كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

أي خيارات للسلطة الفلسطينية في ظل الاستعصاء القائم؟

بعد عشرين عاما من توقيع اتفاق أوسلو، يمكن الاستنتاج والاستدلال ببساطة، أن أوسلو اسرائيليا، ومنذ البداية؛ أريد له أن يختلف اختلافا جذريا عن أوسلو كما توارد في الذهن الفلسطيني، أو هكذا أراده الإسرائيليون بتوجه واع ومخطط له من قبلهم، أن يكون؛ فأوسلو الإسرائيلي استمرار لما كان قبلا من مشروع آلون إلى روابط القرى إلى الإدارة المدنية، وصولا إلى استنتاجات لا تسووية ما زالت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تتمسك بها، وبكل ما يناقض المشروع التسووي الفلسطيني. حتى إن أوسلو فلسطينيا لم يعد يجد شريكا في الجانب الرسمي الإسرائيلي؛ يؤمن بحل الدولتين فعليا وعمليا، أو بتسوية ضمن حدود العام 1967، في ظل استشراء الاستيطان في أراض يفترض أنها تقع في نطاق الدولة الفلسطينية المفترضة، وفي ظل تمسك بمناطق الأغوار المحاذية للأردن، إلى حد طرد سكانها الفلسطينيين منها بحجة وذرائع استخدام أراضيهم كمعسكرات للتدريب.

وعلى رغم التجربة العشرينية المريرة، ما زالت المفاوضات تستأنف بين الحين والآخر، من دون الوصول إلى ما يناقض الأساسات التي رست عليها اتفاقات أوسلو التي أضحت في العرف الإسرائيلي، مجرد سياسة يمكن نقضها في كل حين، طالما هي تتعارض ومفاهيم الأمن والتطلعات الصهيونية القائمة على وجود إسرائيلي دائم في أرض فلسطين التاريخية. ونظام من السيطرة استقر عند حدود عليا من الهيمنة السياسية والعسكرية وأخيرا الاقتصادية حتى.

إن استمرار الوضع الوطني الفلسطيني ومراوحته عند عتبة أوسلو، في ظل مراوحة تفاوضية، لم تستطع أن تتخطى أو تخترق أي سقف أو حد تسووي ممكن، وفي ظل شروط عجز الوضع الفلسطيني والعربي وحتى الدولي، من أن يساهم أو يساعد على مثل هذا الإختراق، أقعد القيادة الفلسطينية وحولها إلى مجرد سلطة لحكم ذاتي، جعلها تنتقل قسريا نحو اتجاهات تتناقض ومنطق التحرر الوطني، وحصر مطالبها وأهدافها الراهنة في إتمام عملية تسووية، ليس شرطا أن يكون مآلها الحتمي الوصول إلى دولة فلسطينية على حدود العام 1967، مستقلة حقا بعيدا من الاستيطان والمستوطنين، وبعيدا من استبعاد تواصلها مع محيطها العربي، من قبيل محاولات استمرار السيطرة على مناطق الأغوار على الحدود مع الأردن. ولهذا جرى طرح موضوعة "تبادل الأراضي" كنوع من استمرار المماطلة والتمحك الإسرائيلي، غير القابل للتغيير أو التعديل، لا سيما في ظل حكومات إسرائيلية تزداد تطرفا ويمينية مع الزمن الضائع من عمر أوسلو منذ عشرين عاما، لم تشهد تقدما يُذكر في الفكر السياسي الإسرائيلي الذي يسيطر عليه هاجس الأمن بشكل رئيس.

وبعيدا من أوهام إمكانية تحقق تسوية ممكنة جراء المفاوضات العبثية الراهنة، أو حتى بعد عشرين عاما من الآن، فقد أثبتت تجربة الواقع المرير، أن ليس لدى المؤسسة الحاكمة في إسرائيل، أي ذرة من استعداد للتخلي عن نهج فرض الأمر الواقع الاحتلالي بالقوة، فليس لديهم شبيه بديغول، ولا الإسرائيليين أنفسهم يمكنهم في ظل الوضع الحالي المريح لهم، أن يتحولوا ويحولوا مزاجهم نحو تسوية ممكنة، أضحت تتلاشى وتضمحل رويدا رويدا، لا سيما في ظل وضع إقليمي ودولي متهاون ومنشغل بقضايا أخرى؛ بعيدا من هموم الفلسطينيين وقضيتهم العادلة.

بين طيات هذا الوضع الأليم، يبقى السؤال الأهم ماذا تبقى من أوسلو بعد كل هذه السنين؟

ما عول عليه الإسرائيليون ويعولون عليه، أن تبقى لهم السيطرة الفعلية الأمنية والإقتصادية على كل الأرض التي يزعمون أن "الإله وعدهم بها"، ولهذا فإن تلك السيطرة هي "التجسيد البشري" لذاك الوعد الاستعماري الكولونيالي، بعيد المدى، كونه استند ويستند إلى "مقدس" مزعوم وموهوم؛ وهو لن يحول أو يزول، طالما بقي الطرف المقابل (الفلسطيني)، يبني على أساسات أوسلو، ما يتطلع أو يحلم أن يحقق له مشروع دولته المستقلة، كحد أدنى لتحقق مشروعه الوطني القائم على ثوابت قيامة دولة علمانية ديمقراطية على كامل أرض فلسطين التاريخية، ككيان سيادي غير متنازع عليه.

لم يبق من أوسلو، ذاك الأمل بانسحاب الاحتلال إلى حدود العام 1967، حتى يتاح فعليا وعمليا قيام الدولة الفلسطينية، تجسيدا لحل الدولتين، فهذا ما لم يتضمنه الاتفاق أصلا، وإن جرى تبني ذلك لفظيا من قبل نتانياهو أو وزراء في ائتلافه الحاكم. وكل ما تبقى ليس أكثر من كوابيس أو أضغاث أحلام، عولت وتعول على مسيرة مجهضة من المفاوضات، ومسار إنتقالي لم ينتقل قيد أنملة طوال كل تلك السنين التي استغرقتها مسيرة أوسلو، من دون أن يتضح أو يتبين للطرف الفلسطيني أن مشروعه الوحيد أو الأوحد للتسوية المؤقتة أو "التاريخية" يتحقق، أو هو في سبيله للتحقق، أو يمكن تحقيقه في وقت من الأوقات العصيبة التي عملت وتعمل إسرائيل من جهتها على إجهاضه، أو الإبقاء على مراوحته الدائمة، من دون السماح له بأن يتقدم ولو بخطى سلحفائية بطيئة.

على العكس من ذلك، حققت حكومات الاحتلال أغلب مصالح وتطلعات الإسرائيليين، والمستوطنين منهم بالتحديد، في ظل ترسيخ الجدار وتثبيت المستوطنات ومحاولة استكمال تهويد القدس. في حين لم يتحقق للمشروع الوطني الفلسطيني سوى المزيد من التراجعات والخسائر التي حاقت به كمشروع للتحرر الوطني، لا كمشروع لإدارة أزمة أو على الأرجح لإدارة دولة موهومة، تقبع تحت الاحتلال، وتخضع لإملاءاته ولإملاءات المانحين الغربيين وغيرهم، ما حدّ من مساعي رفع السقف الوطني للمطالبة بدولة فعلية على أرض سيادية فعلية، بلا احتلال أو استيطان ومستوطنين.

لهذا تحديدا، بات ملحا ومن أبرز مهمات الواجب الوطني، الذي يجب التصدي لها، من قبل الوضع الفلسطيني بمجمله، صياغة استراتيجية كفاحية جديدة، تأخذ بعين الاعتبار أن أوسلو، وقد تقادم عليه الزمن، وبانت وانكشفت كل مثالبه، في ظل وقائع استيطانية واحتلالية تناقض روح وجوهر الاتفاق، وصولا حتى روح وجوهر ما رست عليه تلك الجولات التفاوضية العبثية الماراثونية الطويلة، من دون أن تسفر حتى عن "شروى نقير" يمكن التعويل عليه مستقبلا.

إن تجديد المشروع الوطني الفلسطيني، يحتم العودة إلى تجديد المنطلقات الكفاحية، وتحديدها مجددا، وفق واقع ووقائع ما رست عليه سرديات المشهد الوطني الفلسطيني، وآليات ومعايير الوعي الوطني، ومحددات الهوية الوطنية المضادة والمعادية لمعادلة نفي الهوية الفلسطينية عن الأرض والشعب تاريخا وجغرافية وديمغرافية؛ تحاول إسرائيل قلب معادلاتها لصالح مستوطنيها في القدس والضفة الغربية، وفي الأغوار، وفي كل مكان من فلسطين التاريخية؛ المهم أن يبقى الفلسطيني شريدا في معادلة الاحتلال، والمستوطن اليهودي مواطنا "أصيلا" أو "أصلانيا" في كيان الاحتلال الكولونيالي.

المهمة الراهنة والملحة بعد عشرين عاما من أوسلو وتداعياته الكارثية: الدفع نحو استنهاض شعبي فلسطيني معادل لربيع عربي يثور على أنظمة الاستبداد، من دون أن يسلم راياته لقوى متخلفة، هي بالأصل قوى معادية للتقدم والحداثة والمعاصرة والتنوير، ترث أنظمة استبداد سياسي هي في استبداديتها الدينية أفظع وأكثر فاشية. وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، تتطلب تلك الاستعادة والتجديد للمشروع الوطني، وانتزاعه انتزاعا من أيدي قوى المحاصصات الفئوية، وحتى لا يبقى رهنا لقوى المصالح الزبائنية السلطوية والوظائفية، والمحسوبيات التي ترى في استمرار الستاتيك الراهن والاستعصاء الراهن، قمة تحقق المصالح الأنانية والنرجسية، لفئات طبقية آلت وتؤول على نفسها أن تبقى ما بقي أوسلو، والمفاوضات والتنسيق الأمني، رهين التعاطي مع الاحتلال، على حساب الضرورات الوطنية التاريخية التي تجسدها القضية الوطنية، والمشروع الوطني، ومنظمة التحرير الفلسطينية؛ ككيان وطني جامع لكامل القوى الوطنية الفلسطينية.

في كل الأحوال، ينبغي أن تبقى السلطة الفلسطينية رهينة منظمة التحرير وليس العكس، ولكي تبقى كذلك، المطلوب الخروج من حال الاستعصاء التفاوضي الراهن، نحو انفتاح آفاق جديدة لكفاح وطني يجدد المشروع الوطني ولا يميته بالتقادم، ويضيف إليه، ولا ينتقص منه ومن أساساته، حيث قضمت أوسلو بعض تلك الأساسات، وستبقى تقوم بمثل هذا القضم؛ طالما استمر الوضع الوطني الفلسطيني في سلسلة تراجعاته، وفي مقدمته ذاك الانقسام الذي شكل وما يزال عنصر الاختراق، كلاعب رئيس إلى جانب تداعيات أوسلو، في فرض مسار تراجعي ماض في انحداره، نحو ما يناقض أهداف التحرر الوطني الذي وسم المشروع الوطني بميسمه، منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة.

×
أخبار
نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط