كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

أين مشروع اليسار العربي؟

أين مشروع اليسار العربي؟

تاريخ النشر: 2025-11-03 | 11:20

حمل اليسار العربي منذ مطلع القرن العشرين، وبالتحديد بعد ربع القرن الأول منه، مشروعًا تاريخيًا أقرب إلى التكامل، فهو من جهة ظهر بالضد من الاستعمار والتبعيّة والتخلّف، ومن جهة أخرى حمل راية التحرّر والاستقلال والعدالة الاجتماعية.

‏وانصهر فيه ما هو وطني بما هو اجتماعي، حيث اندفعت النخب من الطبقة الوسطى لترفع مشروع اليسار وأحلامه الكبيرة إلى درجة امتزاج الواقع بالمخيال الشعبي أحيانًا، في إطار سردية ثقافية وآمال عظيمة ووعود ضخمة.

‏لكن هذا المشروع الكبير تعرّض إلى التراجع والانكسار لاحقًا، وخصوصًا بعد مرحلة الاستقلال، ليس بفعل ما لحقه من تنكيل وبطش وتحريم وتجريم، بل بفعل عوامل داخلية أيضًا، وليس بفعل العامل الخارجي وحده. ويعود جزء منها إلى الاتكالية الفكريّة والتعويل على ما يصدر من المركز الأممي، وأحيانًا أخرى إلى الجمود العقائدي والنصوصية المدرسية وعدم مواكبة التطوّر، وليس بعيدًا عن ذلك بعض المواقف ذات الطفولة اليسارية، لاسيّما الموقف من الدين والقضيّة القومية، فيما يتعلّق بفلسطين والوحدة العربية، وهو ما حاول خصومه وأعداءه تضخيمه وإلصاق تهم شتّى به بهدف النيل منه.

‏أستطيع القول أن مشروع اليسار العربي توقّف عند الشعارات الكبرى التي كانت تصلح لمرحلة معيّنة، ولم يتمكّن من قراءة الواقع الجديد الذي ظهر بعد مرحلة الاستقلال وما أعقبها، الأمر الذي جعله يتأرجح بين خيارين كل منهما كان مرًّا؛

‏الأول - الانخراط في مشاريع سلطوية لم تمنحه الحد الأدنى من حريّة العمل والتنظيم حتى لو كان لتأييدها.

‏والثاني - الابتعاد عنها لدرجة الانغلاق والتقوقع في انعزالية وانطواء، دون التمكّن من تقديم بديل عمّا هو قائم، وتسبّب ذلك في اتّساع الهوّة بينه وبين الجمهور وبينه وبين الكتل البشرية التي يزعم تمثيلها.

‏وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي تعمّقت هذه العزلة، حتى أن الأنظمة لم تعد تُعير اهتمامًا له، كما أنه خرج من معادلة الناس وهمومهم ومعاناتهم وتطلّعاتهم.

اليسار والربيع العربي

‏مع انتفاضات ما سميّ بالربيع العربي العام 2011، انفتح الفضاء العام أمام مطالب الحريّة والعدالة والكرامة، لكنّ اليسار لم يكن في صلبها لا في اللغة ولا في الأدوات ولا في التعبير ولا في المسار، وبالطبع فإنه لم يستطع أن يقرأ على نحو سليم مآلات الصراع، وازداد تأرجحًا بين التشكيك بحركة التغيير، بل واتهامها أحيانًا أنها من صنع الخارج، على الرغم من الملاحظات السلبية العديدة التي عليها، وبين النظر إلى السلطات القائمة بمنظار قديم باعتبارها معادية للإمبريالية، أو أن الإطاحة بها سيؤدّي إلى صعود قوى لا يُؤتمن إليها.

‏ وبالطبع فإن الانتقاضات الجديدة لم تخضع للنمط الكلاسيكي للانتفاضات السابقة، فلم يكن لها قيادات مسبقة وأيديولوجيات محدّدة وسرديات معروفة، مع أنها خلقت فراغًا لم يتمكّن اليسار من إملائه كليًا أو جزئيًا، ناهيك عن التحرّك الفعلي، وذلك لأن أزمته عميقة وبنيوية في الآن، أي أنها لم تكن عرضيّة، بل كانت أزمة في الفكر والممارسة والتنظيم والقيادة والإدارة تعتّقت مع مرور الأيام.

‏وقد ظهرت بعض التململات اليسارية، لكنها كانت مختلفة عن اليسار التقليدي المعروف، فهذا اليسار الجديد هو يسار بلا تنظيم حزبي، وبلا أيديولوجيات مغلقة. يسار في إطار المجتمع المدني، وإن كان الأخير هلاميًا ومخترقًا في الكثير من الأحيان، لكن ثمة مبادرات اجتماعية ومطالب شعبية عامة وحركات نسويّة اشتغلت في هامش حركة التغيير بوسائل تكنولوجية ورقمية حديثة بعيدة عن تجارب الماضي، مستفيدةً من كون العالم يمرّ في الطور الرابع من الثورة الصناعية واقتصادات المعرفة والذكاء الاصطناعي.

‏اليسار الجديد ظل هو الآخر هامشيًا، فهو يسار معولم وفرداني، يتحدث بلغة البيئة أو المناخ أو الجندر، وإن كان يعبّر عن بعض التطلّعات العامة، لكنه كان بعيدًا عن الناس والفئات الكادحة، وبالتالي يصعب أن يتحوّل إلى قوة فاعلة ومؤثّرة، أي قوّة اقتراح يُحسب لها حساب. ومثل هذا اليسار سرعان ما تمّ تدجين الكثير من فاعليته واحتوائه، وبالتالي سيكون من الصعب أن يقدّم بديلًا مناسبًا.

مشروع تنوير وحداثة

‏ انطلق اليسار العربي في مرحلته الأولى من مواجهة محمومة مع الاستعمار، وكان بمثابة مشروع تنوير وحداثة وتحرّر. صحيح أنه لم يتحوّل إلى تيار عريض باستثناء اليسار العراقي واليسار السوداني، لكنه لم يصبح حركة اجتماعية واسعة وجامعة، بل ظلّ يمثّل طموحات نخب مثقفة من الطبقة الوسطى صاغت خطابًا معتدلًا في إطار الدولة بمراعاة الفئات الفقيرة، وتلك إحدى ميزات اليسار التي افتقدها لاحقًا.

وقد تجسد مثل هذا التوجّه في التأثير على أطراف أخرى، ويمكن هنا احتساب بعض التجارب العروبية عليه أو بحكم تأثيراته عليها مثل اليسار الناصري واليسار البعثي السوري والعراقي واليسار الجزائري واليمني والسوداني والفلسطيني والليبي الذي صاغ  شعارات راديكالية مثل التحرّر من الاستعمار وإجلاء القواعد العسكرية وإقامة العلاقات مع المعسكر الاشتراكي والتوجه نحو التعليم المجاني والإصلاح الزراعي والـتأميم، وكل هذه المشاريع حملتها أجهزة الدولة ما بعد مرحلة الاستقلال، وهي وإن أحدثت نموًا اقتصاديًا، لكنها لم تستطع أن تحقّق التنمية الإنسانية المستدامة والشاملة، لذلك ظّلت فوقية وسرعان ما تبخّرت.

اليسار والدولة

‏ظل مشروع اليسار مرتبطًا بالدولة، ولم يستطع أن يتجاوز أجهزتها البيروقراطية والأمنية. وهو ما غرق به اليسار الماركسي في تجارب الأصل في الدول الاشتراكية السابقة، وإن كان من ضحاياه في تجارب الفرع (حركة التحرّر الوطني)، علمًا بأن الدولة العربية كانت في الغالب دولة القمع والريع، وظلت المسألة التناوبية والتداولية في السلطة غائبة، والديمقراطية السياسية مؤجلة أو مرتهنة، بزعم أن العدو الإسرائيلي يدقّ على الأبواب، وبالتالي تمّت مقايضة التنمية بالعسكرة، ومقايضة الإصلاح بالتفرّد بالسلطة، وهكذا ضاعت فرص تنموية مهمة، مثلما قضم العدو الأرض بالتدرّج وعلى مراحل، وصولًا إلى مأساة غزّة.

‏منذ أواسط سبعينيات القرن الماضي انهارت الدولة التنموية مع أزمة النفط العام 1973، وتراجع الريع التنموي، وحين حلّت الثمانينيات لم يتبقّ من الوعود بالعدالة الاجتماعية سوى اللّافتات المهلهلة، ودخلنا في حروب ونزاعات إقليمية وأهلية، وتوسعّت طموحات البعض بفرض الهيمنة، فسوريا استحوذت على لبنان، والعراق غزا الكويت بعد حرب ضروس مع إيران دامت 8 سنوات، ونسى هذا اليسار القومي تحرير فلسطين وانشغل بحبك الدسائس والمؤامرات ضدّ بعضه البعض وإزاء الدول العربية الأخرى، وهذه الدول الأخرى لم تقصّر هي كذلك في السعي للإطاحة به وتبهيت شعاراته، وما زاد في انهيار اليسار تراجع الطبقة الوسطى وتهميشها لصالح بيروقراطية الدولة، إضافة إلى تفكّك الكتلة الاشتراكية بعد انهيار جدار برلين في 9 تشرين الثاني / نوفمبر 1989. وأصبحت لغة اليسار، في معالجة الإشكاليات القديمة – الجديدة، أقرب إلى لغة أرستقراطية سياسية لا يصغي إليها أحد، لأن إداراتها تمارس السياسة كوظيفة وليس كفعل تغيير.

‏وتحوّل فريق من الماركسيين والشيوعيين إلى مجرد محلّلين سياسيين لإصدار تنظيرات لواقع متغيّر، لكنهم ظلوا متشبّثين بسردية مغلقة عن صراع الطبقات وإلغاء الاستغلال، في حين كان هناك فريق آخر يبشّر بالليبرالية الجديدة واقتصاد السوق، ولا يتورّع أحيانًا عن تبرير بعض ما تقوم به الدوائر الإمبريالية من احتلال وغزو بزعم تشييد صروح الديمقراطية، في الوقت الذي كانت الحركات الإسلامية تتمدّد مستغلةّ انهيار اليسار القومي، ولا سيّما بعد هزيمة العام 1967، التي قوضت شرعيته، وفشل اليسار الماركسي، فضلّا عن نجاح الثورة الإيرانية العام 1979، وانتشار الجمعيات الخيرية التي شكّلت دعائم اجتماعية فعّاله لتغلغل التيار الإسلامي.

الزمان العراقية

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط