتصادية والجيوسياسية؛ ففي الوقت الذي ترى فيه الحكومة أن التصديق يستكمل الإطار القانوني لبحر قزوين ويوفر ضمانات أمنية مهمة على الحدود الشمالية، يخشى معارضون من أن يؤدي إقرار الاتفاقية قبل حسم حدود القاع إلى إضعاف الموقف التفاوضي الإيراني مستقبلًا.

وكان قادة الدول الخمس المطلة على بحر قزوين، وهي إيران وروسيا وأذربيجان وكازاخستان وتركمانستان، قد وقعوا في مدينة أكتاو الكازاخستانية عام 2018 اتفاقية الوضع القانوني للبحر، بعد سنوات طويلة من المفاوضات بشأن طبيعة هذا المسطح المائي وحقوق الدول الساحلية فيه. لكن إيران ظلت الدولة الساحلية الوحيدة التي لم تستكمل عملية التصديق البرلماني على الاتفاقية.

ويكتسب قرار حكومة بزشكيان أهمية إضافية بسبب توقيته، إذ يأتي في خضم ظروف أمنية وعسكرية استثنائية تواجهها إيران، مع تعرض سواحلها الجنوبية لضربات متكررة وإغلاق مضيق هرمز، وهو ما يرفع من الأهمية الاستراتيجية والتجارية للممر الشمالي عبر بحر قزوين باتجاه روسيا.

وتتعامل اتفاقية أكتاو مع بحر قزوين باعتباره مسطحًا مائيًا ذا وضع قانوني خاص وفريد، وليس بحرًا عاديًا يخضع بصورة كاملة للقواعد التقليدية لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. وبموجب الاتفاقية تحصل كل دولة ساحلية على نطاق يبلغ 15 ميلًا بحريًا بوصفه مياهًا إقليمية كاملة السيادة، إضافة إلى 10 أميال بحرية أخرى تتمتع فيها بحقوق صيد حصرية، بينما تبقى بقية مساحة سطح البحر مفتوحة للملاحة المشتركة بين الدول الخمس.

لكن الاتفاقية لم تحسم القضية الأكثر تعقيدًا بالنسبة إلى إيران، وهي كيفية تقسيم قاع بحر قزوين والثروات النفطية والغازية الموجودة تحته.

فبموجب المادة الثامنة، أُرجئ تحديد ملكية القاع وترسيم حدوده إلى اتفاقيات ثنائية أو متعددة الأطراف لاحقة بين الدول المعنية. وبينما تمكنت روسيا وكازاخستان وأذربيجان من التوصل إلى تفاهمات بشأن حدودها في الجزء الشمالي من البحر، ظلت الحدود المتعلقة بإيران وأذربيجان وتركمانستان دون تسوية نهائية.

وهذه المسألة تشكل جوهر الاعتراضات الداخلية على التصديق، لأن الخلاف بالنسبة إلى طهران لا يتعلق بمساحة سطح البحر بقدر ما يرتبط بالسيطرة على مناطق القاع وما تحتويه من احتياطيات محتملة من النفط والغاز.

ويستند جانب مهم من الجدل الإيراني إلى قراءة تاريخية لمعاهدتي عامي 1921 و1940 الموقعتين بين إيران والاتحاد السوفيتي، إذ ترسخ لدى قطاعات من الرأي العام والنخبة السياسية الإيرانية اعتقاد بأن تلك الترتيبات منحت إيران حقوقًا تصل إلى نصف بحر قزوين.

غير أن انهيار الاتحاد السوفيتي وظهور أربع دول مستقلة على سواحل البحر غيّرا المعادلة الجغرافية والسياسية والقانونية بالكامل، وأصبحت مسألة تحديد المناطق البحرية أكثر تعقيدًا.

وفي النقاشات التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي، تمسكت إيران في مراحل مختلفة بمطلب الحصول على نحو 20 في المئة من بحر قزوين، بينما يمكن أن تؤدي صيغة تعتمد «خط الوسط المعدل» إلى حصولها على نسبة تتراوح بين 11 و13 في المئة تقريبًا، نتيجة الشكل المقعر للساحل الإيراني.

لكن هذه الأرقام لا تمثل حقوقًا قانونية نهائية أو حصصًا أقرتها اتفاقية أكتاو. فالاتفاقية نفسها لا تحدد نسبة مئوية لأي دولة، كما أن نسبتي 20 في المئة و11-13 في المئة تعكسان مواقف تفاوضية وقراءات متباينة للمعاهدات السابقة ولآليات ترسيم الحدود، فيما لا يزال التقسيم النهائي لقاع البحر بالنسبة إلى إيران غير محسوم.

في المقابل، تركز الحكومة الإيرانية والمؤيدون للتصديق على المكاسب الأمنية التي توفرها الاتفاقية، وفي مقدمتها المادة الثالثة التي تحظر وجود قوات مسلحة تابعة لدول غير مطلة على بحر قزوين.

ويمثل هذا البند أهمية استراتيجية خاصة لطهران، لأنه يحول دون تمركز قوات عسكرية تابعة لقوى خارجية في المجال القزويني أو استخدام أراضي الدول الساحلية لوجود عسكري أجنبي يمكن أن يشكل تهديدًا لإيران.

وفي ظل الضغوط التي تواجهها إيران على جبهتيها الجنوبية والغربية، تكتسب الحدود الشمالية أهمية متزايدة في الحسابات الأمنية الإيرانية. ومن هذا المنظور، ترى جهات داخل المؤسسة الإيرانية أن التصديق على الاتفاقية يساهم في تثبيت وضع قانوني يجعل بحر قزوين منطقة مغلقة أمام الانتشار العسكري للدول غير الساحلية، بما يوفر لطهران هامشًا أكبر من الأمن على حدودها الشمالية.

إلا أن هذا المكسب الأمني لا يقنع معارضي التصديق، وبينهم نواب في البرلمان ومحللون مقربون من الحرس الثوري، ممن يحذرون من أن المصادقة على الاتفاقية قبل التوصل إلى تسوية نهائية بشأن حدود القاع يمكن أن تقلص أوراق إيران التفاوضية.

ويخشى هؤلاء من أن تحصل الدول الأخرى على غطاء قانوني نهائي للإطار العام للاتفاقية، بينما تبقى القضايا الأكثر أهمية بالنسبة إلى إيران معلقة، ولا سيما المناطق الغنية بالطاقة وحدودها مع أذربيجان وتركمانستان.

ويستند المعارضون كذلك إلى عدم استكمال الاتفاقات التكميلية التي كان يفترض إنجازها بعد توقيع اتفاقية أكتاو، ويرون أن منح الاتفاقية التصديق النهائي قبل إتمام تلك الترتيبات قد يضع طهران في موقف تفاوضي أضعف عند الانتقال إلى مناقشة ترسيم القاع.

ولا تقتصر المخاوف الإيرانية على النفط والغاز الموجودين تحت قاع بحر قزوين، بل تمتد إلى مستقبل طرق نقل الطاقة والتجارة بين آسيا الوسطى والقوقاز وأوروبا.

وتثير المادة 14 من الاتفاقية جدلًا خاصًا، لأنها تتيح مد خطوط أنابيب بحرية بموافقة الدول التي تعبر تلك الخطوط قطاعاتها من قاع البحر، من دون اشتراط الحصول على موافقة جماعية من جميع الدول الخمس.

ويمكن لهذا الترتيب أن يسهل إقامة خطوط لنقل الغاز والطاقة من تركمانستان أو كازاخستان عبر بحر قزوين إلى أذربيجان، ومنها إلى تركيا والأسواق الأوروبية.

ومن وجهة النظر الإيرانية المنتقدة، يمكن لمثل هذه المشاريع أن تعزز الموقع الاقتصادي والجيوسياسي لأذربيجان وتمنحها دورًا أكبر في ربط موارد آسيا الوسطى بالأسواق الغربية، بالتوازي مع تنشيط مشاريع وممرات إقليمية ترتبط بما يعرف بـ«العالم التركي» وممر زنغزور.

وقد يأتي ذلك على حساب إيران التي تسعى إلى الحفاظ على موقعها بوصفها ممرًا جغرافيًا محتملًا لتجارة وطاقة دول آسيا الوسطى باتجاه الأسواق الجنوبية والغربية.

ومن هنا، فإن الخلاف بشأن التصديق لا يتعلق فقط بسؤال قانوني حول تقسيم بحر قزوين، بل يرتبط بمنافسة أوسع على شكل شبكات الطاقة والتجارة والمواصلات التي تتشكل بين آسيا الوسطى وجنوب القوقاز وتركيا وروسيا وإيران.

كما امتدت المعارضة للتصديق إلى أطراف إيرانية خارج النظام السياسي. فقد وجه رضا بهلوي، نجل شاه إيران السابق وأحد أبرز وجوه المعارضة الإيرانية في الخارج، انتقادات حادة للخطوة عبر منصة «إكس»، معتبرًا أن المصادقة دون تفويض شعبي أو ضمانات واضحة لما وصفه بحقوق إيران التاريخية تشكل تهديدًا للمصالح الوطنية.

وذهب مستشاره سعيد قاسمي‌نژاد إلى أبعد من ذلك، محملًا حكومتي حسن روحاني ومسعود بزشكيان مسؤولية ما اعتبره تفريطًا في الأراضي والمياه الإيرانية لمصلحة قوى أجنبية، مستخدمًا مقارنة تاريخية مع التنازلات التي شهدتها إيران خلال العصر القاجاري.

وتعكس حدة هذه المواقف الحساسية السياسية والقومية الكبيرة التي تحيط ببحر قزوين داخل إيران، حيث لا يُنظر إلى الملف باعتباره مجرد مفاوضات تقنية بشأن حدود بحرية، بل باعتباره قضية مرتبطة بالسيادة الوطنية والذاكرة التاريخية والعلاقة مع روسيا والجمهوريات السوفيتية السابقة.

وفي الوقت نفسه، لا تعني إحالة الاتفاقية إلى البرلمان أن طهران وافقت على نسبة محددة من بحر قزوين أو تخلت قانونيًا عن حصة معينة، لأن الاتفاقية لا تتضمن أصلًا تقسيمًا نهائيًا للبحر بين الدول الخمس، كما أن الحدود المتعلقة بقاع البحر في القطاع الإيراني لا تزال بحاجة إلى مفاوضات واتفاقات لاحقة.

وتكمن المفارقة الأساسية في أن عناصر القوة والضعف في الاتفاقية بالنسبة إلى إيران تنبع من النقطة نفسها تقريبًا. فمن الناحية الأمنية، يمنح الإطار القانوني طهران ضمانة مهمة تتمثل في منع القوى العسكرية الخارجية من التمركز في بحر قزوين، الأمر الذي يكتسب وزنًا أكبر في ظل الظروف العسكرية الراهنة. أما اقتصاديًا وجيوسياسيًا، فإن عدم حسم حدود القاع ومسارات الطاقة يجعل التصديق محل قلق لدى من يخشون خسارة أوراق تفاوضية يمكن أن تكون حاسمة مستقبلًا.

وبذلك، فإن تحرك حكومة بزشكيان بعد سبع سنوات من تجميد التصديق يعيد فتح السؤال الأساسي الذي رافق المفاوضات الإيرانية حول بحر قزوين منذ انهيار الاتحاد السوفيتي: هل ينبغي لطهران تثبيت الإطار القانوني والأمني للبحر أولًا ثم التفاوض على حدود القاع، أم أن عليها الاحتفاظ بورقة التصديق إلى حين الحصول على تسوية أكثر وضوحًا لحقوقها في الموارد والثروات؟

والأرجح أن هذا السؤال سيكون في صلب النقاش داخل البرلمان الإيراني، لأن المصادقة على اتفاقية أكتاو قد تنهي مرحلة طويلة من الغموض بشأن الوضع القانوني العام لبحر قزوين، لكنها لن تنهي النزاع الأكثر أهمية بالنسبة إلى إيران؛ إذ ستبقى حدود القاع، وملكية موارده النفطية والغازية، ومستقبل خطوط الطاقة والممرات التجارية ملفات مفتوحة على مفاوضات جديدة بين طهران وجيرانها في بحر قزوين.

×
أخبار
جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط