كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

بؤس الثقافة... مرّة أخرى

بؤس الثقافة... مرّة أخرى

تاريخ النشر: 2026-08-18 | 11:48

أحمد زكارنة
أحمد زكارنة

حينما خطّ الدكتور فيصل درّاج كتابه "بؤس الثقافة في المؤسّسة الفلسطينية" في العام 1996، كان يشخّص علاقة مأزومة بين الثقافة والمؤسّسة السياسية الفلسطينية، قبل أن يصل الخراب الثقافي إلى ما وصل إليه اليوم، في تداعٍ لا يشبه فلسطين الوطن المسلوب، والقضية المحاصرة، والشعب المكلوم على حد سواء.

درّاج، الذي كان قريباً من المؤسّسة الثقافية الفلسطينية في زمن الثورة، فجّر في هذا الكتاب العديد من الأسئلة المهمّة فيما يخص العلاقات الثقافية بالمؤسّسة السياسية، وتجلّيات هذه العلاقة على فكر التحرر نفسه، وهو أمر مشروع تماماً، ولكنني أكاد أجزم، أنه لم يتخيّل أن يأتي يوماً تعمل فيه مكونات الحقل الثقافي على نفي الدور الثقافي، وتشويه معالم هذا الدور الذي كان بمثابة إحدى أهم الروافع السياسية المنتصرة للحق الفلسطيني، وأداتها الأهم في منازلة سردية الآخر النقيض.

اللافت، أن المجتمع الثقافي الفلسطيني، الشاهد الصامت بمعنى من المعاني، أكثر من يعي أن اختراق المساحة الثقافية، إنما هو في حقيقته محاولة حثيثة للنيل من أهم حصون الوعي الفردي والجمعي في آن، بغية تحويل الهزيمة من حيّز المجال السياسي إلى أزمة في إنتاج المعنى. ما يدفعني إلى القول إننا إزاء مفارقة أشد خطورة، تكمن في انتقال جزء من الثقافة الفلسطينية من ثقافة التحرر الوطني إلى ثقافة الاستهلاك والفردانية، في وقت لم يتحقق فيه التحرر أصلًا؛ وهو انتقال يفتح الباب، في أحد وجوهه، أمام ما بات يوصف بصناعة التفاهة. وما أخطر التفاهة حين تتحوّل من محتوى عابر إلى معيار ثقافي يعيد تشكيل الهوية نفسها.

قد لا تكون الأزمة الثقافية الفلسطينية أزمة نقص في المثقفين أو في النصوص، بقدر ما هي أزمة في البنية التي ينتج فيها المثقف، وفي اللغة التي تفكّر بها المؤسّسة، وفي علاقات هذا وذاك بالسياسي وسلطته التي يفترض أن تكون محل نقد إن لزم الأمر؛ بكلمات أخرى، نحن أمام أزمة في شروط إنتاج الثقافة نفسها، وفي المعايير التي تمنح الفعل الثقافي قيمته وحضوره، وربما أمام بنية يمكن أن تنتج التفاهة وتكافئها، حتى حين تعمل تحت شعار الانتصار للقضية؛ فعدالة القضية لا تمنح العمل الرديء قيمة فنية، ولا تحوّل ضعف الفعل الثقافي إلى فضيلة وطنية.

المشكلة بهذا المعنى، تتجاوز ضعف أو تخبّط النشاط الثقافي للمؤسّسة الرسمية، الوزارة؛ لأنها تتعامل مع دورها بوصفه تأكيداً لحضور المؤسّسة إدارياً، أكثر من كونه تأكيداً لحضور فلسطين بوصفها المكوّن الأساس للقضية الوطنية وللفعل الثقافي؛ ما يعني أن التصوّر الثقافي نفسه لدى القائمين على المؤسّسة إنما يتعامل مع الفعل الثقافي بشكل هرمي يقف هذا النظام الإداري على رأسه، بدلاً من الانخراط مع قاعدته، وهي قراءة تبسيطية قاصرة عن فهم أهمية الفعل الثقافي بحمولته الوطنية، فالمؤسسة الثقافية التي تنفصل عن مجتمعها وتتحوّل إلى نشاط إداري، تفقد بالتدريج أهم أسباب ضرورة وجودها.

الأمر يزداد سوءًا حين يتخطّى علاقة المؤسّسة بالفعل الثقافي وأدواره، إلى المجتمع الثقافي نفسه؛ حيث الشللية الثقافية وما يرافقها من مجاملات يعتقد البعض انتماءها إلى ما يُعرف بالكياسة الاجتماعية، فيما تتداخل فيها حدود الكياسة بالتياسة، لتنتج خرابًا يضرب المعنى الثقافي عموديًا وأفقيًا؛ فالمشكلة ليست في المجاملة بوصفها حاجة اجتماعية، وإنما حين تتسلّل إلى تقييم المنتج الثقافي نفسه، فتمنحه قيمة لا يستحقها؛ فيغيب المستوى الأدبي والفني غيابًا كاملًا عن كثير مما يجري تحت شعار المجاملة، ليتحوّل الصمت عن الرداءة، أو الإشادة بها، من مجاملة عابرة إلى مساهمة في ترسيم الخراب، وهو ما يجعل المساهمين في تلك الممارسة شركاء أساسيين في الخراب وإعادة إنتاجه.

وفي الحالتين، فإن الثقافة حينما تنزلق إلى الفردانية والنيوليبرالية، تقدّم الهوية الفردية على الهوية الجمعية، والقضية الشخصية على القضية الوطنية، وهو ما يتطلّب تخليق جمهور زبائني، وإن كان من شريحة المثقفين أنفسهم، ولكنه الجمهور الذي لا يمكنه أن ينتج خطاباً ثقافياً وطنياً واضحاً، ببساطة، لأن حراسة المثقف لسوسة النفاق التي تنخر جسد المشهد، إن صحّ التشبيه، تلتقي مع حراسته لممارسات السلطة وهي تدير شروط قوتها؛ وهذه وتلك ليستا من وظائفه الأهم، مقارنة بوظيفته الأساسية في حماية القضية الوطنية نفسها، والانحياز إلى صوت ضحاياها، وهو ما يعيدنا إلى تمييز ماكس فيبر بين أخلاق القناعة وأخلاق المسؤولية؛ فصحّة النوايا والقناعات لا تعفي صاحبها من مسؤولية النتائج.

وكي لا تكون الكتابة هنا، مجرّد خطاب مرسل، فما حدث، ويحدث من نشاطات غير مفهومة وغير مدروسة في المشهد الثقافي بقيادة المؤسّسة تارة، وبعض هوامشها تارة أخرى، إنما يقول بشكل واضح لا لبس فيه، إن المؤسّسة الثقافية تفتقد لرؤية واضحة المعالم، فحينما تُقسم الكلمة الفلسطينية في أحد النشاطات التابعة لوزارة الثقافة بين "كلمة فلسطين" و"كلمة غزة"، وكأن الأخيرة تقع خارج الدلالة الفلسطينية الجامعة، فنحن أمام خلل في اللغة يكشف خللاً أعمق في التصوّر، وحين تُغيَّب أسماء وازنة عن المشهد، شمالاً وجنوباً، لمصلحة دوائر ضيّقة ومتكرّرة، يتحوّل النشاط الثقافي من فضاء للتعدّد والتنوّع إلى آلية للاستتباع والتكريس يهشّم معايير القيمة الفنية والانتماء الثقافي معاً، وحينما لا يميّز بعض القائمين على الفعل الثقافي في الوزارة بين ماهية الرواية الأدبية والرواية التاريخية، فإن ذلك يكشف خللاً في الوعي الثقافي قبل أن يكشف خطأ في تنظيم هذا النشاط أو ذاك، وعندما ترفض الوزارة الاستماع للنقد، فهي تنتحر من حيث تدري أو لا تدري، ببساطة لأن الثقافة الفلسطينية بهذا المعنى لا يمكن لها أن تهزم نقيضها، ما دامت عاجزة عن نقد تصوّرها لنفسها.

أخيراً، الأزمة لدى المؤسّسة الثقافية الرسمية تبلغ ذروتها حين تصبح أكثر حرصاً على حماية صورتها من حرصها على حماية المجال الثقافي، ليغدو الولاء معياراً للحضور، والنقد سبباً للإقصاء؛ عندها يصبح الدفاع عن أخطاء قد تراها المؤسّسة هامشية، أهم من القدرة على الاعتراف بها وتصحيحها؛ غير أن فكرة الالتزام بالقضية الوطنية لا تعني تعطيل الوظيفة النقدية للثقافة؛ فلربما كان النقد أكثر أشكال الالتزام بها صدقاً، لتبقى الثقافة قادرة على نقد نفسها قبل غيرها، ببساطة، لأن التضامن الأعمى مع الذات يلغي النقد، ويتحوّل سريعاً إلى تبرير، والتبرير يضعف الهدف، ويشوّه الهوية، لنجد أنفسنا، بعد ثلاثة عقود تقريباً، أمام بؤس الثقافة... مرّة أخرى.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط