كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

إيران 2026: من المفاوضات النووية إلى الضربة العسكرية وتداعياتها الإقليمية والدولية

إيران 2026: من المفاوضات النووية إلى الضربة العسكرية وتداعياتها الإقليمية والدولية

تاريخ النشر: 2026-03-02 | 12:31

انزلقت الأزمة بين إيران والولايات المتحدة، من مسار تفاوضي حذر إلى مواجهة عسكرية مباشرة، بعد انهيار جولات حوار استمرت أسابيع قليلة لكنها كانت مكثفة وحاسمة. البداية كانت في مسقط يوم 4 فبراير، حيث احتضنت سلطنة عُمان جولة أولى من المفاوضات غير المباشرة. سعت الوساطة العُمانية إلى بلورة إطار تفاهم حول البرنامج النووي الإيراني، مع تركيز واضح على نسب التخصيب وآليات الرقابة التي تضطلع بها الوكالة الدولية للطاقة الذرية. غير أن الفجوة بين الطرفين بدت منذ اللحظة الأولى عميقة: طهران تمسكت بحقها السيادي في التخصيب لأغراض سلمية، فيما اعتبرت واشنطن أن استمرار التخصيب، حتى تحت إشراف دولي، يُبقي هامشاً تقنياً يمكن أن يُختصر زمن التحول إلى قدرة عسكرية نووية. وأدلى رئيس فريق التفاوض الأمريكي ستيف ويتكوف يوم 23 فبراير بتصريح إعلامي حذر فيه من أن إيران باتت على مسافة أسبوع من امتلاك مواد انشطارية كافية لصنع سلاح نووي. هذا التقدير أعاد إلى الأذهان سوابق تاريخية ارتبطت بملف أسلحة الدمار الشامل في العراق عام 2003، وأثار شكوكاً حول توظيف عامل الزمن النووي في الضغط السياسي وتعبئة الرأي العام.

الجولة الثالثة، التي انعقدت في جنيف يومي 26 و27 فبراير، شكّلت نقطة التحول الفاصلة. أصرت واشنطن على مبدأ تصفير التخصيب بشكل دائم، مع تفكيك المنشآت النووية ونقل مخزون اليورانيوم إلى خارج إيران، إضافة إلى نظام تفتيش موسع. في المقابل، أكدت طهران أنها لا تسعى إلى امتلاك سلاح نووي، وأن التخصيب حق سيادي، وعرضت تجميداً مرحلياً وخفض المخزون إلى نسب متدنية تحت إشراف الوكالة الدولية. وإذا ما قورنت الطروحات الأمريكية الجديدة باتفاق عام 2015، الذي حدد سقف التخصيب عند 3.67% وفرض قيوداً على أجهزة الطرد المركزي دون المساس بالبنية الأساسية للبرنامج، يتضح أن المقترح الجديد سعى إلى إعادة صياغة كاملة للمعادلة النووية، وهو ما اعتبرته إيران مساساً بجوهر سيادتها التقنية.

مع انتهاء جولة جنيف دون اتفاق، بدا أن المسار الدبلوماسي قد استنفد أدواته. وفي صباح السبت 28 فبراير، قرابة الساعة 9:45 صباحاً، نُفذت إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية ضربة جوية دقيقة استهدفت مواقع استراتيجية داخل الأراضي الإيرانية، بعد توافر معلومات استخبارية عن 3 اجتماعات متزامنة لكبار القادة، بينها اجتماع برئاسة المرشد الأعلى. ووفق تقارير إعلامية غربية، أُلقيت عشرات القنابل على مجمع القيادة، ما أدى إلى تدمير المبنى بالكامل ومقتل عدد كبير من القيادات الأمنية والسياسية، وعلى رأسهم المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، وقائد الحرس الثوري اللواء محمد باكبور، والأدميرال على شمخاني. من منظور القانون الدولي، مثّل اغتيال رأس النظام السياسي واستهداف منشآت داخل أراضي دولة ذات سيادة انتهاكاً خطيراً لمبدأ عدم استخدام القوة المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة، وخرقاً لمبادئ السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. وقد أثار ذلك نقاشاً واسعاً حول حدود مفهوم الدفاع الوقائي ومدى مشروعيته في العلاقات الدولية المعاصرة.

العملية استندت إلى ما يُعرف في الأدبيات العسكرية بعقيدة قطع الرأس، أي استهداف القيادة العليا ومراكز اتخاذ القرار بهدف إرباك البنية القيادية وشل قدرتها على التنسيق. وجاء توقيت الضربة قبل عيد البوريم مباشرة، وهو عيد يهودي يستند إلى رواية سفر إستير التي تحكي عن إحباط مخطط الوزير الفارسي هامان (هامان الأجاجي) لإبادة اليهود في المملكة الفارسية والملكة استير قامت بإحباط المؤامرة. في هذا السياق، اكتسب التوقيت دلالة رمزية تتجاوز البعد العسكري، إذ جرى توظيف رواية تاريخية دينية في لحظة صراع سياسي مع إيران المعاصرة، في رسالة تجمع بين الردع المادي والرمزية النفسية.

داخلياً، شكّل اغتيال المرشد الأعلى لحظة مفصلية في تاريخ إيران. وبالاستناد إلى المادة 111 من الدستور الإيراني، أُعلن تشكيل مجلس قيادة مؤقت يضم رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان، ورئيس السلطة القضائية غلام أجئي، وعضو مجلس الخبراء علي رضا أعرافي، لتفادي أي فراغ دستوري. هذا الانتقال السريع عكس حرص مؤسسات الدولة على الحفاظ على الاستمرارية، لكنه فتح في الوقت نفسه باب الاحتمالات المتناقضة: إما اتجاه نحو براغماتية اضطرارية لاحتواء الضغوط، أو صعود قيادة أكثر تشدداً ترى في التصعيد وسيلة لإعادة إنتاج الشرعية الداخلية.

رغم جسامة الضربة الصِّهيو-أمريكية، يبقى سقوط النظام بالكامل احتمالاً ضعيفاً في المدى القريب. فالمؤسسة العسكرية والأمنية ما تزال متماسكة نسبياً، وأي انهيار شامل قد يفتح الباب أمام تفكك مؤسسات الدولة، وهو سيناريو لا تبدو القوى الإقليمية والدولية مستعدة لتحمل تبعاته، خصوصاً في ظل التعدد الإثني والعرقي داخل إيران. كما أن غياب النظام المركزي قد يحول دون وجود قوة منضبطة، ويفتح المجال أمام اضطرابات داخلية واسعة النطاق.

إقليمياً، ردّت طهران بإطلاق صواريخ على إسرائيل وعدد من القواعد الأمريكية في الخليج العربي، وأسفرت هذه العمليات عن إصابات بشرية محددة وأضرار في المعدات العسكرية. كما تم تدمير ثلاث منظومات رادارية أمريكية متقدمة تقع في قطر والكويت والبحرين، وتتميز بمدى يصل إلى مناطق سيبيريا. اتسعت رقعة الضربات لاحقاً لتشمل قبرص الرومية، ما يعكس قدرة الرد الإيراني على إلحاق خسائر تكتيكية دون استنزاف كامل قدراتها العسكرية. في المقابل، لم تُستهدف القواعد الأمريكية في أذربيجان بعد، رغم احتمال أن تتعرض لضربات لاحقة في حال استمرار العمليات. كما امتنعت طهران عن استهداف قاعدة إنجيرليك في تركيا، وهو قرار يُفسر بالإدراك الدقيق لحساسية المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي، إذ إن أي اعتداء على دولة عضو قد يفتح الباب أمام تدخل جماعي للحلف.  كل ذلك يشير إلى استراتيجية دقيقة تحاول من خلالها إيران حصر المواجهة ضمن نطاق محسوب، مع تجنب توسيع رقعة الحرب إلى مسارح إضافية، في ظل ترقب تأثير الأذرع الإيرانية في لبنان واليمن والعراق على مسرح العمليات الحربية. وفي حال استمرار التصعيد، يبرز احتمال تشكل تحالف دولي أوسع لمواجهة طهران، في سيناريو قد يستحضر تجارب تشكيل الحلف ضد بغداد عام 2003 بحجج نزع أسلحة الدمار الشامل.

وفي الكواليس، تبرز فرضية سعي واشنطن إلى تسوية سياسية مشروطة، تتضمن إعادة تعريف بنية النظام الإيراني والتخلي عن نموذج ولاية الفقيه لصالح صيغة جمهورية تقليدية، مع الإبقاء على بعض الوجوه التنفيذية الحالية. إلا أن مثل هذا الطرح، إن طُرح فعلاً، يواجه تعقيدات داخلية عميقة، نظراً لتشابك البنية العقائدية والسياسية للنظام.

في المحصلة، لا تمثل الضربة الصهيو-أمريكية لإيران حدثاً عسكرياً عابراً، بل نقطة تحول في صراع متشابك الأبعاد، إذ تتجاوز إطار الردع المباشر إلى محاولة إعادة تموضع استراتيجي قد تفضي إلى إعادة هندسة موازين القوى في الشرق الأوسط في سياق التحالفات الإبراهيمية، وهو ما قد يعيد رسم الخريطة الجيوسياسية للمنطقة. وفي المقابل، يبقى المسار الداخلي الإيراني عاملاً حاسماً، إذ قد تفرز المرحلة قيادة أكثر تشدداً تميل إلى التصعيد، أو تدفع نحو احتواء محسوب يحد من اتساع المواجهة، وبين هذين الاحتمالين تدخل المنطقة مرحلة سيولة استراتيجية مرشحة لإعادة تعريف قواعد الاشتباك لسنوات مقبلة.

×
أخبار
أمريكا: القبض على مهندس "يحمل الجنسية السعودية" في "أوبن أل" جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط