كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

إيران وملامح عسكرة رئاسة الجمهورية

إيران وملامح عسكرة رئاسة الجمهورية

تاريخ النشر: 2020-11-26 | 10:58

حسن فحص
حسن فحص

قد لا يكون قرار الجنرال حسين دهقان بالترشح لسباق الانتخابات الرئاسية الإيرانية في 18 حزيران (يونيو) 2021، مفاجئاً أو من خارج بعض السياقات التي يجري الحديث عنها في ما يتعلق بمستقبل الجهة التي ستتولّى إدارة البلاد، وتقبض على السلطة التنفيذية في النظام الإيراني. وهذا لا يعني أن دفع دهقان بورقة ترشحه والإعلان عنها قد يكون هو المفاجأة، ويحمل الكثير من المؤشرات إلى وجود جدّية في وصوله إلى هذا الموقع، وقطع الطريق على المرشحين الآخرين الطامحين للجلوس على كرسي الرئاسة بعد حسن روحاني، كونه يشغل منصب "مستشار المرشد (علي خامنئي) لشؤون الصناعات الدفاعية والعسكرية"، أي أنه لم يقدم على هذه الخطوة من دون الحصول على ضوء أخضر من خامنئي يضمن تأييده ودعمه، ليكون مقدماً بين متساوين طامحين إلى هذا الموقع من داخل التيار المحافظ بكل أجنحته، والأوفر حظاً بينهم ليكون محل ثقة المرشد والمؤسسة العسكرية.

وقد يكون دهقان هو المرشح الرئيس والنهائي للمؤسسة العسكرية، تحديداً "حرس الثورة الإسلامية"، وقد لا يكون كذلك لجهة أن الفترة الفاصلة للانتخابات في حدود ثمانية أشهر، ومن الممكن أن تشهد تحوّلات أو تطورات تفرض على الجهة الداعمة لترشيحه، إدخال تعديلات على خططها وأولوياتها. إلا أن ما يميّز دهقان عن المرشحين الآخرين المطروحين حالياً، أنه لم يغادر هذه المؤسسة حتى الآن، وما زال من عناصرها الفاعلين والعاملين، وتنقّل في السنوات الأخيرة من موقع إلى آخر في إطار عمل وتمثيل هذه المؤسسة، حتى بعد انتقاله إلى مكتب المرشد "البيت" ليكون مستشاراً له في شؤون الصناعات العسكرية والدفاعية، التي تشرف على مختلف الأنشطة الاستراتيجية من نووية وصاروخية، وصولاً إلى النفوذ الإقليمي، نظراً إلى دوره المبكر وانخراطه في العمل خارج الحدود الإيرانية، تحديداً على الساحة اللبنانية في الفترة التي شهدت انتشار عناصر من الحرس الثوري في هذا البلد بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، وما يُقال عن دوره حين كان يتولّى قيادة قوات الحرس في سوريا ولبنان، في التفجير التي استهدف مقر قوات المارينز الأميركية بالقرب من مطار بيروت عام 1983، وأدى إلى سقوط حوالى 241 جندياً أميركياً.

الدفع أو الضوء الأخضر لترشّح دهقان الآتي من "البيت"، لا يخرج عن الإطار العام الذي حكم وسيطر على آليات عمل المؤسسة العسكرية في حرس الثورة وجهودها للسيطرة على مفاصل القرار في السلطة التنفيذية. وهو خيار يدخل في إطار استراتيجية قديمة تتجدّد كل أربع سنوات مع موعد الانتخابات الرئاسية، وشكّلت مصدر قلق لدى الكثير من القوى الإيرانية، خصوصاً الإصلاحية التي عملت على التصدي لجهود عسكرة النظام بشكل واضح في انتخابات عام 2009، من خلال الدفع بترشيح مير حسين موسوي ودعمه لقطع الطريق على عودة محمود أحمدي نجاد، وما تؤسس له من تكريس نفوذ وتغلغل المؤسسة العسكرية في القرار السياسي وإدارته، لا سيما أن هذه القوى وأثناء رئاسة محمد خاتمي، خاضت معركة لاستعادة الإمساك بإدارة الملفات السياسية والدبلوماسية والعلاقات الخارجية، خصوصاً في منطقة الشرق الأوسط (المحيط الإيراني)، التي بدأت تتكرّس لصالح حرس الثورة الذي صادر مهمة تعيين السفراء الإيرانيين في عدد من عواصم المنطقة من يد الخارجية والحكومة، وتولّى رسم سياسات النظام في التعامل مع هذه الدول بالتنسيق مع مكتب المرشد "البيت"، الذي يعتبر المسائل المتعلقة بالقرارات الاستراتيجية على الساحتين الدولية والإقليمية من صلب اختصاصاته، فلا يسمح لأي طرف داخلي بالتأثير في مساراتها.

إن لجوء قيادة النظام إلى تبنّي ترشّح دهقان للسباق الرئاسي في حال حصوله، يعني أن النظام وقيادته قد استنفدا كل خياراتهما في البحث عن بديل، يسدّ الفراغ الذي أحدثه الاغتيال الأميركي لقائد قوة القدس الجنرال قاسم سليماني، الذي كان يُعتبر المرشح الطبيعي والخيار الأنسب لهذه القيادة، ليكون على رأس السلطة التنفيذية بما يضمن توحيد القرار السياسي والاستراتيجي والتنفيذي في قبضة دائرة القرار الأساسية للإدارة العميقة.

والذهاب إلى هذا الخيار في مرحلة قد تشهد مساعٍ دولية لإعادة فتح مسار التفاوض مع واشنطن، بغية إحياء الاتفاق النووي وتخفيف العقوبات الاقتصادية، يعني أن النظام يحاول رفع "البطاقة الحمراء" في وجه ما يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية من فرض شروط على آليات عودتها إلى الاتفاق النووي، بالتالي وضع شخصية في صدارة المشهد السياسي والتنفيذي، سبق أن وضعتها إدارة الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترمب على لائحة العقوبات، ويأتي من مؤسسة سبق أن أُدرجت أيضاً على لائحة المنظمات الداعمة للإرهاب (حرس الثورة)، بما يشكل تحدياً للإدارة الجديدة في التعامل مع هذه المعضلة. كما أن أي تشدد قد تبديه واشنطن في رفض التفاوض مع هذا الرئيس في حال كان الفائز أو الرئيس المقبل لإيران، يعني أنها أسقطت كل الذرائع في رفضها لإرادة الشعب في خياراته بغض النظر عن حجم التمثيل، وتعطي لمرشد النظام الغطاء أو المسوّغ السياسي والقانوني لرفض الضغوط الأميركية التفاوضية، في حين يشكل قبول واشنطن بهذا الرئيس انتصاراً سهلاً على عقيدة العقوبات والضغوط التي مارستها الإدارة الأميركية ضد طهران ونظامها، ونقطة انطلاق نحو فرض مزيد من الشروط في الملفات العالقة بينهما وتنتظر التفاوض حولها.

وقد يكون ترشيح دهقان على حساب شخصية شابة من داخل الحرس، ويتولّى مسؤولية قيادة مقر خاتم الأنبياء للإعمار والبناء "سعيد محمد"، في سياق الاستراتيجية التي وضعها المرشد، الذي أكد ضرورة "تشبيب" - إذا جاز التعبير- القيادات في الدولة، لتكون قادرة على تلبية تطلعات الأجيال الجديدة ومخاطبتها من جهة، وتحافظ على شعارات الثورة والنظام من جهة أخرى. وهناك إمكانية أن يكون ترشيح دهقان "بالون اختبار" لمعرفة نبض الشارع الإيراني وحجم الاعتراضات على تقديم مرشح من المؤسسة العسكرية، يمهّد الطريق لدفع المرشح الأصيل إلى الواجهة والإتيان به إلى رئاسة السلطة التنفيذية، في إطار بلورة مشروع الإمساك بهذه السلطة كمقدمة لتكريس مستقبل النظام الإيراني وحصره في يد المؤسسة العسكرية التي ستتولّى مهمة ترتيب الأوضاع في طهران بعد حصول فراغ في موقع ولي الفقيه والمرشد، بما يسمح لها بإيصال الشخصية التي تريدها إلى هذا الموقع، على أن تتفرّد بالقرار أو أن تكون على الأقل شريكاً مقرراً في استراتيجيات النظام ورسمها.

قطع الطريق على أي ضغوط قد تفرضها إدارة بايدن للانتقال من التفاوض حول البرنامج النووي والاتفاق حوله، إلى التفاوض على موضوع عودة العلاقة بين الطرفين والبدء بتطبيعها، وإنهاء حالة العداء التاريخية بينهما، بما يخدم الرؤية الأميركية وحتى الإيرانية حول مستقبل منطقة الشرق الأوسط والاستقرار في غرب آسيا.

الإمساك بقرار التفاوض حول الملفات التي ترغب وتدفع إدارة بايدن لفتحها، والمتعلقة بالبرنامج الصاروخي والنفوذ الإقليمي وضمان وجود شخصية في موقع رئاسة السلطة التنفيذية التي ستتولّى عملية التفاوض، لا يمكن أن تتهاون بأوراق قوة النظام في مواجهة أي تهديد أو تحجيم لدوره، خصوصاً أن خيار دهقان في حال سارت قيادة النظام به إلى النهاية، يرتبط بهذين الملفين مباشرة، كونه شغل منصب وزير الدفاع والصناعات العسكرية ومستشاراً للمرشد في مجال هذه الصناعات، وهو على معرفة بتفاصيل ملف النفوذ الإقليمي الذي يقع في دائرة صلاحيات حرس الثورة، وكان شريكاً فيه خلال وجوده في سوريا ولبنان.

ترشح دهقان كواحد من أبناء مؤسسة الحرس وما زال يرتدي زيّها العسكري، لا يعني أن المرشحين الآخرين الذين يستعدون لخوض السباق الرئاسي بعيدون من هذه المؤسسة، كالجنرال محمد باقر قاليباف، الذي من المرجح أن تصاب طموحاته بانتكاسة إذا ما توضّحت صورة دعم "بيت" المرشد لهذا الترشح (دهقان)، إضافة إلى أن علي لاريجاني الرئيس السابق للنظام يُحسب أيضاً على هذه المؤسسة، على الرغم من قربه وميله أكثر إلى الاعتدال والسياسة التسووية، بناء على تجربته الواسعة في مواقع القرار والتفاوض داخل هرمية النظام ومؤسساته.

وفي ظل عدم سهولة الحسم بنهائية خيار دهقان الرئاسي، إلا أن الكشف عن هذا الترشح المبكر، يؤشر بشكل واضح إلى الأجواء والاتجاهات التي ستغلب على هذا السباق، ونوايا النظام حول مستقبل موقع رئاسة السلطة التنفيذية والجمهورية، وما هو المرسوم لها من دور ومهمات.

عن اندبندنت عربية

×
أخبار
بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط