كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

إيران... مطاردة الرغبة المستحيلة

إيران... مطاردة الرغبة المستحيلة

تاريخ النشر: 2019-04-27 | 09:08

محمد الرميحي
محمد الرميحي

يحتاج متخذ القرار في إيران إلى بعض الوقت كي يقتنع بأن مشروعه السياسي في الجوار غير مقبول لذلك الجوار على الصُّعد كافة، وأنه مشروع سياسي لا يصلح لنا نحن العرب! مهما لبس من لبوس التخفي، فالبعض في طهران يعرف أن ذلك المشروع السياسي الذي يروَّج له، فاشل وغير قابل للتحقيق، ولكنه يكابر أو يداهن. فالشعور الوطني العربي هو شعور حقيقي رافض للإذعان للآخر تاريخياً. لا يضحّي العرب بشعورهم الوطني، وربما هو نفس الشعور الذي يحمله الإيراني أو التركي تجاه بلاده.

جاء في الأخبار الأسبوع الماضي أن مظاهرة مشت في طهران تطالب بطرد العراقيين من إيران. تلك ليست المرة الأولى، فقد عانى مَن لجأ إلى إيران من العراقيين إبان الحرب العراقية الإيرانية من سخونة الازدراء الواضح أو الخفي تجاههم. بقيت مجاميع العراقيين في إيران مضطرين، وبعضهم التجأ بسبب سخونة الازدراء إلى مناطق أخرى في العالم المحيط، لم يشفع لهم اشتراكهم في المذهب من لسعة السخونة الازدرائية، فالكراهية قديمة مع الأسف وتاريخية، وتشير الكتب المدرسية الإيرانية إلى مرحلة دخول الإسلام إلى الهضبة الإيرانية على أنها «احتلال عربي»، وهي كراهية لها أب هو الجهل، وأمٌّ هي الشعور القومي الإيراني بالتفوق، فهي، أي الكراهية، ابنة شرعية لتلك الثنائية المقيتة، ولا يُستبعد في القريب أن تسير مظاهرة أو عدد من المظاهرات في بغداد منددةً بالنفوذ الإيراني المستفحل الذي يتحكم في مفاصل القرار العراقي وتفاصيل حياة العراقيين. الشعور الوطني العربي لا يطيق المشاركة في شؤونه العامة من الأغراب أو القريبين، وهو شعور طبيعي يشعر به الإيرانيون وغيرهم من الشعوب تجاه الآخرين، أكانوا على قرب أو بُعد جغرافي منه.

تلك حقيقة كلما وصل إليها متخذ القرار الإيراني قلّ التوتر في منطقتنا، بل ربما قد يختفي، لتعيش الشعوب علاقات طبيعية حديثة ومتحضرة. القاعدة هنا هي أن المواطن يتوق أن يعيش في وطن مستقل بعيد عن الهيمنة.

نعرف من أحداث قريبة أن هناك الكثير من المعارضة العراقية للتدخل الإيراني في الشأن العراقي، وقد شهدنا بعضها في الشهور الأخيرة، ربما يقمع ظهورها العلني المستمر بعض المستفيدين في السلطة اليوم، ولكن تلك المعارضة سوف تظهر على السطح عاجلاً أو آجلاً. في كتاب عالم الاجتماع العراقي فالح عبد الجبار المعنون «العمامة والأفندي - دراسة سوسيولوجية في خطاب وحركات الاحتجاج الديني» يذكر الكاتب كيف قام العراقيون خلال الأيام الأولى للتخلص من النظام البعثي السابق بإطلاق النار على منتسبي الفيلق العربي من الخلف، وكان صدام حسين قد جمع ذلك الفيلق من مجموعات عربية (غير عراقية) للحرب بجانبه ومساندته. إطلاق النار جاء تعبيراً عن رفض العراقيين للتدخل في شؤونهم حتى من العرب! ومن تاريخ ساطع الحصري الملقب بـ«أبو القومية العربية» نعرف أنه لما تسلم وزارة المعارف في العراق في عشرينات القرن الماضي وقد كلّفه الملك فيصل الأول بذلك، أراد تعيين مجموعة من المدرسين السوريين في المدارس العراقية، فقامت مظاهرات ضده رافضة ذلك، تحمل شعاراً ملتبساً «الوحدة دون توظيف»! رفضاً لتوظيف السوريين في المدارس. ومن جانب آخر قضى حكم البعث العربي ردحاً من الزمن يحكم بلاداً عربية متجاورة هي سوريا والعراق، وعلى الرغم من الشعارات الطنانة في الوحدة والاندماج في أدبيات ذلك الحزب، فإن ما صار من عداوة بين بغداد ودمشق في أثناء حكم البعثيين لم يحدث مثله إلا قليلاً بين عواصم عربية، بل حتى في وقت التقارب بين البلدين، كان العراقيون يرفضون في حال (تحقيق الوحدة) أن تتم مشاركة الآخرين في الريع النفطي المنتج في أرض العراق.

المحصلة من سرد تلك الشواهد هي القول إن الدولة الوطنية العربية كما تشكلت واستقرت بعد الحرب العالمية الأولى فقد انبثقت عنها هوية واقعية لم تستطع الشعارات أن تزيلها أو تخفض من حرارتها.

سقوط الوحدة المصرية السورية في بداية ستينات القرن الماضي شاهد آخر، فقد كانت «الوطنية السورية» تقاوم «الوطنية المصرية»، وقد عملت آليات تلك المقاومة على تفكيك الوحدة الهشّة وأدت إلى سقوطها السريع. ومن يريد أن يقرأ نتائج كل تلك التجارب القديمة والحديثة فإنه يصل إلى أن الشعور الوطني في الدولة الحديثة يقاوم فكرة الهيمنة من دولة أخرى. الهيمنة هي فكرة مكتوب لها الفشل بأحرف كبيرة وبأي مسمى سُميت به، أكانت قومية أو فئوية أو مذهبية. فليس مستبعداً والأمر ذاك أن تسير مظاهرات في دمشق وبيروت وصنعاء وبغداد في المستقبل ترفض التدخل الإيراني القائم في الشكل على تصدير المذهب، وفي الجوهر على الهيمنة الفارسية، بل قد نجد داخل (جماعات إيران) السائرين في ركابها اليوم مَن يشقّ عصا الطاعة على قياداته بسبب الغبن الذي يشعر به نتيجة تلك الهيمنة والتسلط.

هذه الفكرة المتمثلة كحقيقة واقعة، وهي «قوة وتجذر الشعور الوطني»، لم تصل بعد إلى متخذ القرار في طهران، أو هو حتى الساعة أمام رفض لها واقعاً تحت وهم ويطارد رغبة مستحيلة، ربما مخادعاً نفسه ومطلقاً شعارات يعرف كثيرون من حوله أنها شعارات زائفة. المظاهرات ضد العراقيين في إيران هي رأس جبل الثلج، فقد بدأ وعي جديد لدى قطاعات واسعة من الشعب الإيراني تعي أن كل تلك الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعانون منها والمناكفة مع القوى الدولية التي ليس من ورائها طائل، هي بسبب ذلك الوهم في عقول ملالي طهران، حيث يرغب أهل الحكم في طهران تصديقه، وهي حملة التوسع التي سوف تعيد إلى الإمبراطورية الفارسية مجدها القديم! ومع اشتداد الحصار الاقتصادي، خصوصاً منع تصدير النفط الذي يتغذى عليه معظم النشاط الاقتصادي الإيراني تتضح الحقيقة أكثر وأكثر. ونحن اليوم أمام احتمال مَن سوف يضغط على الزناد أولاً، أهو النظام باتجاه مَن يعتبرهم أعداءه، أم هي جحافل الشعب الإيراني التي يمكن أن تسير في شوارع مدن إيران الكبرى حاملة ما حملته جماعات الشعب السوداني والشعب الجزائري مؤخراً من مطالب بالتغيير، وبأن الحال لم يعد يُحتمل وأن التغيير فرض عين لا فرض كفاية؟

آخر الكلام:

إحدى الأكاذيب الكبرى التي ما زال النظام الإيراني يدغدغ بها مشاعر العامة هي «حرب إسرائيل»، ونخبته ومحازبوه أول من يعرف أنه ليس فقط غير قادر على ذلك، ولكنه أيضاً غير راغب! هو بشعاراته يغذّي فرص استثمار الخوف من قبل الساسة الإسرائيليين ويساعدهم على البطش بالفلسطينيين!

عن الشرق الأوسط اللندنية

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط