كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

أي أوراق يعاد خلطها بعد حرب غزّة؟

أعادت الحرب الثالثة في غزة تأكيد حقائق قد تكون هي ذاتها التي دلّت إليها الحربان الأوليان في 2008-2009 و2012. وأبرز تلك الحقائق أن الجمود الذي فرضته إسرائيل على \"عملية السلام\" أولاً، وعلى الموقف من الحال التي مثّلتها غزة، كان وسيبقى مصدراً لتجدّد المواجهات.

كان التذرّع بأن الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000 هي التي صعّدت التطرّف الإسرائيلي مفهوماً لبعض الوقت، ولم يعد مفهوماً بعد سنوات من بناء الجدار العنصري والتنسيق الأمني مع السلطة ووجود حكومات فلسطينية في رام الله عملت على تغيير مزاج الشارع من استخدام العنف إلى تفعيل المقاومة الشعبية السلمية. وبعد الانسحاب من قطاع غزة في 2005 وانتصار \"حماس\" في الانتخابات استُخدمت ذريعة أخرى مستندة إلى كون \"حماس\" لا تعترف بإسرائيل، ثم بعد انقلاب \"حماس\" على السلطة في 2007 نشأ وضع ارتاحت إليه إسرائيل واعتبرت أنه حقق لها هدفاً استراتيجياً - فصل الضفة الغربية عن القطاع - من دون أي عناء وما كانت لتتمكّن من فرضه من خلال المفاوضات.


منذ اجتياح أرييل شارون الضفة عام 2002 تم عملياً الإجهاز على \"عملية السلام\" وفُتح الطريق لتسابق المتطرّفين وتزاحمهم للوصول إلى قمة السلطة في إسرائيل، وأصبحت الحكومات أقرب إلى جهاز لإدارة الفساد السياسي منها إلى طاقم سياسي يدرك مسؤوليته في حل الصراع مع الفلسطينيين. وقد ظهرت ملامح هذا الفساد بجلاء في الأزمة الأخيرة التي لعب فيها \"أفيجدور ليبرمان\"و\"نفتالي بينيت\" ومن هم على يمينهما دوراً رئيسياً في الدفع باتجاه العدوان على غزة هروباً من مشاكل أخرى داخلية وإثباتاً لحقيقة أن المستوطنين الموتورين باتوا هم أصحاب القرار في إسرائيل.

في المقابل كان الأميركيون والأوروبيون والعرب يشجعون - بل يضغطون على - السلطة الفلسطينية كي تحافظ على خط معتدل نابذ للعنف، حتى بعدما أصبحت للمستوطنين ميليشيات متمتّعة بحماية حكومية لتقتل وتحرق وتخرّب. وعندما حاولت السلطة المعتدلة تحسين وضعها سياسياً من طريق الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، اعترض الأميركيون والإسرائيليون ووقفوا بالمرصاد وفرضوا حصاراً مالياً ودبلوماسياً، بل هدّدوا الرئيس محمود عباس شخصياً. ولما جرّب الأميركيون إحياء المفاوضات لتنفيس الاحتقان وإيجاد شيء من التوازن، قطع حلفاؤهم الإسرائيليون المتطرّفون الطريق عليهم، وبعدما وجّهوا إهانات مباشرة وغير مباشرة للرئيس الأميركي انتهوا إلى إهانة وزير خارجيته وإجباره على التخلّي عن أي مسعى لتحريك المفاوضات. وأخيراً بعدما يئست \"السلطة\" من العجز الأميركي والتعنّت الإسرائيلي عادت إلى ما كان عليها دائماً أن تفعله، أي أن تجري المصالحة الفلسطينية، ولكن هنا أيضاً كان الاعتراض الإسرائيلي وقحاً وواضح العدوانية، ولم يكن \"التفهّم\" الأميركي مطمئناً.

فماذا عنى ذلك كلّه؟ وماذا يريد الإسرائيليون والأميركيون إذاً طالما أنهم لا يحسنون التعامل مع المعتدلين الفلسطينيين ويرفضون التعامل مع مَن يعتبرونهم متطرّفين؟ عنى ذلك أولاً أن حكومة المتطرّفين الإسرائيليين تفضّل أن ترى في مواجهتها متطرّفين مثلها لتنال \"مشروعية\" إطلاق النار عليهم، بل عنى أن تهميش السلطة الفلسطينية ومعتدليها، والتلاعب بمصير القضية الفلسطينية عبر استغلال انشغال العالم بالاضطرابات العربية مشرقاً ومغرباً، وكذلك بمخاطر الإرهاب \"الداعشي\" المنبثق من أزمتي سوريا والعراق. كان في التوحّش والاستفزاز اللذين عقبا خطف المستوطنين الثلاثة وقتلهم دعوةً لغزّة ولـ \"حماس\" كي تستفيد أيضاً من البلبلة الإقليمية. لكن غزّة مستفزَّة أصلاً بفعل الحصار الخانق وإقفال المعابر وردم الأنفاق، و\"حماس\" مستفزَّة أيضاً بفعل الضربة الشديدة التي تلقّتها في مصر إلى جانب جماعة \"الإخوان المسلمين\" وشعورها بتضاؤل أهميتها الاستراتيجية فلسطينياً وعربياً.

الحرب الثالثة في غزّة، جاءت على خلفية فشل ذريع للمسار التفاوضي، وبلوغ العجز الأميركي حدّاً غير مسبوق في تاريخ التحالف الأميركي - الإسرائيلي، وتوحّش المتطرّفين داخل الحكم الإسرائيلي، ومحاولة تيار الإسلام السياسي وقف الانهيار الذي يتعرض له في العالم العربي... هذه الحرب أعادت خلط الأوراق، فلسطينياً على الأقل، إذ أعادت المقاومة المسلّحة إلى صدارة المعادلة، إلى ما كانت عليه مع الانتفاضة الأولى، وفرضت خيار العودة إلى \"المشروع الوطني الفلسطيني\"، الذي كان يزاوج بين المقاومة والتفاوض. لكنها فرضت حقائق أولية لا بد أن تنعكس على الصياغة الجديدة لهذا \"المشروع\"، ذاك أن الحرب عززت موقع \"حماس\" شعبياً، وألقت ظلالاً على \"المصالحة\"، وكرّست واقعياً الانقسام الجغرافي بين الضفة والقطاع من دون أن ننسى الانقسام السياسي والنفسي والاجتماعي.

وعلى المستوى الخارجي، أصبحت الأطراف الدولية والإقليمية على يقين بأن لديها مأزقاً لم يعد مقبولاً الاكتفاء بالمسكّنات لمعالجته، ولا تأجيل هذه المعالجة إلى ما بعد الرابعة وما بعدها. فقد يقال الكثير لإلقاء المسؤولية على \"حماس\" وحدها، لكن مسؤولية إسرائيل أكثر خطورة، ليس فقط باستخدام القوة وارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وإنما خصوصاً بتعطيل كل الخيارات السلمية التي عرضها الفلسطينيون والعرب، ولا يزالون يصرّون عليها، لأن الحرب لم تعد بين خياراتهم. وعلى المجتمع الدولي، بالأخص الولايات المتحدة، تقع مسؤولية منع إسرائيل من أن تكون الحرب، والحرب فقط، خيارها الأوحد، وفقط لأنه يناسب الفساد السياسي في حكومة المتطرّفين..
عن الاتحاد الاماراتية

×
أخبار
بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط