كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

بانتظار اختراق الانسداد السياسي

لو أن الجهد الذي بذل لتحقيق الانطلاق الاقتصادي استكمل بسعي مماثل لاختراق الانسداد السياسي، لفازت مصر بالحسنيين.
(1)
فأنت إذا نظرت إلى مصر من خلال ثمار مؤتمر شرم الشيخ، سترى الأفق الاقتصادي رحبا ومسكونا بطموحات لا حدود لها، وستحلق بك تلك الطموحات عاليا. لكن الأمر سوف يختلف إذا يممت وجهك شطر خرائط الواقع في مصر، إذ ستلمح فيها من الأشواك والألغام ما قد يسحب بعضا من رصيد التفاؤل الذي أشاعه «العرس» الأول، علما بأننا ما زلنا عند مرحلة «عقد القران». ولئن كان التفاوت بين الحلم والواقع مفهوما، إلا أنه يصبح خطراً إذا كان من شأن الواقع أن ينال من الحلم أو يهدد بإجهاضه.
في هذا الصدد، لا مفر من استعادة بعض البديهيات التي لا يختلف عليها أهل النظر ممن ربطوا بين التقدم الاقتصادي والاستقرار والسلم الأهلي. ذلك أن هؤلاء اعتبروا أن الاستقرار لا يشكل فقط عنصر الجذب الأساسي لأي مستثمر، وإنما هو الحصان الذي يجر عربة الاقتصاد والتنمية بشكل عام. لذلك، لا بد أن يتقدمها، وإلا صرنا نقلب الآية وتوقعنا من العربة أن تجر الحصان!
عند الحد الأدنى، فالحصان المصري يفتقد إلى اللياقة التي تؤهله لأن يجر عربة الاقتصاد. إذ ليس صحيحا أن البلد يتوفر له الاستقرار والأمان الذي يمكنه من تحقيق الانطلاق الاقتصادي المنشود. وإذا قال قائل بأن القوات المسلحة انضمت إلى الشرطة في تأمين كل الأماكن العامة، وإن الأعين مفتوحة والمدرعات جاهزة ونقاط التمركز الأمني بمقدورها أن تجهض أي إخلال بالأمن، فلن اختلف معه في فيض معلوماته، لكن ذلك كله لا يكفي لتوفير الاستقرار والأمن، بل أزعم أن هذه الإجراءات دالة على أن الأمن غير مستتب وانه لن يتوفر، إلا إذا ظلت القوات المسلحة مستنفرة للاحتشاد على جبهة الداخل، وإذا بقيت المدرعات والعربات المصفحة في الشوارع وحول الأماكن العامة. ذلك أن الأمن الحقيقي لن يطمئن إليه الناس إلا إذا أدركوه من دون الحاجة إلى تلك الحشود والإجراءات. ثم إن هناك فرقا بين أمن المرافق والمباني الذي يمكن أن تحرسه المدرعات. وبين أمن الناس الذي لا تراه العين لأنه شعور كامن في الأعماق.
(2)
حين أصدر «المركز الألماني لدراسات السياسة والأمن» تقريره بمناسبة انعقاد مؤتمر شرم الشيخ، فإنه اعتبر أن الاستثمار في مصر في الوقت الراهن محفوف بالمخاطر، بسبب عدم استقرار الأوضاع السياسية في البلاد. وهذا ليس رأيا شاذا، لأنه متداول في أوساط الدبلوماسيين الغربيين المقيمين في مصر، الذين يشكلون انطباعاتهم ويحصّلون معلوماتهم من خلال الاحتكاك المباشر بالواقع. وقد سمعت من أحدهم أن الإعلام المصري يعتبر مصدرا غير موثوق به في تصوير ذلك الواقع. وذلك كلام لا مبالغة فيه، لأن من يدقق في الواقع المصري لا تفوته ملاحظة تزايد إرهاصات العنف ومؤشراته. ومن جانبي أزعم أن تلك المؤشرات تتوزع على ثلاثة مصادر هي: النشطاء والحركيون، والمزاج العام للمجتمع، والسلطة.
في ما يتعلق بالمجموعة الأولى، لن أتحدث عن «أنصار بيت المقدس» ولا عن «أجناد مصر» أو غيرهما من الجماعات الصغيرة التي انزلقت في مسار العنف لسبب أو آخر. لكن ما يعنيني في اللحظة الراهنة هو العنف الذي بدأ يظهر بين بعض شباب «الإخوان»، والعنف الذي بدأ يمارسه أفراد ليسوا من الإخوان ولكنهم من أهالي الذين تحالفوا معهم وأصبحوا من ضحايا الاعتصامات أو التظاهرات.
كنت قد أشرت في مقام سابق إلى أن «الإخوان» لم يعودوا شيئا واحدا. وكان لي رأي سابق تحدثت فيه عن جماعات «الإخوان» الذين خرجوا من عباءة الجماعة الواحدة. ويفيدنا في ذلك التحليل ان ننبه إلى الاختلاف الفكري التقليدي بين المحافظين والقطبيين والسلفيين داخل الجماعة، وهؤلاء تعايشوا جنبا إلى جنب خلال العقود الأربعة الأخيرة. وبرغم أن التباينات بينهم، لم تظهر إلى العلن، إلا أن كتاب «دعاة لا قضاة» الذي صدر في ستينيات القرن الماضي باسم المرشد الثاني لـ «الإخوان» المستشار حسن الهضيبي، يعد علامة في هذا الصدد، ذلك انه كان ردا على أفكار سيد قطب في كتابه «معالم في الطريق»، الشاهد ان تباينات التيارات الفكرية ظلت تتفاعل في محيط الجماعة بصورة أو أخرى، لكنها ظلت تحت السيطرة في وجود القيادة بتشكيلاتها المختلفة. وبعد عزل محمد مرسي من الرئاسة، والزج بقيادات الجماعة العليا والوسيطة في السجون والمعتقلات، انفرط عقدها وعادت التباينات إلى الظهور مرة أخرى. وهذا التباين حدث أيضا في محيط «الإخوان» المصريين الذين لجأوا إلى الخارج. وذلك واضح في التصريحات والبيانات التي تصدر عنهم. وهو ملاحظ في أداء القنوات الفضائية الثلاث أو الأربع التي تبث باسم «الإخوان» من تركيا. إذ كان منطقيا أن يكون للجماعة قناة واحدة في البلد الواحد على الأقل، ولكن التعدد كان انعكاسا لتباين الآراء والمواقف.
ما يثير الانتباه في تحري مسار الجماعة ليس فقط ان الجهات المعنية لم تحاول الفرز بين مكوناتها، ولكن أيضا ان السنوات الأخيرة أفرزت جيلا من الشباب خرج عن طوعها وبدأ يتصرف من واقع رؤيته وقناعاته الخاصة. والمقلق في الأمر أن هذا الجيل بدا رافضا للديموقراطية ودفعته التجربة إلى عدم الوثوق في آلياتها، ومن ثم أصبح أكثر استعدادا لممارسة العنف والانخراط في العمل السري. وهذه الانطباعات تشكل نقاط التقاء بينهم وبين أهالي الضحايا من غير «الإخوان». ومشكلة هذه الشريحة من الشباب انهم لا يرون أي أفق للحل في المستقبل المنظور. وهذا الانسداد يشكل حافزا لها للثأر والانخراط في العنف، الذي يمكن ان يتزايد مع تزايد الشعور باليأس واستمرار الانسداد. وهذا تحليل، إذا صح، فإنه يعني أن العنف القادم لن يكون مقصورا على «أنصار بيت المقدس» و «أجناد مصر» وأي كيانات أخرى مماثلة، ولكن دائرته مرشحة للاتساع بسبب أنشطة تلك الشريحة من الشباب اليائس والمحبط.
(3)
في الشق الخاص بالمجتمع، لا يستطيع الباحث أن يتجاهل تنامي مشاعر النفور والتشفي مشفوعة بجاذبية القبول بالعنف في أوساط الرأي العام المصري. ولكي أشرح هذه النقطة، فإني أذكر بما حدث في فرنسا في أعقاب نجاح الحلفاء في هزيمة النازيين وإسقاط حكومة فيشي الموالية لها العام 1945. إذ برغم أن الفضل في تحرير فرنسا راجع إلى الدور الذي قام به الحلفاء وليس إلى المقاومة الفرنسية، فإن الشعب الفرنسي كان معبأ ضد النازيين إلى الحد الذي دفع جماهيره إلى الإقدام والحفاوة بإعدام ميليشيات النظام السابق ومخبريه مع تجار السوق السوداء من دون محاكمة. كما تم إعدام ثمانين شخصاً من المسؤولين الذين شاركوا في النظام السابق. وتجلى التلذذ بالانتقام الجماعي في الحملة التي نظمها البعض وأدت إلى سوق مئات وربما آلاف النساء المتعاونات في الشوارع كالسبايا، وحلق شعورهن أمام الجمهور، وسط التهليل والتصفيق.
برغم التباين بين حكم النازيين لفرنسا وبين تجربة «الإخوان» في السلطة، فالشاهد اننا في مصر صرنا بإزاء حالة من النزوع إلى الانتقام والتشفي، دفعت كثيرين إلى الترحيب بالمذبحة التي وقعت أثناء فض الاعتصامات، وإلى الاستهانة بخنق وإحراق 37 شخصا في عربة الترحيلات أمام سجن أبوزعبل، وصولا إلى تبرير قتل المحامية شيماء وقبلها سندس فتاة الإسكندرية، فضلا عن المطالبة بتعليق المشانق للمعارضين باعتبارهم خونة ومجرمين. وقل مثل ذلك بالنسبة لعمليات التعذيب والزج بأكثر من 40 ألف شخص في السجون.
لقد قام الإعلام التعبوي بدور لا ينكر في إذكاء ظاهرة التشفي والقابلية بالعنف. وهو ما أحدث تراكما خطرا لا أظن أنه يشكل عنصرا مساعدا على التعايش والاستقرار في المستقبل القريب.
ليس الأمر مقصورا على تسميم مشاعر وضمائر قطاعات من الرأي العام، لأن الأخطر من ذلك أن الظاهرة شملت بعض عناصر النخبة التي احتلت منابر الرأي العام، وسبق أن وصفتها بأنها كتائب الإبادة، وكان لها دورها في تعميم وتأصيل الكراهية والنزوع إلى التشفي والانتقام. وهو عامل له أثره الذي يذكر في تسويغ العنف وتبريره.
(4)
لست بحاجة للإفاضة في عرض العنف الذي تمارسه السلطة من زاويتين: الأولى تتمثل في التعويل على الأمن في التعامل مع مختلف مظاهر الحراك الاجتماعي، الأمر الذي أغلق الأبواب أمام الحلول السياسية. والحاصل مع الجامعات والتظاهرات السلمية والشباب الذين عارضوا المحاكمات العسكرية خير شاهد على ان التفكير السياسي ليس مطروحا، وان الحلول الأمنية وحدها المعتمدة. كما يتمثل عنف السلطة أيضا في سلسلة القوانين والإجراءات المقيدة للحريات، بدءاً من قانون التظاهر وانتهاء بقانون الكيانات الإرهابية، ومرورا بتعديل قانون تنظيم الجامعات الذي أطلق يد الأمن في فصل الأساتذة، إلى جانب قانون محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية. ولا تسأل عن مشروع قانون الاستغناء عن الشهود في القضايا المنظورة.
في تقديم أحدث كتبه، «جهاز الدولة وإدارة الحكم في مصر»، ذكر المستشار طارق البشري «إننا خلال ثلاثة أرباع القرن الأخير، عشنا في مصر طوارئ ثابتة اعتاد عليها جهاز إدارة الدولة، وتشكلت في إطارها تجاربه ومهاراته وأساليب إدارته.. بمعنى أن «ثقافته» الإدارية وبحكم تجاربه وخبراته لم يعد يستطيع الحكم ولا ممارسة مهام عمله في التعامل مع المواطنين إلا في ظل ما تنتجه «حالة الطوارئ» من سلطات وقدرات غير مقيدة، أي في إطار سلطات طليقة من القيود. وخلص المستشار البشري من ذلك إلى ان امكانية الحكم وإدارته في مصر لم تعد تنفصل عن خبرة الاستبداد ومعارفه وعادات تعامله. وهو ما يمثل أحد أبرز مشكلات مصر في الوقت الراهن.
ربما تصور البعض انه يمكن تجاهل كل ما سبق من أشواك وألغام، محتجا في ذلك بأن العوامل التي ذكرتها يمكن امتصاصها والسيطرة عليها بإجراءات السلطة وقبضتها القوية. وهي حجة تردنا إلى جوهر المشكلة لأن اختزان الأحزان وكتمان الغضب يخدع الناظرين. وهذا الاختزان ذاته هو الذي نحذر منه، لأنه لا يعني سوى تأجيل الانفجار وترحيله إلى غدٍ مجهول، والعاقل من عالج أسباب الانفجار وليس من أجّله. وحده الاختراق السياسي كفيل بتحقيق ذلك. ولا تسألني عن طبيعة الاختراق المطلوب، لأن الأمر يحتاج إلى قرار سياسي قبل الدخول في أي تفاصيل، وهذا القرار لم يتوفر بعد.

عن الشروق المصرية

×
أخبار
انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط